كابوس الواقع يردع حلم المملكة الهاشمية بالتمدد نحو العراق وسوريا

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 1 أغسطس 2015 - 8:01 صباحًا
كابوس الواقع يردع حلم المملكة الهاشمية بالتمدد نحو العراق وسوريا

لا يصلح تعبير “الترقب الحذر” لوصف موقف الأردن حيال مآلات الوضع على حدوده الشمالية والشرقية، بقدر “الشعور بالعجز” فيما تجد المملكة الهاشمية نفسها في وضع صعب داخليا وخارجيا.

فالتطورات المتلاحقة هزت صانع القرار الأردني، وجعلته غير قادر على ملاحقة التطورات وانفضاض الدعم العربي والدولي له، سوى عبارات المجاملة التي لا تنفع مع السياسة شيئا.
المشكل الأشد إيلاما أن الأردن، يبحث عن موطيء قدم له في المنطقة مع تسارع التغيرات في قواعد اللعبة، ليجدد دوره السياسي إقليميا ودوليا ويقنع اللاعبين الأساسيين بضرورة بقائه. فمنذ انكشاف ظهره مع سقوط نظام صدام حسين في العراق واستيلاء إيران عليه، وانغماس سوريا في حمأة حرب أهلية وإقليمية جعلتها مقسمة ومفتتة، مع بروز لاعب جديد خطر، تمثل في “الدولة الاسلامية” (داعش) والأردن يجهد لحجز مقعد في التحالفات الإقليمية والدولية دائمة التغير، بلا جدوى.

الأردن الكبير

قبل نحو 3 اشهر، تحدث رئيس الوزراء السابق طاهر المصري (بإجمال) في ندوة مغلقة بمركز الرأي للدراسات بعمان، عن سيناريوات دولية لتغيير الخريطة السياسية في المنطقة وان الأردن يعي ذلك جيدا، ليفصّل رئيس الديوان الملكي ومستشار الملك سابقا عدنان أبوعودة بالقول أن المملكة تدرك أن عليها القيام بأمرين، أولهما الحفاظ على كيانها السياسي، والآخر التمدد، وهو ما فُهمَ بالتمدد شرقا نحو الأنبار في العراق وشمالا نحو محافظتي درعا والسويداء.

بعد ذلك بفترة وجيزة نادى الكاتب في صحيفة “الدستور” المحلية ماهر أبو طير، المقرب من القصر، بتوسيع جغرافية الكيان الأردني ليصير الأردن الكبير، بزيادة جغرافية تعادل مساحته الحالية وبين 15 الى عشرين مليون مواطن جديد.
كان هذا بمثابة جس نبض لتقبل الشارع ، المتوحد غضباً على تنظيم “داعش” بعد حرقه الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا. تبع ذلك عدد من التصريحات والتلميحات والإجراءات التي تدعم احتمالات التوجه نحو توسيع رقعة الدولة على حساب سوريا والعراق المهددتين بالانقسام والتفتت.
وكان أبرز هذه الخطوات تعزيز المناطق الحدودية الشرقية والشمالية بأعداد كبيرة من القوات المسلحة، وضم راية الهاشميين بما تحتويه من شعارات تماثل الموجودة على راية “داعش” وبما تملكه من بعد تاريخي، إلى القوات المسلحة خلال الاحتفال بذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش في 9 حزيران.

وفي منتصف حزيران أعلن العاهل الأردني عبدالله الثاني بن الحسين، خلال زيارة لقبائل البادية الشرقية والشمالية، أن “من واجب المملكة دعم العشائر (السنية) غرب العراق وجنوب سوريا”، في إشارة إلى المناطق التي تمدد فيها “داعش” أو سيتمدد مستقبلا، من دون ان يوضح طبيعة الدعم.
تبع ذلك زيارة رئيس الحزب التقدم الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط للاردن حيث طالب الملك بتقديم الحماية للدروز في محافظة السويداء من سطوة “داعش” التي صارت على تخوم مناطق الدروز السوريين، وصرح أنه تلقى كلاما طيبا من الملك.

في المقابل أصدر زعماء عشائر سورية جنوبية “من دمشق” بيانا استهجنوا فيه تصريحات الملك . وكان هذا رسالة رد واضحة من النظام السوري، الذي ما انفك يرسل تحذيرات معلنة ومبطنة للأردن من التدخل واستمرار التدخل في الشأن الداخلي، في إشارة اتهامية إلى دعم الأردن لـ”الجيش السوري الحر”، وجعل أراضيه قاعدة للتدخل الاستخباري الغربي (والخليجي) وتقديم الدعم والتدريب والتخطيط للمعارضة السورية.

غير أن كثيرا من السياسيين والمحللين الاستراتيجيين والكتاب الصحافيين حذروا من مغبة التورط في هذا التوجه، وشددوا على ضرورة الاكتفاء بحماية حدود البلاد والنأي عن “اللعب بالنار”.

في مقابل ذلك انبرى رئيس الحكومة عبدالله النسور والناطق باسمها وزير الاعلام محمد المومني غير مرة لتأكيد أن “لا نية للأردن لا اليوم ولا غدا في التمدد شمالا او غربا” وتجديد تاكيد الموقف الرسمي الداعي منذ بداية الأزمة السورية إلى “الحل السلمي”.
لكن، في عُرف الأردنيين “متى كان للحكومة رأي أو قرار بمثل هذه الملفات” التي يعلمون جيدا انها تُدار من القصر والأجهزة الأمنية فقط.

تطورات تخالف الحلم

لكن هذا “الحلم” تبخر في أيام قلائل،على وقع التطورات المتسارعة في المنطقة. فـ”عاصفة الجنوب” التي قادها تحالف قوات المعارضة (المعتدلة) المدعومة من الأردن ودول الخليج والغرب في درعا تعثرت، إن لم تكن فشلت في تحقيق أهدافها، وسط أنباء عن خلافات بين فصائل المعارضة، وبينها وغرفة العمليات في الأردن المعروفة بالـ”موك”.
و”داعش” واصل تمدده في سوريا، بينما النظام السوري لا يعترض طريقه، على رغم الحرب الدولية عليها وفشل القوات العراقية في تحرير الأراضي التي تسيطر عليها هناك، لتضع الجميع أمام خيار: إما نظام الأسد أو دولة (داعش الارهابية).
ووقعت إيران الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والغرب. وهو الاتفاق الذي يعتقد الجميع أن تداعياته السياسية ستسمح لنفوذ طهران، حليفة الأسد، بالتمدد أكثر في المنطقة وتعظيم دعمها لدمشق، مما يطيل من عمر النظام السوري، مترافقا مع مبادرة روسية للتسوية تصب في الاتجاه عينه (ببقاء شخص الرئيس بشار الاسد أو عدمه).

وتداعيات القرار تنبيء كذلك عن أن أي تسويات في جنوب سوريا ستكون بين طهران وواشنطن ولا أحد سواهما. إضافة إلى تولد قناعة لدى واشنطن بأن إيران يمكنها ان تكون الشريك الأقوى في الحرب على الإرهاب.

وجاء خطاب الأسد الأخيرـ الأحد، وتصريحه بأن سوريا “للمدافعين عنها فقط” بما يحمله من إيحاءات بأن اللاجئين السوريين سيبقون في الاردن لفترة طويلة، بالتوازي مع تراجع الدعم والمساعدات الدولية والعربية له لتجاوز آثارها السلبية العميقة على البلاد.

المنطقة الآمنة

قبل هذه الاجهاضات المتلاحقة لـ”حلم التمدد” طرح الأردن فكرة إقامة “منطقة عازلة” جنوب سوريا، بدعوى تخفيف حدة أزمة اللجوء السوري، ليتضاءل الطرح إلى “منطقة آمنة” تديرها الأمم المتحدة، وفق تصريح رئيس الحكومة النسور أخيرا لفضائية “العربية” السعودية.
هذه المنطقة حدد النسور وظيفتها بـ”تزويد درعا والسويداء بالمواد الغذائية والإنسانية”. وأكد وزير الإعلام المومني أن انشاءها مرهون بقرار من الأمم المتحدة وليس الأردن. لتدخل تركيا بعد ذلك على خط الأزمة، بقوة هذه المرة، مستهدفة أكراد سوريا وأي مشروع لتأسيس دولة لهم جنوب حدودها، ومنقلبة على داعش، وملوّحة بإنشاء منطقة عازلة بالقوة، مؤيدة بحلف شمال الاطلسي وموافقة واشنطن، غير منتظرة قرارا أمميا.

ولكن، هذه أنقرة وليست عمّان، وتركيا لاعب رئيس في المنطقة ويضع شروطه بنفسه ويستطيع تحمل تبعات قراراته، فهل يستطيع الأردن؟

رابط مختصر