النفايات تشكّل التضاريس في بيروت!

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 16 سبتمبر 2015 - 2:39 مساءً
النفايات تشكّل التضاريس في بيروت!

بيروت – عند مدخل بيروت الشمالي، يتراءى للمارة مشهد يفوق الخيال: جبل نفايات يرتفع بضعة امتار ويختلط فيه الخبز العفن والأطعمة المهترئة والاكياس التي تنبعث منها روائح مثيرة للغثيان.

جبل النفايات هذا او “جبل الكرنتينا” هو اكبر المكبات العشوائية التي اعتمدت كحل مؤقت لازمة نفايات مستمرة منذ شهرين في بيروت ومحافظة جبل لبنان، ما اشعل حركة احتجاجية لا سابق لها ضد الطبقة السياسية شارك فيها الاف اللبنانيين.

وبلغت قدرة مكب الكرنتينا على استيعاب النفايات اقصاها، ما دفع شركة “سوكلين” المكلفة برفع النفايات الاثنين الى اعلان توقفها عن العمل في بيروت الادارية.

وعادت النفايات للتكدس مجددا عند اطراف الشوارع في احياء العاصمة السكنية.

ويقول علي يعقوب (37 عاما) وهو سائق شاحنة يعمل لدى شركة محاذية لمكب الكرنتينا “الوضع لم يعد يطاق. أقضي هنا حوالي ست ساعات يوميا بين الروائح والحشرات”.

وعلى بعد امتار مما يعرف الان بـ”جبل الزبالة”، يتناول علي مع ثلاثة من زملائه الفطور حول طاولة بلاستيكية، وهم يحاولون ابعاد الذباب من حولهم.

ونتجت ازمة النفايات بشكل أساسي عن إقفال مطمر الناعمة جنوب بيروت في 17 تموز/يوليو في غياب حلول بديلة عنه.

واعلنت الحكومة في العاشر من ايلول/سبتمبر خطة لحل الازمة، الا انها لاقت رفض سكان المناطق، التي من المفترض ان تعتمد فيها المطامر، وناشطي المجتمع المدني.

ولا يعرف حتى الان اذا كانت الحكومة ستباشر بتطبيق خطتها في ظل هذا الاعتراض.

في منطقة الكرنتينا الصناعية القريبة من اماكن السهر المعروفة في بيروت كالجميزة ومار ميخائيل، يتجمع عمال خارج شركة محاذية للمكب ويروون ما يشاهدونه يوميا من تراكم لنفايات تنتشر بينها جرذان كبيرة ميتة.

ويشكو احد مسؤولي العمال رافضا الكشف عن اسمه من الوضع قائلا “تخدرت بالكامل، لقد فقدت حاسة الشم”، مشيرا الى معاناة العمال من عوارض “التقيؤ والاسهال واوجاع المعدة”.

ويشرح الخبير البيئي زياد ابي شاكر ان “الروائح الكريهة ناتجة عن التخمر اللاهوائي للمواد العضوية، ما يؤدي الى تكاثر البكتيريا التي تسبب اصابات بالاسهال واحيانا طفرات جلدية”.

ويحذر من “تازم الوضع الصحي وتفاقم الامراض” اذا طالت الازمة.

ولا تقتصر هذه الكارثة البيئية على الكرنتينا فحسب. على جانبي الطريق بين بيروت وجونيه (شمال العاصمة)، تتكدس اكوام من الاكياس البلاستيكية الزرقاء والسوداء اللون بالقرب من المجمعات السياحية بانتظار نقلها الى مكبات عشوائية وضع بعضها تحت الجسور واخرى على الشواطئ.

وبدلا من ان تمر السيارات من تحت جسر جونيه من دون عوائق تجد نفسها مضطرة للاستدارة حول جبل من النفايات يحتاج الى امتار قليلة ليبلغ علو الجسر.

وفي منطقة الدورة التي تضيق بالمارة والسيارات، قتل مواطن الاسبوع الماضي بعد ان صدمته سيارة اثناء اجتيازه للطريق السريع، لعدم تمكنه من الصعود الى جسر المشاة بسبب تراكم النفايات التي سدت الدرج المؤدي اليه.

واختارت بعض بلديات جبل لبنان، الشاطئ لرمي نفاياتها.

ويقول نعمة الله بواري، مدير محطة وقود على طريق ضبية الساحلي “وضعوا النفايات بالقوة هنا في شارع مليء بالشركات والمكاتب (…) لا يمكننا الوقوف في الخارج”.

ومع اقتراب موسم الشتاء والعواصف، يخشى ان تنجرف الاكياس الى البحر في غياب الاجراءات اللازمة. وقرعت وزارة الصحة الثلاثاء “جرس الإنذار”، محذرة من تلوث التربة وفيضان قنوات المياه في الاشهر المقبلة.

ورغم تحذيرات الوزارة، يلجأ بعض المواطنين الى حرق النفايات او رشها بالمبيدات.

ومع استمرار الازمة، تتواصل التحركات الاحتجاجية في الشارع، لا سيما من قبل مجموعات المجتمع المدني.

ويشدد اسعد ذبيان، من مجموعة “طلعت ريحتكم” الابرز في الحراك المدني، على رفض الناشطين خطة الحكومة في مرحلتها المؤقتة والتي تعتمد على المطامر.

ويؤكد “التضامن مع اهالي المناطق طالما انهم يرفضون المطامر”، مطالبا الحكومة “بوضع خطة بديلة”.

وافرغ ناشطون حاوية من النفايات امام وزارة البيئة في وسط بيروت والتي “اقتحمها” عشرات الشبان والشابات في الاول من ايلول/سبتمبر، مطالبين باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق. وتنفذ مجموعة من الناشطين اضرابا عن الطعام امام الوزارة حتى تحقيق هذا المطلب.

ويعتبر ابي شاكر أن “القضية أصبحت أخلاقية، فلا يمكن وضع نفايات البعض عند آخرين”، في اشارة الى اقتراح المطامر.

ويدعو الى “خطة تجبر المواطنين على الفرز من المصدر”، علما ان بيروت الادارية تنتج حوالي “600 طن يوميا”، بحسب قوله.

وفي حين ان الخطة الحكومية على المدى الطويل تسلم البلديات ادارة النفايات الا انها لم تقر بعد الاموال اللازمة لها للقيام بعملها.

ويبتسم علي يعقوب بسخرية حين سؤاله عن الحل، ويقول “حتى لو عمت التظاهرات فليس هناك من يسمع، فهم (السياسيون) لديهم حلول اليسوا القيمين على الدولة؟ هل تقع المسؤولية على عاتق الشعب؟”.

ويضيف “أليس لدى دول العالم نفايات؟ المشكلة لدينا فيهم (السياسيين) وليس في البلد”.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر