انفجار العراق العظيم … قاسم حسين … كاتب بحريني

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 13 أغسطس 2015 - 9:24 صباحًا
انفجار العراق العظيم … قاسم حسين … كاتب بحريني

ما يحدث في العراق من انفجار شعبي، إنّما يأتي فصلاً إضافياً في سلسلة الإخفاقات التي تعاني منها الأحزاب العربية والإسلامية التاريخية في المنطقة.

إذا كان «الأخوان المسلمون» احتاجوا إلى عام واحد فقط لتسقط تجربتهم في حكم مصر، واحتاجت «حركة النهضة» التونسية إلى عامين لتتنحى عن الحكم اضطراراً، فإن الأحزاب العراقية الإسلامية (الشيعية) احتاجت إلى 12 عاماً، لتعرف حجم النقمة الشعبية ضد سياساتها وطريقتها في الحكم.

من المؤكّد أن العراق لم يستقر طوال هذه الأعوام الـ12 الماضية، فمنذ سقوط الدكتاتور السابق صدام حسين، تقاطعت مصالح قوى محلية وإقليمية لمنعه من النهوض. وكانت آخر هذه التقاطعات هذا التحالف بين فلول وبقايا الحزب الحاكم السابق، وبين جحافل القاعدة والتكفيريين، هذا الزواج غير الشرعي أنتج هذا اللقيط الخطِر: «داعش»، الذي انقلب إلى وحشٍ يهدّد العراق ودول الشام والخليج وشمال أفريقيا.

مع ذلك، فإن النخبة الحاكمة، من قيادات الأحزاب السياسية، فشلت في تحقيق أيّ تقدّم ينعكس على تحسين مستوى حياة المواطن العراقي. هذا العجز أوضح ما يكون في توفير الكهرباء، حيث ينقطع التيار أغلب ساعات اليوم، ويستخدم المواطنون المولّدات في البيوت والفنادق لسدّ هذا النقص. هذه المشكلة هي التي لعبت دور الصاعق الذي فجّر الأوضاع.

حين تزور العراق تسمع التذمّر من الطبقة السياسية الحاكمة، وهي عبارة عن ائتلاف مصالح بين القيادات السنية والشيعية والكردية، على أسس طائفية وحزبية خالصة.

بلاشك أن اللوم الأكبر يقع على قيادات الأكثرية، (الشيعة)، الذي يحكمون العراق اليوم، والذين تكشّفوا درجةٍ كبيرةٍ من الاستهتار بمصالح الشعب. وهو أمرٌ لا يقتصر على الحكومة (رغم أنها تضم وزراء من كافة المكونات)، بل يتعداه إلى البرلمان، الذي تكشّف عن تكالب شديد على تحقيق المصالح الفردية والامتيازات، دون التفات لمصالح الشعب الذي يعاني من أزمات معيشية تمسّ عصب الحياة اليومية.

إنها خيبةُ أملٍ كبرى في الأحزاب العراقية التي كانت تناضل لعقودٍ ضد الحكم الاستبدادي، وقدّمت عشرات الآلاف من الضحايا، شهداء وسجناء ومنفيين، وحين وصلت إلى الحكم تصرّفت بنهمٍ شديد للنفوذ والمال. هذه الأحزاب، مثلها مثل الأخوان المسلمين، كانت تنام على تاريخ تضحوي عريض، ولها نظريات طويلة في «الحكم الإسلامي»، لكنها حين وصلت إلى السلطة تصرّفت بعقلية الإقطاع.

اليوم في العراق، وقبلها في مصر وتونس وغيرها، نشهد سقوطاً لرموز هذه الأحزاب «التاريخية»، التي لم يعد لديها ما تقدّمه من جديدٍ لإنقاذ الأوضاع المتردية والخروج بأوطانها من مستنقع الأزمات. وهو ما يفسّر هذا الغضب الشديد في الشارع العراقي، وما يموج به من شعارات.

إن هذه القيادات الحزبية نامت في أحواض العسل، واستنامت إلى تاريخها، ظنّاً بأنه سيحميها من النقد، بعد أن اكتسبت طبقةً جلديةً سميكة، من صحفٍ ومنابر وقنوات إعلامية تعطيها هالة بيضاء. هذه الهالة هي أعجز من أن تقنع ملايين الفقراء والمحرومين بنهج هؤلاء الساسة وبسلامة سياساتهم التي كرّست الحرمان، مع تردي الخدمات الأساسية، وتدهورها من سيء إلى أسوأ.

البحرينيون من أكثر شعوب الخليج زيارةً للعراق، وحباً للعراقيين، وارتباطاً بقضاياهم وهمومهم، سواءً أيام حكم الطاغية أو بعد الاحتلال الأميركي، حيث أصبحوا أول ضحايا الإرهاب التكفيري. ويسوؤك أن تزور بغداد، أو غيرها من المدن التاريخية الكبرى، فتراها أقرب لحالة الأرياف. حتى المدن المقدّسة عند الحكّام الجدد، لم يعتنوا بتحديثها أو تطويرها أو إحداث نقلة نوعية في مستوى معيشتها، وما يجري من تحديثٍ وتعميرٍ في الروضات الدينية فبأموال الخمس والنذور والتبرعات. لقد أثبتت الأحزاب والقيادات التي تشارك اليوم في حكم العراق اليوم، سنةً وشيعةً وأكراداً، فشلهم وعدم الإحساس بالمسئولية تجاه الوطن والشعب، وكانت قمة الكارثة سقوط الموصل بيد «داعش»، تحت سمع وبصر ومباركة وتآمر بعض هذه القيادات.

هذه الطبقة المتكلّسة الأحاسيس، التي تكالبت على تقاسم النفوذ، دون شعور بالإثم أو محاسبة النفس، احتاجت إلى تدخلٍ مباشرٍ من المرجعية الدينية العليا لدفعها دفعاً لمحاربة الفساد. والأغرب أن كلّ هذه القيادات المتهمة بالفساد، أعلنت تأييدها للمرجعية في محاربة الفساد!

العراق لا يحتاج إلى نظريات في الحكم الإسلامي، أو دعوات لعودة الخلافة، بل يحتاج إلى قياداتٍ تلتزم النزاهة وتتعفّف عن المال العام، وقانونٍ صارمٍ يحاسب المرتشين والسرّاق.

رابط مختصر