«بوليتيكو»: «خامنئي» أكثر المتشبثين بالاتفاق النووي رغم تصريحاته المتشددة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 8 يوليو 2015 - 4:25 مساءً
«بوليتيكو»: «خامنئي» أكثر المتشبثين بالاتفاق النووي رغم تصريحاته المتشددة

ترجمة: الخليج الجديد
عندما كان وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» على وشك مغادرة طهران متوجها إلى فيينا الأسبوع الماضي، نشر مدير حساب تويتر للمرشد الأعلى «آية الله علي خامنئي» تغريدة باللغة الإنجليزية لإظهار الدعم القوي لفريق التفاوض: «أدرك أن مفاوضينا جديرين بالثقة وملتزمين وشجعان». وكان من الواضح أنها محاولة أخرى من جانب المرشد الأعلى لحماية ظريف وفريقه من هجمات المتشددين في طهران.

وعلى الرغم من صورته باعتباره متشددا، وقيامه بشن هجمات بين الحين والآخر ضد الخيانة الغربية، كان «خامنئي» الملاك الحارس للمفاوضين النوويين الإيرانيين لمدة الــ 18 شهر الماضية. وإذا كان للمفاوضات أن تنتهي باتفاق نهائي بحلول 7 يوليو / تموز، الموعد النهائي الجديد المحدد بدلا من 30 يونيو/ حزيران الأسبوع الماضي، فسيكون «خامنئي» هو الذي يبرم الصفقة أو يدمرها.

وهكذا؛ فإننا نتجه الى المراحل النهائية، ومن المهم بالنسبة للغرب النظر إلى ما وراء «الخطوط الحمراء» المفترضة التي وضعها «خامنئي» في تصريحاته لفهم السياسة الداخلية الشائكة التي حملتها تصريحاته. وفي خطابه الأخير؛ عرج «خامنئي» على مواقف صعبة، على ما يبدو أنها على خلاف مع / أو تراجع عن الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بين طهران و مجموعة الخمس زائد واحد التي تشمل دول الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا في لوزان في يوم 2 إبريل/نيسان 2015. وعلى النقيض من تفاهم إبريل/نيسان الداعي لرفع تدريجي للعقوبات، أعلن «خامنئي» أن «العقوبات المالية والاقتصادية والمفروضة على الخدمات المصرفية سواء كانت تتعلق بمجلس الأمن أو الكونجرس الأمريكي أو حكومة الولايات المتحدة يجب رفعها على الفور في وقت توقيع الاتفاق».

كما أعرب «خامنئي» أيضا عن اختلافه التام والجازم مع عمليات التفتيش غير التقليدية، وإجراء مقابلات مع مسؤولين وعلماء إيرانيين من قبل مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلا عن تفقد المواقع العسكرية. وأخيرا؛ أصر «خامنئي» على مواصلة البحوث وتطوير البرنامج النووي للبلاد خلال 10 إلى 12 عام كفترة زمنية تمت مناقشتها خلال المحادثات.

تصريحات للاستهلاك المحلي
على الأرجح أن كل هذه التصريحات لم تكن إلا للاستهلاك المحلي الإيراني، وجميع هذه المطالب يمكن التحايل عليها وإحكامها في لغة الاتفاق النهائي. وكما قال لي اقتصادي مقرب من دوائر «روحاني» الأسبوع الماضي من طهران، «إيران لم تكن في المحادثات لمدة 18 شهرا لتعصف بها، ولكن لإبرام اتفاق».

ولفهم سياسية الحبل المشدود المستخدم في الخطابات والعبارات الكلامية الذي يسير عليه «خامنئي»، نرى أن البيئة السياسية الداخلية في إيران أصبحت مستقطبة للغاية ومجزأة، خاصة على مدار الــ 18 شهرا الماضية، في الوقت الذي كانت فيه المحادثات النووية تمضي قدما إلى الأمام بين كر وفر. وعلى الرغم من أنه لديه الكلمة الأخيرة في كل أمور الدولة، على المستوى الداخلي والخارجي، فإن «خامنئي» لا يزال يجب أن يكون قلقا بشأن الدعم الشعبي والنظام. وبالتالي فقد كان عليه أن يسلك مسلك المناورة السياسية، وتجنب تنفير المتشددين بعناية، في حين يعطي الضوء الاخضر للمفاوضين لمواصلة المحادثات، التي تدعم الشعب الإيراني على نطاق واسع.

فمن ناحية، من أجل تهدئة المتشددين الذين يسيطرون على معظم السلطة السياسية في النظام، يجب أن يكون «خامنئي» منتقدا علنيا وصريحا للولايات المتحدة وعليه دائما أن يحذر أنه لن تحل جميع المشاكل عن طريق التوصل إلى اتفاق. ومن ناحية أخرى، فقد أعاد فتح الباب باستمرار أمام المفاوضات. وفي الوقت الذي تبدو فيه الأمور أكثر إرباكا كما تشير وجهة النظر الخارجية، فإن هذا قد ابقى المحادثات دائرة لأكثر من 18 شهرا.

إن المتشددين لديهم الحق في أن يشعروا بالخوف، كما أن «خامنئي» يتحتم عليه أن يهدئ تلك المخاوف. وإذا نجحت إدارة الرئيس «حسن روحاني» في التوصل الى اتفاق، فسوف تزيد شعبية حكومته وتميل كفة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة لصالحه. ويؤيد غالبية الإيرانيين توقيع الاتفاق مع القوى العالمية، ولديهم أمل أن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يؤدي لإنهاء سنوات من العزلة عن العالم الخارجي.

لهذا السبب جاء خطاب «خامنئي» مؤخرا في صورة رسم خطوط حمراء جديدة تحديدا في اللحظة التي وافق فيها المتشددون في البرلمان الإيراني على خطة لحظر عمليات التفتيش الغربية على المنشآت العسكرية، وخلصوا إلى أنه يجب رفع العقوبات في الوقت الذي يتم توقيع الاتفاق فيه، وأنه ينبغي ضمان حق إيران في البحث والتطوير لبرنامجها النووي. وليس من المستغرب، أن يعتمد «خامنئي» بسرعة تلك المطالب كنقاط لحديثه.

وكان البرلمانيون المتشددون في مركز معارضي اتفاق لوزان، لدرجة أن أحد النواب الإيرانيين وصف رئيس فريق المفاوضات الإيراني «جواد ظريف» بأنه «خائن» عندما حضر «ظريف» لى البرلمان لمناقشة تفاصيل الاتفاق المؤقت.

وبعد الموافقة على الخطة البرلمانية على الفور، أشارت إدارة «روحاني» صراحة إلى معارضتها لذلك، قائلة إن مثل هذه المبادرات سوف تقلل من مرونة وقوة فريق التفاوض النووي الإيراني.

مخاوف من تعزيز نفوذ الإصلاحيين
ويضم فريق «روحاني» مئات من البيروقراطيين الإصلاحيين، وكثير منهم خدم في إدارة الرئيس الإصلاحي السابق «محمد خاتمي». ويدعم الإصلاحيون، بشكل عام، التواصل مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رغبتهم في وجود اقتصاد ليبرالي، ومزيد من الحرية الاجتماعية والسياسية. وتعني اتفاقية مع الولايات المتحدة الحصول على المال، والاعتراف الدولي والمشاركة، وبالتالي توسيع القاعدة الشعبية الداعمة، ولكن المتشددين يعتقدون بشكل عام أن «روحاني» وفريقه متساهلين للغاية، وعلى استعداد لتقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق.

ولا زال كثير من الإيرانيين، بما في ذلك الطبقة الوسطى، يريدون اتفاقا بشكل ضروري وعاجل، لأسباب ليس أقلها أنهم يعتقدون أن «روحاني» سوف يحصل على من السلطة في مرحلة ما بعد الاتفاق لتنفيذ الإصلاح الاجتماعي والسياسي. وأشارت دراسة حديثة أجرتها الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران، والتي شملت مقابلات مع 26 من الشخصيات البارزة في المجتمع المدني في إيران، أنه بغض النظر عن تفاصيل الصفقة، فإن انتصار «روحاني» سوف يؤدي إلى مجتمع أكثر انفتاحا، بينما سيضعف من المتشددين الذين يزداد خوفهم من حدوث ذلك.

وعلى «خامنئي» أن يبقي عينه مفتوحة على كل هذا ولا ينحاز لهذا أو ذاك. وبالتالي؛ فإنه بقدر ما يضع خطوط حمراء يعلنها على الملأ لإرضاء المتشددين في طهران ويظهر موقف صارم تجاه الغرب، فإن التصريحات العامة لـ«خامنئي» حول المفاوضات خلال نفس الخطاب أشارت دعمه للتوصل إلى اتفاق مع الدول الغربية، حتى على حساب بعض النكسات. وبالنسبة لأولئك الذين يجلسون على طاولة المفاوضات، فإن هذا يهم الغالبية.

وسعى «خامنئي» لتوضيح أن هناك وسيط إقليمي اتصل به قبل بضع سنوات لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي للبلاد، وأنه وافق عليه رغم بعض المخاطر. وقال «خامنئي» إنه «حتى مع ذلك، كنا على استعداد لدفع الثمن، وكان الأمريكيون يحتفظون بأقوالهم ووعودهم لدى وسيط إقليمي» أكثر من إطلاق «مطالب مفرطة وعدم الوفاء بالوعود».

موقف ذو وجهين
ويتبين من استعراض تصريحات «خامنئي» على مدار 18 شهرا الماضية أن هذا الموقف على الوجهين ثابت تجاه المحادثات: فمن ناحية، وجنبا إلى جنب مع المتشددين في طهران، كان مرتابا بدرجة بالغة بشأن نوايا الولايات المتحدة، وعلى الناحية الأخرى كان طامحا ومنفتحا بشأن التوصل إلى تسوية، وأيضا راضٍ عن إطالة أمد المحادثات بشأن قضايا أخرى ذات اهتمام بين البلدين.

«وبطبيعة الحال، فإن المفاوضات بشأن القضية النووية تجربة بالنسبة لنا» على حسب قول «خامنئي» في 9 إبريل/نيسان، مضيفا إنه «إذا كان الجانب الآخر ينهي سياساته المحملة بسوء النية، فإنه عندئذ يمكننا أن نبني على هذه التجربة فيما يتعلق بقضايا أخرى. ولكن إذا استمر الجانب الآخر في سياساته المحملة بسوء النية، فإنه لدينا خبرة سابقة في عدم الثقة في الولايات المتحدة وستفرض نفسها بنفسها».

وقد يبدو هذا النهج ملتو وغير متماسك. ولكن بالنظر إلى سياسة الاستقطاب الإيرانية المحلية، والعزلة الإقليمية والدولية في البلاد، والتكاليف الاقتصادية المهلكة، الناجمة من ضغط العقوبات الأكثر عدوانية التي فرضتها الولايات المتحدة على مدى السنوات الــ 10 السابقة، والمنافسات الإقليمية الدامية مع أقرب حليف للولايات المتحدة في جزيرة العرب (المملكة العربية السعودية)، فإن المرشد الأعلى في إيران ليس لديه سوى عدد قليل من الخيارات الأخرى.

وقد يجعل هذا عمل الدبلوماسيين في فيينا أكثر صعوبة، ويتطلب المزيد من الوقت والطاقة من أجل التوصل إلى اللغة المناسبة التي تعالج مطالب الزعيم في الاتفاق النهائي دون إجبار الطرف الآخر على مغادرة طاولة المفاوضات. ولكنه ليس من الضروري أن يكون إنهاء وتدمير للاتفاق. ومن الإنصاف أن نقول إن «خامنئي» نفسه لا يريد أن يحدث ذلك.
المصدر | بوليتيكو

رابط مختصر