نقص الفهم والتفهم بين الحاكم والمحكوم … سرمد الطائي

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 30 يوليو 2015 - 9:36 مساءً
نقص الفهم والتفهم بين الحاكم والمحكوم … سرمد الطائي

الحكومة لا تزال تستهين بالجمهور، او لا تاخذه على محمل الجد، لو شئت ان اخفف العبارة. ولا جديد في هذا الكلام سوى ان من الضروري لعدد ممن نحترمهم من الساسة، ان يبدأوا الانتباه الى ان هذا المسار يجب ان يتغير. لا يمكن ان يستيقظ الناس صباحا ليسمعوا مفاجآت من العيار الثقيل دونما اي تمهيد. وحين يظهر سخط عام، يبدأ المسؤول بالعتب على الناس واحيانا يتهمهم بانهم “مغرضون ومندسون” او “ما يفتهمون” في احسن التقادير.
في البلدان شبه الطبيعية يخوض الساسة والمعلقون والصحفيون والخبراء والجامعات، جدلا واسعا فيما بينهم، قبل اتخاذ اي قرار بشأن المجالات والقضايا المهمة. ولذلك يكون هناك تدرج صحي في صناعة السياسات العامة والشؤون المحددة ايضا. اما في بلادنا فان السياسي في الغالب لا يحب ان يقوم باشراك الناس في جدل وطني عام حول القضايا الكبيرة تحت شعار “شنو الك بهالدوخة”. لذلك تجده يرتبك فيما بعد امام الاعتراضات ويضطر لاغلاق الموضوع ونسيان القضية. اما اذا كان صلفا مثل “السلطان” فانه لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ويصر على خطئه حتى لو ادى ذلك الى احراق بلد كامل.
نقص التفاهم والتفهيم هذا يحتاج الى بناء تقليد جديد في الدولة، والا فسنحترق مرات ومرات ونتراجع ولكن بتوقيت خاطئ. واذا كانت الحكومة “مصابة بالدوار” فلماذا لا يفكر البرلمان بانشاء وحدات نقاش وتواصل تتكون من الخبراء والاكاديميين الذين يحسنون متابعة القضايا المهمة والتعليق عليها. لاننا غرقنا في جدل غير صحي بالمرة، نتيجة التهرب من الفهم، او استغلال “نقص المفهومية”، والجدل المرضي يمكنه ان يحرق ما تبقى من بلادنا. اما مكاتب الاحزاب الكبيرة فهي بحاجة الى ان تنتبه لضرورة عقد لقاءات منتظمة مع الخبراء، للتداول بشان القضايا المهمة، ولمساعدة الجمهور على “تجنب المفاجآت الصادمة” ونحن في زمن اقسى المفاجآت.
نعم، لم يعد ممكنا ان يستيقظ الشعب صباحا ليرى امورا تغيرت بشكل مباغت. لذلك فشلت حكومتنا في اشياء كثيرة وحيوية لانها لم تعرف كيف تصنع جدلا صحيحا حولها مع الجمهور. ونتذكر قانون الكمرك الذي تحاول الحكومة تطبيقه منذ خمس سنوات لكنها تفشل، لانها تخاف من رد فعل واسع للناس. بينما كانت هناك الف طريقة لبناء نظام ضريبي متدرج وتجري مناقشته على مهل مع الجمهور، وتكون التعرفة الكمركية جزءا من ثقافة الضريبة الصحيحة.
لكننا لم نتعلم من ذلك التخبط، فها نحن اليوم امام اشياء اكثر خطورة مثل فكرة خصخصة شركات وزارة الصناعة، وخصخصة قطاع الكهرباء. والاشاعات تملأ اذان الناس، والقطارات تغلق الشوارع، ولا توجد حوارات مفيدة تساعدنا على ان نحسن الظن بشكل عملي.
ولو جرى ضمان ان الامور تمشي بنحو عقلاني، ولو جرى شرح واضح لهذه المشاريع، ولو جرى الالتزام بانها لن تمنح لمستثمرين فاشلين، وان اطرافا محترمة ستقوم بادارتها، فلن يكون هناك اعتراضات خطيرة، وسيمكن خلق حالة من التفهم الشعبي لما يحصل. لكن اسلوب صناعة القرارات لايزال ضعيفا وبدائيا مع الاسف. وعلى من يعجز عن تطوير هذا المسار، ان يتوقع غضبا بلا رحمة من الشارع، واستغلالا شرسا من قبل الخصوم، وسخرية لاذعة من قبل وسائل الاعلام. واخيرا، استمرار فشلنا المؤلم والمحبط.
وفي هذا الاطار، فان المظاهرات يمكن ان تزداد خاصة اذا اقتربنا من ازمات الرواتب. وحين تحصل المظاهرات فعليك ان لا تستغرب ان خصومك يشجعونها. وهذه تعتبر طريقا مألوفا للخصومة السياسية. ولا حل سوى تخصيص جهد اكبر للاقتراب من فهم الناس، ومحاولة اشراكهم في التفكير، لتقليص احتمالات الفوضى.
ان الاستمرار في عدم اخذ الناس على محمل الجد، لن يكون مفيدا لا للحاكم ولا للمحكوم.

رابط مختصر