ورقتا الاصلاح العراقي ما لها وما عليـها … صادق الطائي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 أغسطس 2015 - 11:05 صباحًا
ورقتا الاصلاح العراقي ما لها وما عليـها … صادق الطائي

يرى بعض المراقبين للشأن العراقي ان منتظر الحلفي الشاب العشريني الذي قتل برصاص قوات الأمن في 16تموز/يوليو الماضي في تظاهرات عفوية خرجت احتجاجا على تردي الكهرباء في محافظة البصرة جنوب العراق، صورة أخرى من بوعزيزي عراقي، رمزا حرك بحيرة الفساد الآسنة التي يغرق فيها المواطن منذ اثنتي عشرة سنة، مما حفز ناشطون ومثقفون دعوا إلى حراك جماهيري في قلب العاصمة بغداد بعد الحادثة باسبوعين. خرج المتظاهرون وغصت بهم ساحة التحرير وتزامنا مع الحدث اعطت المرجعية الدينية في النجف ضوءا أخضر لهذه الاحتجاجات عبر خطب ممثلي السيستاني في صلاة الجمعة، مما منحها زخما أكبر ودفع الحكومة التي يتظاهر ضدها المواطن إلى تبني مطاليبه عبر حزمة مقترحات وجهها رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي.
بعض المطلعين على خفايا المشهد العراقي أشاروا إلى أن الأمر أقدم من تداعياته الأخيرة والانفجار الجماهيري بوجه سوء الخدمات. إذ يشير البعض إلى نزاع خفي بين (الحرس القديم) ممثلا بكتلة حكومية وبرلمانية ملتفة حول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كانت وراء تحريك العديد من الناشطين للخروج بمظاهرات لعرقلة اداء الحكومة التي انجزت بعض النجاحات على الصعيد العسكري في مواجهة تنظيم الدولة وتحرير عدد من المدن، لاسقاطها أو الضغط عليها جماهيرا مما يجعلها تبدو حكومة ضعيفة أمام تلال الفساد التي ورثتها عن الحكومات السابقة. لكن العبادي قلب الطاولة على (الحرس القديم) عندما تماهى مع مطالب الشارع وطرح نفسه كمحارب للفساد ومحاط بعصابة من الساسة الفاسدين الذين سيحاول تقليم مخالبهم التي انغرزت في رقاب الشعب منذ أكثر من عقد، فطالب باقالة رموز (الحرس القديم) من مناصبهم (نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء وترشيق الوزارات) في حركة أطلق عليها البعض انقلابا أبيض، أو انقلابا دستوريا ، مما دفع بمظاهرات مؤيدة للعبادي إلى الخروج يوم الأحد الماضي بعد ان أعلن عن ورقته الاصلاحية. فما هي هذه الورقة؟ وما مدى أهميتها وقانونيتها ودستوريتها؟ وما مدى امكانية تطبيقها الآن؟ وما أهمية ورقة الاصلاح البرلمانية التي الحقت بورقة رئيس الوزراء؟ وهل جاءت مقيدة للورقة الأولى؟ أم انها أعادت الكرة إلى ساحة العبادي ثانية للتخلص من عبء الاصلاحات؟
على الصعيد الإداري طالب العبادي بإخراج المواقع العليا من وكلاء ومستشارين ورؤساء هيئات من المحاصصة السياسية والطائفية واختيار أصحاب الكفاءة والنزاهة لهذه المواقع وعرض المرشحين على مجلس الوزراء خلال ستة أشهر لرفعها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها.على ان يشكل رئيس الوزراء لجنة مهنية لاختيار الكوادر العليا ضمن معايير اختيار المؤهلين للقيادات العليا المبنية على اسس موضوعية والمعدة من هيئة المستشارين والاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية في ذلك. وهنا نتسائل عن آلية تشكيل اللجنة المختصة وكيف ستنجو من وباء المحاصصة الضاغط من قبل شركاء العملية السياسية، فهل سيترك هؤلاء الشركاء الأمر متاحا للعبادي للتصرف بدون عراقيل؟ وهل يعد تشكيل هكذا لجنة أو هيئة مرتبطة برئيس الوزراء إجراء دستوريا؟ كما ان ورقة العبادي أشارت إلى اصلاح نظام الرواتب والمخصصات وتقديم نظام جديد خلال شهر، والاستمرار بتحديد الامتيازات للمسؤولين بما فيها (الحمايات، السيارات، السكن) وفق معايير قانونية عادلة. لكن ماهي هذه المعايير أو الضوابط التي ستتبع لاصلاح ترهل وفساد نظام الدخول والحمايات والنهب المعشش في المنطقة الخضراء؟ هذا ما لم توضحه ورقة الاصلاح. كما قرر الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس مجلس الوزراء فوراً، وهنا وقع العبادي في مأزق دستوري واضح وهو المادة 78 من الدستور التي تنص على ان ( رئيس مجلس الوزراء يقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته وله الحق في إقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب) ولم يرد أي ذكر في هذه المادة لحقه في إقالة نواب رئيس الجمهورية، وهذا مناقض لـ 3 مواد دستورية، فالمادة 69 ثانيا تشير إلى ( تنظم بقانون أحكام اختيار نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية ) يعني منصب نائب واحد للرئيس على الأقل جاء بنص دستوري وإلغاؤه لا يتم إلا بتعديل الدستور. كما ان المادة 75 ثانيا تشير إلى ( يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه) والمادة 75 ثالثا ( يحل نائب رئيس الجمهورية محل رئيس الجمهورية عند خلو منصبه لأي سبب كان) ما يعني ان إلغاء المنصب يتطلب تعديلا دستوريا، بينما المادة 13 ثانيا تنص على ( لا يجوز سن قانون يتعارض مع الدستور ويعد باطلا كل نص يتعارض معه). وإذا كان القانون يعد باطلا إذا تناقض مع الدستور فبالتأكيد ستكون إجراءات الورقة بهذا الخصوص باطلة أيضا، وهنا لابد من تعديل دستوري وهذه مشكلة كبرى. فالمادة 126 اشترطت موافقة ثلثي أعضاء البرلمان ومصادقة الشعب بالاستفتاء ومصادقة رئيس الجمهورية قبل أي تعديل، وهذا أقرب ما يكون إلى المستــحيل في الوضع العراقي الحالي.
أما على الصعيد الاقتصادي والمالي الذي يشهد اختناقا قاتلا بسبب تراجع أسعار البترول المصدر الوحيد تقريبا الذي تعتاش عليه دولة العراق الريعية اليوم، فقد أكدت ورقة الاصلاح على نقاط عدها الشارع ثانوية مثل معالجة التهرب الضريبي وتطبيق التعرفة الكمركية بصورة عادلة على جميع المنافذ الحدودية، لكنها ضربت على وتر حساس يمس مشاعر الناس في تناولها موضوع خفض الحد الأعلى للرواتب التقاعدية للمسؤولين وإجراء صياغة تقدم خلال أسبوع تعالج القرارات الخاطئة التي اتخذت سابقا. وقرر الدكتور العبادي تشكيل خلية أزمة مهمتها اتخاذ القرارات المناسبة لتفعيل حركة الاستثمار وتنشيط القطاع الخاص من خلال تفعيل القروض لتنشيط حركة الاقتصاد في البلاد، وتشغيل العاطلين عن العمل ودعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة من خلال توفير قروض في حدود مليار دولار لهذا الشأن. وهنا نتسائل هل بامكان الاقتصاد العراقي المنهك توفير ما أشارت له الورقة الاصلاحية في دعم القطاع الصناعي والقطاع الزراعي وقطاع الإسكان بقروض قدرت بخمسة مليارات دولار؟
أما في قطاع الخدمات الذي أشعل فتيل الأزمة فقد أشارت ورقة العبادي إلى حزمة إجراءات لحسم مشاكل الكهرباء في مجالات الإنتاج والنقل والتوزيع والجباية وعلى ان ينجز ذلك خلال اسبوعين، وتبني برنامج رقابة مجتمعية فعال لكشف التراجع أو الفشل في تقديم الخدمات بغية محاسبة المقصرين. كما تناولت الورقة العقبة الرئيسية وهي آلية مكافحة الفساد عبر تفعيل دور مجلس مكافحة الفساد الذي سيتولى مسؤوليته رئيس الوزراء والذي سيتبنى حملة (من أين لك هذا؟) وبالتعاون مع القضاء. وطالبت بتنشيط دور المؤسسات الرقابية والكشف عن المفسدين ووضع معايير لتقييم أداء المؤسسات الرقابية ويقضي ذلك تفعيل دور هيئة النزاهة الوطنية وإعادة النظر في مكاتب المفتشين العموميين، وهنا يجب ان نشير إلى عدم مساس الورقة الاصلاحية المقدمة من رئيس الوزراء بالهيئات المستقلة مثل هيئة النزاهة التي تحولت بدورها إلى وكر للفساد وأداة طيعة بيد (الحرس القديم) تستخدمها لتصفية حسابها مع خصومها السياسيين. كما لم تشر الورقة إلى واقع السلطة القضائية المتردي الذي سيس بامتياز في فترة ولاية المالكي الثانية، وهنا جـــاء دور ورقـــة الاصلاح التي تقدم بها البرلمان، فــماذا تناولت هذه الورقة؟
في البدء يجب ان نشير إلى ان هتافات الجماهير الغاضبة كانت قد وضعت البرلمان وأعضائه في سلة الفساد، حتى وصلت بعض المطالبات إلى حل البرلمان أو الغائه أو تجميده وتحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي وهو مطلب غير واقعي في طبيعة الحال، وعندما قدم العبادي ورقته إلى البرلمان للمصادقة عليها، التف حوله الشارع في خطوة فيها تحد للبرلمان المنقسم وفق معادلة طائفية واثنية تكتفه وتعيق عمله، وكان المتوقع ان تتم عرقلة الورقة الاصلاحية، إلا ان البرلمان شهد جلسة حضيت بأعلى نسبة حضور منذ 2003 ولحد الآن، ووافق على ورقة مجلس الوزراء بالاجماع ولكنه أطرها بمطالب دستورية انصبت على القولبة القانونية لمطالب العبادي، كما ان ورقة البرلمان كانت نوعا من إعادة الكرة لملعب العبادي إذ طلبت منه انجاز عملية ترشيق الوزارات والهيئات خلال مدة زمنية لا تتجاوز الـ30 يوماً وطرحها للتصويت، كما دعت رئيس مجلس الوزراء إلى إقالة كل من وزير الكهرباء والموارد المائية وكل من يثبت تقصيره في إدارة الوزارة وتحقيق مصالح الناس بما له من صلاحية ووفق الآلية الدستورية. والملاحظ ان لازمة (وفق الآلية الدستورية) رافقت أغلب نقاط الاصلاح في ورقة البرلمان، فماذا يعني ذلك؟ يعني ان البرلمان ما زال سيد الموقف، والكتل السياسية ما زالت ممسكة بموازنة المعادلة السياسية وان دعوة ورقة البرلمان إلى السلطة القضائية لتقديم ورقتها للاصلاح يعني ان لا مجال حقيقيا لاصلاح ثوري ( أبيض كان أو غير أبيض) وان السعي لاصلاح المنظومة السياسية العراقية من داخلها ما زالت هي الممكنة في الوقت الحالي، وهذا ما أكده رئيس الوزراء في كلمته المتلفزة يوم 13 اب/اغسطس منبها المتظاهرين من ان البعض يحاول ركوب موجة التظاهر لأسباب وصراعات سياسية وذلك عبر تبني مطالب غير قابلة للتحقيق إلا عبر تدمير العملية السياسية وفي هذه الحالة سيكون البلد كله مهددا بالتفجر والتشظي مع وجود تنظيم الدولة على بوابة بغداد الغربية. لكن هل سيقتنع المتظاهرون بهذه الاصلاحات الممنهجة التي قد تستلزم أعواما ويرضى الجمهور ببعض أكباش الفداء؟ هذا ما سيجيب عليه الشارع العراقي في المقبل من الأيام.

رابط مختصر