هل تعتمد أميركا وحلفاؤها استراتيجية حقيقية للحرب على الإرهاب؟ … جورج صبرة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 17 يوليو 2015 - 1:08 مساءً
هل تعتمد أميركا وحلفاؤها استراتيجية حقيقية للحرب على الإرهاب؟ … جورج صبرة

بعد أكثر من عام على انطلاق حملة دولية منظمة لمواجهة الإرهاب في المنطقة، بالاستهداف العلني لقاعدتيه التطرف والعنف، ها هو الإرهاب يعلن نفسه كأكبر الحقائق على الأرض. يحتل المواقع الأولى في وسائل الإعلام، ويتربع على طاولات المحادثات السياسية بين الدول، والحوار الفكري في مراكز الدراسات والأبحاث. يقوم بتغيير الخرائط الديموغرافية والجغرافية والجيوسياسية في المنطقة، ويدخل فاعلاً رئيساً في الحياة السياسية والنشاط الاقتصادي فيها، ويتسلل بتصميم ظاهر إلى البنى الفكرية والثقافية للناس بتقدم مضطرد. ومن حق الضحايا الحاليين والمحتملين أن يتساءلوا عن المردود الفعلي لهذه الحملة الدولية وانعكاساتها على الحياة العامة والخاصة للسكان الآن وفي المستقبل، وعن المؤثرات التي تطبع بها الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة. ويمكن أن تكون الحرب على «داعش» في كل من سورية والعراق الموقع الأنسب لاستكشاف الوضع.
من دون كبير عناء يمكن للمراقب أن يرى الشعار الذي رفعته «الدولة الإسلامية في العراق والشام»: «باقية وتتمدد» حقيقة واقعة. فقوافلها هدمت الحدود بين الدول، وتسرح وتمرح في البادية والحواضر المدنية فيها. ترتفع أعلامها السوداء على أطراف دمشق وبغداد وغير بعيد عن عواصم أخرى. ووصلت متفجراتها أخيراً إلى كل من تونس والكويت، وعدد المنتسبين إليها في ازدياد.
فما الذي فعلته حملة من ستين دولة، تتمتع بآلة حربية حديثة وقدرات عسكرية مشهود لها غير تقليم أظافر التنظيم، التي أعطت نتائج مثل تقليم الأشجار، مزيداً من التفرع والحيوية على السطح، وتمكيناً للجذور في الأرض؟! ومن الواضح أن هذه النتائج تعبر عن قصور الحملة وعدم جديتها وجدواها. وهناك من يمضي أكثر باتجاه الشكوك متسائلاً: هل يريدون حقاً القضاء على الإرهاب؟
وإذا تركنا جانباً مجريات الأمور في الموصل والرمادي وتدمر، رغم أن أحداً لا يستطيع التمويه على الوقائع والأهداف التي صارت مكشوفة، فإن الاستراتيجيين والعسكريين في الغرب كانوا أول من أشار إلى أن الضربات الجوية وحدها لن تكون مجدية. لكن الوسائل الأخرى التي جرى التخطيط لها واعتمادها لم تكن أكثر نفعاً. فمحاولة تجنيد سوريين لمحاربة «داعش» وحده، وعبر التزامات مكتوبة تفرض عليهم، باءت بالفشل الذريع رغم حاجة المتدربين للدعم المادي واللوجستي للبقاء في ساحة الصراع. كما أن انخراط النظام السوري في هذه الحرب ظهر عبثياً وغير حقيقي، رغم اجتهاده في تقديم نفسه، لأن التزاماته مع المخطط الإيراني وحاجته لمنظمات التطرف والإرهاب وتكتيكاته معها أكثر نفعاً له. فمن سلَّم تدمر لـ «داعش»، وفتح الطريق أمامه للتقدم عشرات الأميال على محور حمص إلى الفرقلس، وعلى محور دمشق حتى خنيفيس حيث توجد أكبر مناجم الفوسفات السورية، لا يصح تصديقه واعتماده في مناهضة الإرهاب فكيف بمحاربته.
تأتي أخيراً محاولة استخدام حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في سورية بمهام مماثلة، برزت مؤخراً في العمليات العسكرية التي شهدتها تل أبيض وما حولها، حيث كانت طائرات «الأباتشي» تدعم مقاتلي «وحدات الحماية الشعبية»، وتمهد الطريق لهم في معركة لم تشهد حرباً حقيقية، لأن «داعش» انسحب من المدينة. وصار الحديث علنياً ومعتمداً عن الدعم الأميركي الواسع والمتعدد الأشكال لـ «الاتحاد الديموقراطي» سياسياً وعسكرياً. فهل تعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجية حقيقية للحرب على الإرهاب؟ ومن يصدق أن نظاماً فئوياً طائفياً وإرهابياً كالنظام السوري يمكن أن يكون شريكاً في هذه الحرب، كما تريد أن تروج السياسة الروسية؟ وهل يمكن القضاء على الإرهاب بفعل نشاط الأقليات وجهودها في المنطقة؟ وكيف يمكن أن يحصل ذلك بفعل انتقائي، يفاضل بين إرهاب وإرهاب؟ وإذا تمكنت آلة حربية من هزيمة التطرف والإرهاب على الأرض، كيف يتم تحقيق ذلك في الحقول الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يمكن أن يعشش فيها؟
لم يكن السوريون في أي مرحلة بحاجة إلى شهادة بأنهم ضد التطرف والإرهاب. كان أهل الرقة أول من تظاهروا ضد «داعش» ورفضوه منذ الأيام الأولى لاحتلاله المدينة. وكذلك فعل أهالي محافظة إدلب. وشهدت غوطة دمشق تظاهرات شعبية في العديد من مدنها، ترفض التطرف والإرهاب. فلا يمكن لمن رفض استبداد وطائفية وإرهاب النظام وثار عليه، أن يقبل استبداداً وطائفية وإرهاباً من أي جهة وتحت أي غطاء. وهكذا فعلت كتائب «الجيش الحر»، إذ انبرت للحرب مع «داعش» بدافع وطني وتلمس صائب وحساس لمعطيات الواقع والتاريخ في سورية ومستقبلها أرضاً وشعباً. فعبثاً يحاول المحاولون مقاومة الاستبداد من حضن المستبدين، ولن يجني غير الخيبة من يعمل على محاربة الإرهاب بالاعتماد على إرهابيين.
وتبقى عمليات الحرب على الإرهاب موضع شك في صدقيتها وجدواها، ما لم تتأسس على أرضية صلبة، وتكون الشعوب فاعلاً رئيساً في تنفيذها، لأنها صاحبة المصلحة، وتتمتع بالقدرة على فعل ذلك. ولا يمكن محاربة الإرهاب و»داعش» على وجه الخصوص إلا عبر أكثرية المجتمع وبواسطتها. ومن الخطأ والخطر اعتماد بعض مكونات الشعب القومية أو الدينية أو المذهبية في أمر كهذا، لأنه لا يحقق شيئاً، سوى أنه يحرف الصراع عن مجراه، ويفتح جراحاً جديدة، تعزز أدوار القوى الإقليمية والدولية، ويحمل المخاطر إلى هذه المكونات، ويؤدي إلى توريطها في مواجهات صعبة وضارة الآن وفي المستقبل.
ولا بد من النظر إلى الإرهاب بكليته في إطار المنطقة. إرهاب الدول والأنظمة وإرهاب المنظمات والتنظيمات وإرهاب الأفراد. وعلى المواجهة أن تكون شاملة ومتزامنة وبمعيار واحد، ألا وهو تحقيق الأمن والاستقرار والحرية لكل الناس في جميع المناطق. وطالما أن الإرهاب فكر وسياسة وتنظيم ثم آلة عسكرية، فلا يكون صائباً ومجدياً أي مشروع لمحاربته إلا إذا تم في الحقول نفسها. ومن غير أكثرية الشعب يمكن أن يحقق ذلك؟
ليس لأحد أن يحلم بالقضاء على التطرف والإرهاب في المنطقة إلا بإزالة دوافعه ومسبباته، وهي سياسية بالمقام الأول. وهذا مرهون بولادة مشروع سياسي وطني، ينصف مكونات الشعب، ويعيد التوازن إلى دورها في بناء الدولة وإدارتها، ويرفع عنها الظلامات، ويضعها جميعاً على قاعدة المساواة. عندها يصبح التطرف والعنف والإرهاب عدواً للجميع، وتصبح محاربته من مهام المجتمع واهتماماته، وليس من مهام الدولة وأجهزتها، أو التحالفات الدولية فقط. فضحايا الإرهاب وحدهم يتمكنون من القضاء عليه باقتدار، وعلى الآخرين أن يقدموا المساعدة والتمكين لفعل ذلك، لا أن توضع العربة أمام الحصان. وإلا يكون القضاء على الإرهاب شعاراً عند البعض، وهدفاً صادقاً عند البعض الآخر، ووهماً عند آخرين، وخديعة تستبطن غير ما تظهر. ويبقى الإنسان هو الضحية الدائمة للإرهاب.

* الرئيس السابق لـ «المجلس الوطني» السوري

رابط مختصر