“داعش” تاجر الموت والاثار … لبنان ممر الى أوروبا؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 8 يوليو 2015 - 10:41 مساءً
“داعش” تاجر الموت والاثار … لبنان ممر الى أوروبا؟

جورج عيسى
8 تموز 2015 الساعة 11:37

فتح هاتفه الذكيّ ليرى الرسالة التي وصلت إليه عبر خدمة الواتساب، فرأى مزهريّة قيّمة من آثار الحضارات القديمة لبلاد ما بين النهرين. وقدّر عمرو العزم-المتلقّي- ثمن المزهريّة بنحو ربع مليون دولار. عاد عمرو وأبدى اهتمامه بالقطعة عبر الخدمة نفسها، سائلاً عن آليّة الشراء، فردّ المرسِل من خلال حساب آخر بإمكان تهريبها الى لبنان .
في أواخر شباط الماضي، صُدم العالم لدى رؤيته اشرطة بثّها تنظيم “الدولة الاسلاميّة” يظهر فيها تدمير آثار عراقيّة عمرُها آلاف السنوات. التنظيم الذي دمّر هذه الآثار داخل متحف في الموصل بعدما استولى عليه، أعلن أنّه حطّم التماثيل لأنّها تجسّد رموز الشرك المنافية لعبادة الله الواحد بحسب ادّعائه.
لكنّ غارات الائتلاف الدولي التي استهدفت آبار النفط والمصافي الخاضعة لسيطرته، أجبرته على إيجاد مداخيل أخرى بعدما انخفض مردوده النفطي اليومي بنسبة الثلثين حيث كانت تقدّر عائداته النفطيّة بحوالي المليون دولار يوميّاً. فجاءت المداخيل من بيع التنظيم للآثار العراقيّة والسوريّة من أسواق خارجيّة لتحلّ كبديل عن خساراته الماليّة جرّاء تدمير المصافي والآبار. وتشكّل الأسعار المرتفعة التي تدفع لشراء التحف الأثريّة مصدراً مهمّاً لتمويل عمليّات التنظيم المتعدّدة.

موقع “بلومبورغ ” أورد حديثاً تقريراً عن أساليب بيع التنظيم هذه الآثار. ونقل عن عمرو العزم، هو بروفسور في الانثروبولوجيا في إحدى جامعات أوهايو في الولايات المتّحدة، أنه اتّجه في نفس الوقت ليتفرّغ في تعقّب عمليّات بيع وشراء هذه التحف من أجل الحفاظ على الآثار الأكثر قيمة للحضارة الانسانيّة. ومن خلال أخبار تداولها ناشطون على الارض، لاحظ أنّ تنظيم الدولة كان يستحصل على ضريبة نسبتها عشرون في المئة من الأرباح الناتجة عن استخراج وبيع الآثار حين كان هو الجهة الوحيدة المخوّلة اعطاء التراخيص لأعمال الحفر والتنقيب. لكنّ الأمر تغيّر مع الوقت وأصبح منذ خريف 2014 يباشر هذه الأعمال بنفسه بواسطة العدّة التي يملكها والشاحنات والجرّافات وغيرها، وأصبح يتشدّد أكثر فأكثر في إنزال العقوبات بحق من لا يستحصل منه على التراخيص الواجبة لمباشرة أعمال الحفر. وقام ايضاً بتأطير العمل في هذا المجال، حيث سيطر على السوق بعدما نشط على المواقع الالكترونية لمتابعة هذه النشاطات من كثب. لذلك اسّس التنظيم شركاته وتعقّب التجّار والوسطاء وأخضعهم لسلطته.
لويز شَيلي صاحبة مؤلّف “التشابك القذر: الفساد، الجريمة والارهاب” تقول من جهتها ل”بلومبورغ” أن التنظيم يتصرّف بطريقة عمل إجراميّة متعدّدة الاوجه. فمقاتلوه يشبهون رجالِ أعمال في سلوكهم. في الوقت نفسه، يشير الموقع أنّ التنظيم أصبح لاعباً كبيراً في سوق الآثار الذي تبلغ قيمته حوالي ثلاثة مليارات دولار.

في تقرير لهيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي” يقول من اصطلح معدّ التقرير على تسميته ب “محمّد” أنّه حقق أرباحاً جيّدة من خلال هذه التجارة. محمّد (21 عاماً) السوري الجنسيّة والذي يعمل في البقاع على الحدود اللبنانيّة-السوريّة، يقول إنّ لديه ثلاثة اصدقاء في حلب يساعدونه في عمليّات البيع عبر نقلهم البضاعة الى الحدود من خلال سيّارة أجرة. يعمل محمّد على بيع قطع أثريّة صغيرة الحجم لسهولة نقلها، لكن “من يوفّق في بيع آثار كبيرة قد يجني نصف مليون أو مليون دولار” إذا نجحت العمليّة. وقد اجرت “البي بي سي “مقابلة عبر السكايب مع “احمد” من مواليد سوريا والذي يقطن في جنوب تركيا. وقد اعترف احمد ببيع قطعة تساوي مليوناً ومئة ألف دولار.

“آرثر براند” محقّق يسعى الى اقتفاء آثار هذه المسروقات، يعتبر للبي بي سي أنّ هذه التجارة رائجة في لبنان كما في سوريا والعراق. من جهته يقول الكولونيل نيكولا سعد، رئيس مكتب السرقات الدولية في القوى الامنية الداخلية اللبنانية، للتلفزيون نفسه في التقرير الذي نشره في 17 شباط الماضي، أنّ معظم الارباح العائدة من هذه التجارة تحصل في أوروبا ثمّ في سوريا أمّا الباقون فمجرّد عصابات صغيرة تقع في اسفل الهرم. ويقول إنّ عمليّات التهريب تحصل عبر المعابر غير الشرعيّة ومن خلال بعض النازحين الذين يخبّئون هذه القطع بين أغراضهم الشخصيّة.ولا يذكر التقرير كيق يتم اخراج القطع من لبنان.
المسؤول عن قسم الآثار في دمشق الدكتور مأمون عبد الكريم يبلغ الى “بي بي سي” بغضب أن الآثار التي تعود الى سوريا – نظاماً، معارضة وشعباً، تهرّب من سوريا باتجاه دول عديدة في اوروبا كالمانيا وسويسرا وبريطانيا وغيرها.

وفي ما يتعلّق ببريطانيا، تتفق صحيفة “الغارديان” مع ال “بي بي سي” على محوريّة أوروبّا في هذه السوق. وتذكر الصحيفة العاصمة لندن كواحدة من أكبر أسواق تجارة الآثار عبر العالم.
خريستوس تسيروجيانّيس العامل في المركز الاسكوتلندي للابحاث الجرميّة والقانونيّة يؤكّد للصحيفة أنّ عدداً من التجّار غير الشرعيين كانوا يقيمون في بازل، جنيف، زوريخ، بالاضافة الى مدن ألمانيّة وغيرها. ويقول أيضاً إنّ هذه الوجهات يتمّ فيها تبييض الأموال وتسليم الآثار بين البائع والشاري الذي يخزّنها في مستودعاته ويعمل على خلق اوراق تجاريّة لها، تخوله بيعها بالمزاد العلني أكان في لندن أو حتى في نيويورك.

الخبير في علم الاثار وفي تعقّب التجارة غير الشرعيّة لهذه المواد الدكتور صامويل هاردي، يقول ل”الغارديان” إنّ التجار يعرفون كيف يتخلّصون من الأدلّة. لكنّهم في أحيان اخرى لا يزعجون أنفسهم في اتباع السريّة على الانترنت، فيقومون باستخدام ال e-bay ، السكايب، الواتساب وغيرها.
ولا يستبعد خبراء آخرون أن يحتفظ الشارون إذا كانوا أثرياء، بالتحف لفترة طويلة قبل إعادة بيعها من أشخاص آخرين ، خصوصاً بعد أن تخفّ التعقّبات في حقّهم أو تنتفي مخاطر تتعلّق باحتمال مراقبتهم من إحدى الجهات الرسميّة.

في شباط الماضي، قام مجلس الأمن بحظر تجارة الآثار التي أخذت بطريقة غير شرعيّة من سوريا ابتداء من 2011 ومن العراق ابتداء من العام 1990 . ويطالب البعض بتدخّل عسكري حاسم لحماية ما تركته الحضارات القديمة لنا. ديبروها لير رئيسة مجلس تحالف الدفاع عن الآثار أبلغت سفراء لدى الامم المتّحدة عن نيّتها في إنشاء جمعيّة “علماء آثار بلا حدود” لتوحيد الجهود من اجل حماية التراث.
وزير الخارجية الايطالي باولو جنتيلوني اقترح تأسيس قوّة “قبّعات زرق للثقافة” من أجل حماية المواقع الأثرية في حالات الحروب والاضطراب.
كريستوفر مارينيللو الرئيس التنفيذي في مجموعة art recovery عمل لمدّة عشرين عاماً على استعادة التحف الأثريّة التي سرقها النازيّون. ولذلك هو متفائل بإمكان إنجاز هذه المهمّة … بعكس عمرو العزم الذي يقول ل”بلومبورغ:””تجارة الآثار في العراق وسوريا تبدو مثل هوليوود بالنسبة الى لوس أنجليس. فكما يطمح سكان لوس أنجليس الى التمثيل، كذلك هو الأمر مع سكّان سوريا والعراق الذين يريدون بيع الآثار والاستفادة منها. لذلك لن تتوقّف تلك الاعمال غير المشروعة قبل انتهاء الحرب”.

من جهته يقول مارك الطويل المتخصّص في آثار الشرق الأدنى في كلّيّة لندن الجامعيّة لعلم الآثار إنّ هذه التحف “دمويّة”. وهو يعترف بأنّ الملاحقات القضائيّة لم تفضِ بعد الى إيقاف هذه التجارة. ويضيف للصحيفة عينها:”ما يمكن ان يكون أكثر فعّالية هو القول إنّ هذه التجارة تموّل الموت”.

رابط مختصر