هل توصلت سياسة الدفاع الجوي الروسية إلى الصفقة السعودية ؟

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 6 يوليو 2015 - 4:25 مساءً
هل توصلت سياسة الدفاع الجوي الروسية إلى الصفقة السعودية ؟

حثّ الطابع شبه الحضاري للتصدّع العميق والصراع المستمرّ في الشرق الأوسط السلطات الروسيّة على التحلّي بمرونة استثنائيّة بهدف الإبقاء على أسس العلاقات الوديّة مع اللاعبين الإقليميين الأساسيين التي أمضت روسيا عقودًا عدّة لبنائها. تحدد الأحداث عبر التاريخ طبيعة هذه العلاقات إذ أنّ روسيا لم تشكّل قطّ قوّة استعماريّة في المنطقة.

فخلال الحقبة السوفياتيّة، ساعد الدعم المستمرّ لحركات التحرّر الوطني العربيّة على إنشاء طاقات صناعيّة في العديد من دول المنطقة وعلى دعم القضيّة الفلسطينيّة. غير أنّه في السنوات الأخيرة، تمّ التركيز على الحدّ من تداعيات الصراع في الشيشان في تسعينيّات القرن الماضي، إذ أنّ عددًا من الدول الشرق أوسطيّة تعاطف مع الإنفصاليين هناك، لكن أيضًا من تداعيات السياسة الروسيّة تجاه الصراع القائم والمستمرّ في سوريا. وقد أظهرت بعض الدول الإقليميّة الأساسيّة علامات تفهّم للسياسة الروسيّة تجاه الوضع في سوريا.

في هذا الإطار، تسعى موسكو إلى توسيع شبكة الشركات الإقليميّة في الشرق الأوسط، وذلك بالإعتماد على فعاليّة دبلوماسيّتها ولكن أيضًا على التعاون في المجال التقني والعسكري الذي يشكّل نقطة إرتكاز لما يمكن لروسيا تقديمه لشركائها في المنطقة. وفي هذا المجال بالتحديد، ترتبط المصالح الإقتصاديّة بشكل خاص بالمصالح السياسيّة في المنطقة، وذلك نتيجة العقوبات الدوليّة المفروضة على روسيا.

من بين العروض التنافسيّة التي تقدّمها الصناعة الحربيّة الروسيّة، هي منظومات الدفاع الجوّي وخاصّة صورايخ أرض-جو من طراز S-300 (S-400, S-500) القابلة للتطوير. حاولت موسكو تسويق هذه الصواريخ على مدى سنوات في الشرق الأوسط لكنّها واجهت مقاومة شرسة منافسيها الأساسيين، إذ أنّ التقدّم الذي أحرزته في الظاهر شهد أحيانًا نكسات عدّة. فقد اضطرّت روسيا في مناسبتين إلى إلغاء عقدين لتزويد الشرق الأوسط بصوارخ S-300.

ففي العام 2010، اضطرت إلى تأجيل صفقة تقضي بتزويد سوريا بأربع شحنات من صواريخ S-300PMU لمدّة سنة في العام 2013 بعد توجيه إسرائيل تهديدات للشاري، ممّا أدّى إلى إلغاء الصفقة من أساسها في نهاية المطاف. كما أنّه كان لا بدّ من التخلّص من بعض مكوّنات منظومة صواريخ سام التي تمّ تسليمها، بينما تم استخدام بعض المكوّنات الأخرى للوفاء بإلتزاماتها بموجب عقود أخرى.

في مناسبة أخرى في العام 2010، تمّ إلغاء صفقة مع طهران بعد فرض العقوبات الدوليّة على الأخيرة. فبموجب عقد تمّ إبرامه في العام 2007، كان يتعيّن تسليم خمس شحنات من صواريخ S-300PMU1. وخلّف إلغاء الرئيس «ديميتري مدفيديف» للصفقة مشاكل لم تكن في الحسبان. فعلى الرغم من أنّ روسيا أعادت الدفعة الأولى بقيمة 167 مليون دولار أميركي لإيران، قامت الأخيرة برفع دعوى تحكيم في جنيف لاسترداد مبلغ 4 مليارات دولار أميركي من المورد، أي شركة «روسوبورون أكسبورت».

هذا العام، استغلّت روسيا الفرص العديدة لإعادة النظر في العقود التي تمّ إلغاؤها. ففي حين أنّ فرص تجديد العقد مع سوريا ضئيلة جدًّا لأسباب عدّة، بما في ذلك الأزمة الماليّة التي تمرّ بها سوريا بالإضافة إلى خطر وقوع هذه الأسلحة بأيدي الجماعات الإرهابيّة، فإنّ الوضع الإيراني مختلف. في 13 نيسان/ أبريل المنصرم، ألغى الرئيس «فلاديمير بوتين» قرار سلفه وسمح بتزويد إيران بالمنظومات الدفاعيّة. في المقابل، اشترطت روسيا أن تسحب طهران دعوات التحكيم ضدّ الشركة الروسيّة.

وكما ذكرت صحيفة كوميرسانت في 22 حزيران/ يونيو، تمّ تعديل العقد كما يلي : يتم وقف إنتاج صوايخ S-300PMU1 ويتم اسبدالها بمنطومة Antey-2500 وهي نسخة مطوّرة عن منظومة صواريخ أرض-جوّ S-300B، ووافق الجيش الإيراني على ذلك. وبهذه المناسبة، تمّ تجاهل الإعتراض من الجانب الإسرائيلي، في حين بات الإستياء الأميركي من سياسة طهران سطحيًّا إلى حدّ ما مع حرص واشنطن على استكمال التعاون مع إيران.

وبالتالي، يدفع ذلك بإيران إلى أن تصبح ثاني دولة في الشرق الأوسط مجهّزة بمنظومة صواريخ سام الروسيّة. وتمّ أيضًا توقيع عقد مع مصر في عام 2014 يقضي بتسليم دفعتين من صواريخ S-300 في عام 2016.

كما تسعى موسكو في هذا الإطار إلى تسويق منتجها هذا في السوق التركيّة. ففي العام 2009، شاركت شركة روسيّة في مناقصة بقيمة 4 مليارات دولار أميركي أعلنت عنها السلطات التركيّة متوقّعة إنتزاع الصفقة نظرًا للعلاقات الوثيقة بين موسكو وأنقرة. غير أنّ الشركة الروسيّة خسرت المناقصة ليس لصالح منافسين أوروبيين أو أميركيين أقوياء، بل لصالح منظومة FP-200/ CPMIC الصينيّة التي أثبت نموذجها HQ-9 عن سمات أكثر تنافسيّة من عروض منافسيها.وفقًا لخبراء روس في ما يتعلّق بالصناعة الدفاعيّة الروسيّة، لا تشكّل المنظومة الصينيّة سوى نسخة عن صواريخ S-300. إلاّ أنّ أنقرة ألغت هذه الصفقة في وقت لاحق تحت ضغوط مارسها حلف شمال الأطلسي.

السعودية أيضًا قد تكون أحد العملاء المربحين لروسيا خاصة أن المملكة لطالما كانت تحاول الدخول إلى سوق الأسلحة الروسية ولكن من دون جدوى.

وقد حاولت الرياض في الماضي التلاعب بالمصالح الروسية لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بها. في عام 2015، أطلق ممثلو السعودية مفاوضات لشراء أسلحة روسية بقيمة تصل إلى 4 مليارات دولار شرط قطع امدادات الأسلحة الروسية إلى إيران.

وأعلن في وقت لاحق أن المملكة لم تكن بحاجة إلى أنواع الأسلحة التي كان سيتم تسليمها رغم العقود التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات والمبرمة مع الدول الغربية.

في شهر آب أغسطس عام 2013 قام رئيس المخابرات السعودية بندر بن سلطان بزيارة سرية إلى موسكو لاستئناف المحادثات حول صفقة محتملة لشراء منظومات أسلحة روسية بقيمة 15 مليار دولار شرط أن تسحب موسكو دعمها لنظام بشار الأسد والتوقف عن عرقلة قرارات الأمم المتحدة ضد سوريا. ولكن هذا العرض اعتبر بمثابة مزحة سيئة.

وهنا أيضًا قد تتغير الأمور للأفضل. وفقًا للتقارير الإعلامية، في خلال لقاء عقد بتاريخ 18 حزيران/يونيو الماضي في سانت بطرسبرغ بين بوتين ومحمد بن سلمان وهو نائب ولي العهد ووزير الدفاع، عُرض على موسكو عقود لتزويد المملكة بدبابات T 90 الروسية وصواريخ اسكندر وأنظمة الدفاع الجوي وطائرات هليكوبتر حربية. وبالنظر إلى الأحداث الماضية، يشكك بعض الخبراء الروس بإمكانيات وعود العقود.

فهم يعتقدون أن المملكة مستاءة من إدارة أوباما في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني وأنها على الأرجح تحاول إرسال تحذيرات لواشنطن ولكنها في الواقع غير مستعدة للتعاون مع روسيا في المجال العسكري.

ولكن ليس الجميع يشكك في نوايا السعودية. فبعض المسؤولين الروس يبدون جديين حول امكانية إنشاء تعاون تكنولوجي وعسكري مع الرياض بالنظر إلى التغيرات التي طرأت في المنطقة وفي المملكة.

وتوحي التصريحات العلنية لعدد من كبار المسؤولين السعوديين ببعض التفاؤل في هذا الإطار. وقد قال وزير الخارجية السعودية «عادل الجبير» في مقابلة مع صحيفة روسيا اليوم إن خبراء الدفاع في كلا البلدين كان ينظرون في موضوع العقود العسكرية مع روسيا. وقد أضاف قائلًا: «أريد أن أوضح نقطة وهي أنه لا شيء يمنعنا من شراء أنظمة دفاعية من روسيا ولا شيء يمنعها من بيعها لنا».

ويتعين لفت الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن نجل الملك السعودي قام بزيارة روسيا للتفاوض بشأن تعاون اقتصادي متكامل بين البلدين في وقت الكرملين تواجه أوقات صعوبة في الإقلاع.

ومن أبرز نتائج هذه الزيارة التوصل إلى اتفاق إطاري وقّع مع روساتوم لبناء سلسلة تمضم 16 وحدة طاقة نووية بقيمة 100 مليار دولار بحسب صحيفة «أرغومنتلي ندلي».

يبدو أنّ روسيا قد تعلّمت من منافسيها الشرقيين والغربيين كيفيّة تسويق منظوماتها الدفاعيّة في مختلف الدول بما في ذلك تلك التي تقف على الجانب الآخر من الصراع مع موسكو. في ظلّ تفاقم الأزمة في الشرق الأوسط ودخولها دوّامة من العنف والإقتتال، باتت فرص ”توصّل الجميع إلى إتفاص في ما بينهم“ بحسب مقولة شهيرة لرسوم متحرّكة شعبيّة في روسيا، ضئيلة جدّا.
المصدر | فيتالي نومكين، المونيتور

رابط مختصر