5 أعوام على رمضان سوريا: عطش وموت ودماء!

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 17 يوليو 2015 - 12:26 مساءً
5 أعوام على رمضان سوريا: عطش وموت ودماء!

في شريط دعائي أصدره تنظيم «داعش»، حمل عنوان «تجهيزات محلات الألعاب في مدينة الباب لاستقبال عيد الفطر»، تظهر مجموعة من الأطفال، وهم يتفقدون ألعاباً على شكل أسلحة متنوعة، من بندقية ومسدس ورشاش وقاذف «آر بي جي».
صور قد تشرح أوضاع العيد في سوريا وأجواءه، رغم كونها تأتي ضمن الحملات الدعائية الموجهة التي يسعى من خلالها «داعش» إلى ترسيخ الفكرة العالمية الملتصقة بالإرهاب، إلا أنها واقعية.
ففي مدينة الرقة، شمال سوريا، ازدحمت الأسواق مع نهاية شهر رمضان، بالبضائع والحلويات، في صورة تعطي انطباعا أن «الحياة على أرض الخلافة جميلة، آمنة، تسير رغم الحرب»، إلا أن الواقع يشي بأمور أخرى.
محمد، ابن مدينة الرقة، والقادم إلى اللاذقية لقضاء العيد مع عائلته التي تعيش في المدينة الساحلية البعيدة عن الحرب، يوضح خلال حديثه إلى «السفير» أن أبناء المدينة «ينتظرون العيد بفارغ الصبر، فالحياة لا تطاق في رمضان. عناصر التنظيم قاموا بتحويل المدينة إلى سجن كبير، يراقبون الجميع، بقبضة حديدية، كذلك يفرضون طريقة حياة صارمة جداً، إضافة إلى عشرات الاعتقالات وحالات الجلد وغيرها، لذلك فالكل هناك ينتظر العيد، ليتخلص من هذه الحياة القاسية».
ورغم قسوة الحياة في المدينة التي يتخذها «داعش» معقلا له، يشرح محمد أن «عناصر التنظيم سعوا جاهدين لملء الأسواق، ودفع المواطنين إلى العمل، وكذلك قاموا بضخ أموال كبيرة لتحريك عجلة الأسواق، واستقدموا الكثير من الألعاب والثياب والحلويات»، في وقت اختفت فيه مظاهر الاستعداد للعيد في منازل الرقاويين الذين اعتادوا صناعة الحلويات في منازلهم، لتقتصر التحضيرات على «تبضع بعض الحاجيات من السوق»، موضحاً أن «معظم العائلات في المدينة مشتتة بين الرقة وتركيا وبعض المدن السورية، فكيف يمكن لهذه العائلات أن تحتفل بالعيد الذي كان يقوم بشكل أساسي على اجتماع العائلات».
في شمال سوريا أيضاً، وفي مناطق تسيطر عليها «جبهة النصرة»، لا يبدو أن للعيد أو لأجوائه مكانا في إدلب، فالمدينة التي دمرت الحرب معظم معالمها، بعد اقتحامها مع عدة مدن في ريفها، لا يبدو أن سكانها ينتظرون العيد، فلا حركة فعلية في الأسواق الفارغة، ولا رائحة كعك تفوح من منازلها المدمرة، أو تلك التي أجبر سكانها على إخلائها هرباً من الموت، لتقتصر مظاهر الاستعداد للعيد بارتفاع وتيرة معارك على تخوم محافظة إدلب الجنوبية المحاذية للغاب، وعشرات القذائف التي طالت قريتي الفوعة وكفريا المحاصرتين.
أما في مدينة حلب، المحاصرة بالحرب، يخجل السائل أمام أوضاع المدينة المأساوية عن «الاستعداد للعيد»، فكيف لمدينة غارقة في العطش منذ نحو شهر أن تنشغل بالعيد. «المدينة عطشى، شهر بلا ماء»، تقول أمل، ابنة حي الفرقان، مضيفة «أدى تضرر شبكة الكهرباء إلى انقطاعها، فأصبحت عاصمة حلب الصناعية من دون ماء». لا حركة تجارية في أسواق المدينة، فحتى أصحاب المحال يصطفون ضمن طوابير المواطنين أمام بعض المساجد التي توجد فيها آبار، في وقت أصبح فيه السوق مفتوحا لأصحاب صهاريج المياه الذين تحولوا إلى «تجار أزمة»، ليرتفع سعر الصهريج إلى أكثر من 5 أضعاف (يبلغ سعره نحو ستة الاف ليرة سورية اي نحو 20 دولارا، ومتوسط دخل الموظف نحو 90 دولارا)، رغم كون معظمها غير صالح للشرب».
«نعيش في حلب رمضاناً طويلاً بدأ منذ اندلاع الحرب، ومازال قائما، إلا انه يختلف عن شهر رمضان الذي نعرفه. إنه شهر جاهلي، خارج التقويم، الصيام فيه يفرض على المواطنين ليل نهار، في وقت تراق على جوانبه دماؤنا، بقذيفة هنا أو انفجار هناك». بهذه الكلمات يشرح عبد الرحمن أحوال المدينة التي يصفها بـ «المنكوبة»، مستذكراً تاريخها العريق. ويضيف «قبل الحرب كانت أسواق المدينة تضج بالحياة، كانت رائحة الحلويات تفوح من كل الأزقة، الحدائق والساحات تعد للأطفال، الآن لا شيء في هذه المدينة سوى الموت، الموت عطشا وسط ظلام دامس».
وفي حمص، وسط سوريا، تزدحم الأسواق بالمتفرجين، رغم امتلاء المحال بالألبسة والحلويات. ويقول مازن «الأسعار مرتفعة جدا، تفوق قدرة المواطن على الشراء». ويضيف «نسبة كبيرة من شبان المدينة مقسومون بين الجيش وقواته الرديفة، كذلك لا يكاد يخلو منزل من شهيد أو جريح، فكيف لمدينة كهذه أن تستعد للعيد». ورغم ذلك، يسعى أبناء مدينة «النكتة» السورية لتجاوز هذه «المآسي»، عن طريق الاستعداد لدخول موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية عن طريق التحضير لأطول «سندويشة فلافل»، والتي من المنتظر أن يبلغ طولها نحو 100 متر، تقام «مراسمها» قرب ساعة المدينة الجديدة، التي عادت للحياة بعد أن أوقفتها الحرب.
حال اللاذقية، يشبه إلى درجة كبيرة ما تعيشه حمص، فالمدينة البعيدة نسبيا عن حرارة المعارك، تعيش بدورها حربا من نوع آخر، فنسبة كبيرة من شبان المدينة التحقوا بالجيش أو قواته الرديفة، كذلك أرخت الأسعار أوزارها على المدينة، لتضج أسواقها هي الأخرى بالمتفرجين، وتخلو أزقتها من رائحة الحلويات، وساحاتها من المراجيح.
وفي ذات السياق، ذكرت صحيفة «الوطن» السورية أن «إنفاق أسرة سورية، تتألف من خمسة أفراد، يقدر بحوالي 40 ألف ليرة وسطياً استعدادا للعيد»، موضحة أن هذا الرقم «وسطي، حيث يتركز إنفاق الأسرة على شراء الألبسة للأطفال بشكل رئيس والحلويات للضيافة». وأضافت «التباين في الإنفاق يعود لاختلاف الأسواق التي تشتري منها الأسرة، فقسم من الأسر أشارت إلى أنها لجأت لشراء الألبسة من أسواق البالة، وشراء المكونات الرئيسية لصناعة الحلويات المنزلية، وذلك بهدف تخفيف مصاريف العيد، لكون ألبسة البالة أرخص نوعاً ما من الألبسة الجديدة، والحلويات المنزلية أوفر من شراء الحلويات الجاهزة التي ارتفعت أسعارها بنسبة 25 في المئة، في حين حاولت أسر أخرى الشراء من أسواق الألبسة الجديدة والحلويات الجاهزة ولكن ضمن حدود تتناسب مع الإمكانات، فشراء بنطال جديد وقميص لطفل يكلف بين 5 إلى 10 آلاف ليرة سورية، وأي كيلو غرام من الحلويات لا يقل سعره عن ألفي ليرة».
دمشق، العطشى هي الأخرى والتي ترى الماء مرتين فقط خلال الأسبوع، تشهد أسواقها حركة أفضل من بقية المحافظات، فالأسواق تضج بالرواد استعدادا للعيد. ويصف خالد أوضاع العاصمة بقوله «المواطنون ضاقوا ذرعا، يبدو أنهم يجدون في الأسواق متنفسا لهم، رغم ارتفاع الأسعار»، مشيراً إلى أن «عاصمة الأمويين فقدت طقوسها، وضاعت معالم العيد فيها جراء الحرب».
وأمام ارتفاع وتيرة المعارك المستمرة التي حولت سوريا إلى «ساحة معارك طاحنة»، وحولت منازلها إلى «مستنقعات من الدماء»، يتناقل السوريون نكتة باتت معروفة منذ خمسة أعوام تتعلق ببيان تصدره وزارة الداخلية السورية في كل سنة بالتزامن مع العيد، ترجو من خلاله المواطنين بعدم «استخدام الألعاب النارية لما لها من خطر على الأرواح، تحت طائلة العقوبة القانونية»، في وقت غدت فيه القنابل والصواريخ والقذائف الحقيقية ألعابا تطيح بأرواح المواطنين يومياً.

علاء حلبي
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-07-17

رابط مختصر