تظاهرات العراق: شيعة ضد شيعة السلطة

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 15 أغسطس 2015 - 9:09 صباحًا
تظاهرات العراق: شيعة ضد شيعة السلطة

المصدر: “النهار” – بغداد – فاضل النشمي – ربما ليس في وسع الكتابة ومهما كانت محايدة، الخلاص من شبهة الانحياز الطائفي الشائعة على نطاق واسع في العراق، وليس في وسعها التخلص كذلك، من شبهة العزف على الوتر الطائفي حتى لو سعت الى قدر من الانصاف. لذلك، اظن ان من يرغب في الكتابة عن تظاهرات العراق هذه الأيام ويضعها في خانة احدى طوائفه، من حيث الفاعلية والانتاج، لابد ان يتحمل ما قد يتعرض له من نقد عن طيب خاطر.

انها ثورة الشيعة ضد شيعة السلطة!، أتصوّر هذا أقرب تعبير عن ما يحدث في العراق، حيث يملأ آلاف المتظاهرين الشيعة، غير المرتبطين بأحزاب السلطة ساحات المدن وشوارعها. وفي تعبير أدق هذا ما يحدث اليوم في قلب معاقل أحزاب الاسلام السياسي الشيعي، في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية.
يعضد وجهة النظر هذه، الدعم المتواصل من مرجعية النجف ممثلة بزعيمها الاكبر آية الله علي السيستاني. ومعروف ان التأثير الاساسي لمرجعية النجف هو داخل الأوساط الشيعية، ويكاد لا يكون لها تأثير يذكر على بقية المكونات العراقية كالاكراد والسنة. لكن ذلك لا يعني التلميح لأي مظهر ديني شاب التظاهرات بأية حال من الاحوال، انما القول انها “شيعية”، ناجم عن اعتبار اساسي وحاسم، هو المناطق والمحافظات الشيعية التي انطلقت منها. وباعتبار جديّ آخر ومهم، وهو ان اغلب الفاعلين الاساسيين من الكتاب والمثقفين والناشطين المدنيين الذين أعدوا وخططوا لها، ينتمي أغلبهم، ان لم يكن جميعهم، الى الجماعة الشيعية، وان كان على مستوى الانتماء العائلي والاجتماعي فقط.
وغير ذلك، يمكن ملاحظة الطابع الشيعي للتظاهرات عبر الغياب شبه التام لمكونين عراقيين اساسين، هما الاكراد والسنّة، لأسباب معروفة ربما، واهمها خروج المحافظات السنيّة عن سيطرة الحكومة المركزية ونزوح أغلب سكانها بسبب سيطرة “#داعش” عليها. الى جانب النزعة الانفصالية للأكراد وعدم عنايتهم واكتراثهم بما يجري في #بغداد وغيرها من مدن الوسط والجنوب.
قبل سنوات، وفي ذروة تصعيد بعض #الشيعة ضد #سنّة #العراق واعتبارهم امتداداً طبيعياً لحكم صدام حسين الرث، انبرى السياسي والكاتب الشيعي المخضرم حسن العلوي للدفاع عن السنّة أمام الانتقادات المشبعة بالضغائن، وقد اهتدى في دفاعه ذلك الى مقاربة ذكية لا تفتقر للواقعية، مضمونها ان سنّة العراق، هم غير سنّة السلطة. وأثبت عبر أمثلة كثيرة ان ملايين السنّة لم يجنوا من حكم البعث وصدام في العراق، سوى الضغائن والسمعة السيئة. ثم حوّل العلوي، بذكاء ومكر الافكار والطروحات التي عرف بها، مقاربته تلك نحو الشيعة، ليقول للناس وخاصة السنة: ان شيعة السلطة هم غير الشيعة العاديين. ولعل تظاهرات العراق “الشيعية” اليوم تؤكد ما ذهب اليه العلوي بقوة.
اليوم ومع الغضب الشيعي الكبير، يظهر بما لا يبقي مجالاً للشك، ان قطاعات واسعة من الشيعة ضاقت ذرعاً بما فعله ويفعله ابناء جلدتهم من ساسة الشيعة. لقد صبَر القوم أكثر من عقد من الزمان على الهشاشة السياسية وسوء الادارة والفساد، فنفد صبرهم. ان مسارات السياسة السيئة في العراق، الى جانب استهتار الجماعة السياسية بالدولة والنهب المنظم للثروة الوطنية، عوامل جعلت شيعته يلجأون الى دروب التظاهر والاحتجاج.
ومع انه لا يمكن اغفال العامل الشيعي الحاسم في تظاهرات العراق، لايمكن ايضاً، تجاهل البعد المدني وغير الطائفي فيها، ولعلَ من حسن الحظ ان النخب الثقافية والصحافية والاكاديمية التي تقود التظاهرات اليوم، ظلت مخلصة لطابعها المدني والعلماني برغم الهياج الديني الذي ملأ العراق من عام 2003 .
ان الشيعة وبحكم – غالبيتهم العددية وفاعليتهم- يمكن ان يعيدوا للعراق، ان استمروا في نضالهم المشروع، جزءاً كبيراً من هيبته المفقودة ويسيروا به نحو بر الأمان. كما في امكانهم ان يضعوا حداً نهائياً لسوء الادارة والفساد الذي تسبب به ابناء جلدتهم من رجالات الاسلام السياسي. ومن شأن ذلك كله ان يعيد ترميم العلاقات المتوترة بين ابناء الشعب الواحد، الى جانب اعادة ترميم سمعة البلاد على المستويين العربي والدولي الذي تضررت خلال العقود الاخيرة.

رابط مختصر