«حرامية» الحلم العراقي … مشرق عباس

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 5 يوليو 2015 - 8:36 صباحًا
«حرامية» الحلم العراقي … مشرق عباس

ليس لأنها تشبه بلاد العم سام، بل لأنها مقصد حقيقي في القرن الحادي والعشرين، للمغامرين الراغبين في تحقيق ثروة طائلة في رمشة عين، ليس ثمة مكان كهذا يمكن للمرء أن يراقب فيه رحلة الصعود الخاطف للأرقام والأشخاص والظواهر.
في العلن، يتحدّث العراقيون عن ضياع أكثر من 500 بليون دولار من ثروات النفط، ويشيرون بأصابع الاتهام الى السياسيين والأحزاب ورجال الدين والميليشيات والقادة الأمنيين ومسؤولي الدولة، باعتبارهم الطبقة التي تمكّنت حقاً من تحقيق «الحلم العراقي»، فابن حمدية الذي كان حتى عام مضى مشغولاً في عمليات النصب على جيرانه لتوفير سكائره، سرعان ما بات نجم شاشات التلفزيون، يشتري منزلاً في النخلة، ويقيم سرادق لإفطار رمضان، ويسيطر على معظم عقود هذه الوزارة أو تلك، ويخطب في المنابر دفاعاً عن الوطن والطائفة ضد الفساد الذي ضيّع البلاد والعباد.
الحديث العلنــي عن الفساد، ليس أكثر من عمليـــة تفـــريغ نفسي في العراق. فمـــع مـــرور عقد، غرست البيئة الفاسدة قــوانينها غير المعلنة في أعماق بعيدة، فصارت ثمارها «نمط حياة» بالمعنى الحرفي، وأصبحت أذرعها أيقونات للنجـــاح الاجتماعي والسياسي، ونماذج يقتدي بها مئات الآلاف من الشباب.
قبل أيام، أعلنت «هيئة النزاهة» إعادة نحو 4 ملايين دولار الى خزينة الدولة، من خلال تحقيقات في قضايا فساد إداري ومالي، وكان الإعلان بمثابة إنجاز للهيئة، التي لم تحقّق منذ إنشائها على يد الحاكم الأميركي بول بريمر، أياً من أهدافها. فالمال العام نُهب ويُنهب، و «الحرامية» يرتدون البذلات الرسمية والعمامات والأزياء العسكرية، وبإمكانهم في لحظة رفع مدير هذه الهيئة من مكانه متهماً بدوره بالفساد، على غرار رئيس الهيئة السابق القاضي رحيم العكيلي!
يقول أحد السياسيين من أبطال «الحلم العراقي» مبتسماً :»عندما يسرق أحدهم 100 مليون دولار في صفقة استغرقت منه اتصالاً هاتفياً، لن يتوانى عن إهداء الدولة 4 ملايين لتقول لوسائل الإعلام إنها موجودة حقاً».
بالتزامن مع إعلان هيئة النزاهة، كانت السوق العراقية تشهد أكبر عملية نصب علني تحصل منذ سنوات، فقيمة الدينار العراقي تراجعت خلال أسبوعين أمام الدولار بنحو 20 نقطة، ومع هذا استمرّ المصرف المركزي ببيع مئات الملايين من الدولارات يومياً، الى شبكات المصارف التي يقف خلفها سياسيون مرموقون بالقيمة الرسمية السابقة.
خرج رئيس الحكومة حيدر العبادي، للدفاع عن الاقتصاد العراقي، وكما جرت العادة، كانت وسائل الإعلام والإشاعات المتّهم الأول بعملية النصب المريبة هذه، وأصدر المصرف المركزي قرارات رفع من خلالها قيمة الدينار، فتنفّس البلد الصعداء. لكن في الكواليس، كان «أبطال الحلم» يوزعون أرباحهم ويسخرون من الجميع.
لم تتوقف الحكومات العراقية عن إطلاق حملات «تشجيع الاستثمارات الأجنبية في العراق»، وكثيراً ما لامت الإرهاب والبيروقراطية على امتناع الشركات العالمية المحترمة عن القدوم الى هذا البلد، مع أنه قد يكون البلد الوحيد الذي يمنح المستثمرين الأرض والمال معاً للقيام باستثماراتهم! والواقع أن طبقة الأحزاب والسياسيين الفاعلين هي المستثمر الوحيد في كل المشروعات التي انطلقت منذ 2003 وحتى اليوم، حتى لو كانت تقف خلف واجهات شركات محلية أحياناً، أو عالمية أحياناً أخرى.
فساد في ملفات تسليح الجيش، وفساد في أغذية البطاقة التموينية، وفي استيرادات الأدوية، ومساعدات النازحين، والسجون، وصفقات النفط، والري، والزراعة، والسياحة الدينية، والمهرجانات، والمؤتمرات. كما أن مناصب الدولة الإدارية والسياسية والعسكرية تخضع للتسعير وفق الأموال التي تدرّها.
بل إن «داعش» في جوهره، مشروع فساد هائل. فأبناء البغدادي أفسدوا لسنوات المدن التي احتلّوها لاحقاً، وعقدوا صفقات واستلموا حصصاً مالية من السياسيين والعسكريين والشركات المحلية والأجنبية والمنظمات الدولية. وأصابع «داعش» ممتدة في شبكات تبادل المصالح والأموال مع من يحاربه في الميادين والمنابر اليوم.
لا يمكن فهم ما حدث في العراق، وما يحدث، من دون استيعاب بيئة الفساد الممتدة، ولا يمكن تصوّر الحلول للوقوف في وجه «داعش» أو استعادة الدولة من مشروعات التقسيم، أو توفير الحدود الدنيا من الخدمات، من دون الافتراض مسبقاً بأن كل تلك الحلول ستنتج بدورها مشروعات نهب جديدة، كأن يتنافس سياسيون شيعة في الإعلان عن مجموعات وهمية من «الحشد الشعبي»، بغرض الحصول على الأسلحة والمرتبات، أو يتبارى سياسيون سنّة في الحصول على أسلحة للحرب على «داعش»، فيبيعونها الى «داعش»!.
ليســـت تلك مفارقات حتـــى، بــل هي «قــواعد عمل». فليس مطلوباً منك فـــي لحظة الدخول الى نادي السياسيين الكــبار، والذي هو أيضاً نادي أصحاب الأمـــوال الكبار، إلا أن تكشف عن قـــدرتك على تبديل لون بشرتك وشكل ردائك ونوع أفكارك وانحيازاتك، كلما كانت المصلحة تقتضي ذلك، وأن تكون مستعداً لرفع شعار العلمانية، والمدنية، والإسلامية، والطائفية، والعنصرية، كلما كان مزاج الأموال متاحاً.
فـــي مهرجان «الحرامية» هذا، ستضيع الأصوات المنصفة الى حيـــن، تتوارى خلف صراخ الفاسدين والمنتفـــعين والوصوليين الذين يركبون كل «حلم» ممكن، حتى لو كان حلم إحراق بلادهم، وربما يطول الوقت قبل أن تفرغ خزائن بلاد ما بين النهرين، فيملّ الجميع الصراخ والدم والادعاء، ويحملون حقائبهم للمغادرة تاركين بصرة خربة، وبابل محترقة، وموصل منكوبة، وبعض أصوات شريفة تحاول القول إن «الحلم العراقي» كان فقط كابوساً.

رابط مختصر