ضغوط الشعب تفرض الاصلاحات الحكومية والنيابية في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 16 أغسطس 2015 - 11:01 صباحًا
ضغوط الشعب تفرض الاصلاحات الحكومية والنيابية في العراق

بغداد ـ «القدس العربي»: بعد تظاهرات حاشدة لملايين العراقيين الغاضبين على نقص الخدمات وتفشي الفساد في كيان الدولة ونهب المال العام، وبعد تدخل المرجعية الدينية، وافق مجلس النواب العراقي بالاجماع على حزمة قرارات وإجراءات قدمتها الحكومة العراقية والبرلمان، تهدف إلى تلبية مطالب المتظاهرين في تحقيق الاصلاحات السياسية والاقتصادية الضرورية لحل مشاكل العراق إضافة لمحاسبة الفاسدين وسراق المال العام.
وقد أعلن رئيس مجلس النواب سليم الجبوري في جلسة التصويت على الاصلاحات، أن القرارات التي أصدرتها الحكومة هي الحزمة الأولى التي ستليها إجراءات وقرارات مهمة أخرى يتوقع صدورها لتحقيق الاصلاحات في مختلف مناحي الحياة في البلد. كما أشار إلى أن البرلمان سيفعّل لجنة «من أين لك هذا ؟» التي ستفتح ملفات الفساد للمسؤولين في الحكومة السابقين والحاليين. وإذا كانت القرارات الاصلاحية قوبلت بارتياح كبير من الأوساط الشعبية، مع المطالبة بالمزيد منها، فإن القرارات، وكما هو متوقع، جوبهت باعتراضات من قبل بعض القوى التي تضررت أو تتوقع أن تضرر منها.
وكان موقف رئيس الجمهورية فؤاد معصوم متحفظا، كون رئيس الوزراء أصدر القرارات وخاصة المتعلقة بإلغاء مناصب نوابه الثلاثة، دون التنسيق معه، مؤكدا أن القرارات تهدف إلى الاصلاحات ومكافحة الفساد، وأنه ليست هناك علاقة لنوابه بهذا الموضوع. ووصف نائبه اياد علاوي القرارات بغير الدستورية ولا تعالج أساس المشاكل كالعفو والغاء التهميش والمحاصصة، داعيا العبادي أن يبدأ مكافحة الفساد من مكتبه. وكذلك حذر النائب الآخر نوري المالكي من تحول التظاهرات إلى فوضى تلحق الضرر بالبلد وتجعل المواطنين يترحمون على الماضي.
ومن جانبهم، أكد القانونيون أن القرارات التي أصدرها العبادي تتجاوز صلاحياته المحددة بموجب الدستور، حيث تتطلب بعض القرارات الحصول على موافقة رئيس الجمهورية، كما تتطلب تعديل الدستور. ورغم أن قرارات العبادي تعتبر نقلة نوعية مهمة في مسيرة الحكومة لتحسين الأوضاع، فإنها ليست كافية دون ملامسة طلبات المتظاهرين واحتياجاتهم مثل توفير الخدمات وخاصة الكهرباء ومحاسبة الفاسدين واحالتهم إلى القضاء.
وضمن هذا السياق جاء تحذير السيد مقتدى الصدر، من تسويف طلبات المتظاهرين والتأكيد أنه يتابع تنفيذ القرارات التي صادق عليها مجلس النواب. كما أمر القيادي في التيار الصدري بهاء الأعرجي بتقديم الاستقالة ومنعه من السفر إلى خارج العراق لحين استكمال اجراءات التحقيق معه حول ما نسب إليه من تهم بالفساد المالي. ومن ناحية أخرى، فإن القرارات فتحت المجال لحكومات المحافظات، لإتخاذ الإجراءات الاصلاحية المهمة مثل حل مجلس المحافظات والمجالس البلدية، كما حصل في بغداد بابل وغيرها، لعدم كفاءة هذه التشكيلات الإدارية وفشلها في تقديم الخدمات والحد من انتشار الفساد.
وقد لاحظ المتابعون لتطور التظاهرات، ارتفاعا في سقف المطالب مع استمرار تنظيم التظاهرات، فبعد أن بدأت بمطلب توفير الكهرباء، انتهت بمطالبات أكبر مثل محاكمة الفاسدين وتوفير الخدمات والعمل وإلغاء التشكيلات الإدارية التي ثبت فشلها في خدمة الشعب.
أما أبرز المآخذ على التظاهرات الحاشدة فهو غياب قيادة موحدة للحراك الجماهيري، تحدد الأهداف ووسائل التحرك وأماكنها، كما تأخذ على عاتقها التفاوض مع الحكومة والبرلمان حول مطالبها المشروعة ، ومتابعة تنفيذها.
ورغم ان الناشطين الشباب كان لهم الدور الأكبر في هذا الحراك، بالتعاون الرائع مع خبرة الكبار الداعمين للحراك من سياسيين وإعلاميين وإكاديميين، لعبوا دورا مؤثرا في توجيه المتظاهرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي من حيث تحديد الشعارات والمطالب وأماكن وتوقيتات النشاطات والتجمعات، إلّا أن التأثير سيكون أكبر لو وجدت قيادة موحدة تعبر عن الجمهور بكل طوائفه وشرائحه بعيدا عن الطائفية والقومية والإنقسامات السياسية.
وتحدث الناشط في تنسيقية التظاهرات زياد العجيلي لـ «القدس العربي» قائلا: «أن يوم الجمعة سيشهد تظاهرة أخرى ترسل رسالة واضحة إلى الحكومة والبرلمان، بأن القرارات الاصلاحية التي وافق عليها مجلس النواب، هي جزء من مطالب الاصلاح التي يجب أن تطبق على أرض الواقع وليس كما حصل مع الكثير من القرارات التي أصدرتها الحكومة والبرلمان وبقيت حبرا على ورق».
وأكد العجيلي، الذي هو أيضا مدير مرصد الحريات الصحافية، ان العبادي يواجه ضغوطا كبيرة، ولكنها فرصته ليثبت للشعب العراقي أنه عازم على تحقيق الاصلاحات الضرورية، مستفيدا من الدعم الذي يحضى به من الشعب والبرلمان والمرجعية.
ولا يمكن في هذا المجال، إغفال الإشارة إلى الدور الرائع للإعلام الوطني الذي وقف مع التظاهرات ونشر نشاطاتها وأهدافها وشعاراتها، في وقت تعمدت فيه الكثير من القنوات ووسائل الإعلام المحلية، تغطية التظاهرات بشكل خجول أو في الغالب أهمالها.
وقد تميزت التظاهرات بالسلمية والإبتعاد عن الشعارات الطائفية ورفض تجيير النشاط لمصلحة القوى التي تعودت ركوب الموجات والتظاهرات لتحقيق أهداف تكون بعيدة عن أهداف الجمهور، فكانت الرايات الوحيدة المرفوعة في التظاهرات هي الأعلام العراقية التي ستبقى أفضل غطاء لجميع العراقيين. ولم يعد بإمكان أحد أن يصف التظاهرات بأنها تمثل فئة ضد أخرى أو منطقة ضد أخرى أو أنها مدفوعة من الخارج.

رسائل التظاهرات

وكانت التظاهرات التلقائية التي انطلقت في المدن العراقية، بمثابة تحرك شعبي عارم أراد إيصال عدة رسائل إلى الحكومة والسياسيين والمرجعية الدينية.
والرسالة الأولى كانت تحذيرا إلى الحكومة والسياسيين، بضرورة التحرك لإيقاف إنهيار البلد، ومعالجة المشاكل والأزمات المتواصلة التي تجثم على صدور العراقيين منذ 2003 ، وفي مقدمها نقص الخدمات الأساسية واستمرار المفسدين في نهب ثروات العراق وإضاعة سيادته، مع التركيز على محاسبة المفسدين واحالتهم إلى القضاء واسترجاع الأموال التي نهبوها إلى الدولة.
الرسالة الثانية هي أن الشعب العراقي لا يمكن أن يُخدع دائما من قبل السياسيين وتجار الأزمات، ويجب عدم الانخداع بسكوت الجماهير عن ضياع حقوقها ونهب ثرواتها، فالتاريخ العراقي مليء بالثورات والانتفاضات الشعبية التي أسقطت عروشا وأنظمة كانت تعتبر نفسها في مأمن من ثورات الشعب، والتي سبق فيها العراقيون ما تسمى بثورات الربيع العربي. الرسالة الثالثة وجهها المتظاهرون إلى المرجعية الدينية بضرورة أخذ دورها وتحديد موقفها من تحرك الشعب ومعاناته. وكانت التظاهرات التي تم تنظيمها أمام مقر المرجعية في النجف وكربلاء، بمثابة الحافز القوي للتدخل وتوجيه الحكومة بوضع حد للفشل المتراكم للإداء الحكومي وخاصة في مجال الخدمات الأساسية وضرورة مكافحة الفساد المستشري الذي أوصل البلاد إلى حافة الإفلاس، إضافة إلى تعرض سيادة العراق إلى مخاطر جسيمة جراء العجز عن حماية الوطن رغم الامكانيات المالية الهائلة التي تم توفيرها لهذا القطاع. وجاء رد المرجعية بتوجيه نقد لاذع للحكومة ومطالبتها بإجراءات حاسمة وملموسة للحد من معاناة الوطن والمواطن، بمثابة حبل النجاة للحكومة لكي تتشجع في اتخاذ القرارات الصعبة.
الرسالة الرابعة، هي أن معاناة الشعب العراقي والتحديات الأمنية والاقتصادية التي يمر بها حاليا، قد وحدت الطوائف والشرائح جميعها، تحت هدف وطني واحد هو الدفاع عن الوطن وحقوق العراقيين، وأثبتت أن الفشل الحتمي سيكون مصير كل محاولات تقسيم المجتمع العراقي التي يسعى لها بعض السياسيين وأطراف اقليمية ودولية لا تريد الخير للعراق وشعبه.
إن الاختبار الحقيقي لحزمة الاصلاحات وجدواها، هو مدى قدرة حيدر العبادي على تطبيق القرارات التي أصدرها، مستفيدا من دعم ومآزرة الشعب العراقي والبرلمان والمرجعية الدينية، وفي تمكنه من تجاوز كل المعوقات والعراقيل والعصي التي سيضعها في عجلة الاصلاحات، المتضررون منها والذين كانوا وراء كل أزمات العراق وتدهور أوضاعه.

مصطفى العبيدي

رابط مختصر