أميركا تطلب التريّث دون التخلي عن اسقاط النظام السوري

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 5 يوليو 2015 - 8:40 صباحًا
أميركا تطلب التريّث دون التخلي عن اسقاط النظام السوري

مراكز الأبحاث والدراسات الاميركية تسلط الضوء بالتعاون مع مكتب الميادين في واشنطن على الجبهتين الشمالية الجنوبية في سوريا ودور كل من تركيا والأردن فيهما، مع لحظ الجدل حول اقامة منطقة عازلة في المنطقتين المذكورتين، وصولاً إلى البحث في مستقبل “المناطق الآمنة.
تسارعت تصريحات القادة والمسؤولين الأتراك باللجوء إلى الخيار العسكري في سوريا خاصة عقب زيارة الرئيس اردوغان لطهران في شهر نيسان/ ابريل من العام الجاري، بل التمادي في التصريح بجهوزيتها للتدخل في اليمن أيضاً.
وكُشف النقاب حينها عن تلقي انقرة رسالة قوية من واشنطن “تمنعها من القيام بعمل عسكري في سورية لمؤازرة قوى المعارضة.” فهل تخلت الولايات المتحدة حقيقة عن هدفها المعلن بالاطاحة بالنظام السوري، وكيف يمكن قراءة تزامن التصريحات وتصعيد الاشتباكات العسكرية لكل من تركيا والاردن – فرعي كماشة ضد السيادة السورية.في بُعد التوقيت، يتداول أميركياً أنه “يسلّط الضوء على محاولة ارسال رسالة قوية لواشنطن” من الطرفين “، مفادها أن الوقت قد حان للتدخل عسكريا في سوريا .. ومن الصعوبة بمكان التكهن ان كان الحديث حول انشاء مناطق عازلة سؤدي هذه المرة الى نتيجة ملموسة”.
رسمياً، عارضت واشنطن إقامة مناطق آمنة واوضحت عبر الناطق الرسمي للخارجية الاميركية أن بلاده “لا تجد مبررا كافيا لمثل تلك الخطوة .. وتواجه تحديات لوجستية خطيرة” تحول دون انشاء مناطق آمنة في سوريا، مستدركا انه لا تتوفر لأميركا “ادلة ثابتة” للتحركات العسكرية المقصودة. كما جرى تفسير تزامن “رسالتي الأردن وتركيا” بأن البلدين ربما يعبران عن نفاذ صبرهما من سياسة واشنطن التي لم تتبنى المخاوف التركية من تفاقم الاوضاع الأمنية بالقرب من حدودها المشتركة مع سوريا.
بعبارة أخرى شديدة الوضوح اميركا تعتبر “المنطقة الآمنة” ثمرة مصلحة دولية تقررها واشنطن، وليس نتيجة لمخاوف أمنية اقليمية. نزع واشنطن الغطاء السياسي عن تركيا، في هذا الظرف الدقيق، دفع أردوغان وحزبه التصريح بأن تركيا لن تدخل سوريا وحدها، على الرغم من الحركة النشطة للسياسة التركية حشد تأييد الدول الاقليمية، لا سيما الخليجية، في الآونة الاخيرة تمهيدا للتدخل.
وربما اعتبر اردوغان أن حليفه السعودي تورط أكثر من اللازم في العدوان على اليمن ويخشى تكرار التجربة الحية.
ونقلت أسبوعية “نيوزويك،” في نشرتها الإلكترونية “ذي ديلي بيست” عن مسؤول سابق في وزارة المالية الأميركية قوله نهاية شهر ايار/ مايو الماضي ان “تركيا في مأزق الآن، إذّ خلقت وحشاً (داعش) ولا تحسن التصرف معه”.

يشار في هذا الصدد الى توجيه صحيفة “الاندبندنت” البريطانية اصابع الاتهام لتركيا “وتواطؤها مع داعش،” عقب عملية افراج الأخير عن 49 ديبلوماسي تركي كانوا معتقلين لديه “دون اي مقابل.”
اردوغان والنزول سريعا عن الشجرة
امام اعتراض اميركا، من ناحية، والانجازات العسكرية الميدانية للجيش العربي السوري في شمال البلاد وجنوبها على الحدود مع الأردن، سبقها تهديدات ايرانية ونصائح روسيا أيضا، اضطرت انقرة إلى اعلانها التراجع، بعد صراخ النفير وتهديد الجوار بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولا يجوز التقليل من عامل تغير الخريطة السياسية الداخلية في تركيا عقب الانتخابات البرلمانية الاخيرة لتعزز مواقع القادة العسكريين الاتراك والقوى والاحزاب الاخرى المعارضة للتدخل.
رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو اجرى مقابلة لمحطة تلفزة تركية، خلال اعداد التقرير، أوضح فيها أنه “وفقا للوضع الراهن فان التدخل العسكري أحادي الجانب ليس مطروحا .. لن ننجر ابدا إلى مغامرة، فليطمئن شعبنا.”في المحصلة، وجدت تركيا “العدالة والتنمية” نفسها أمام معضلة قلقلها من تنامي انجازات القوات الكردية ضد “داعش”، وتخوفها من مطالبتهم اقتطاع جزء من اراضيها لدولتهم؛ واولوية واشنطن المعلنة في “محاربة داعش” وما يتطلبه من تأييد القوات الكردية المختلفة – في المرحلة الراهنة.
وسارع اردوغان لإرسال قوة عسكرية مؤلفة من نحو 18،000 جندي بكامل عتادهم واسلحتهم إلى المناطق الجنوبية بمحاذاة القوات الكردية متوعداً بأن بلاده “لن تسمح مطلقا انشاء دولة (كردية) في سوريا .. سنمضي في قتالنا مهما كانت جسامة الاكلاف”، والحيلولة دون تواصل جغرافي مباشر بين المناطق الكردية في الشمال السوري.
اردوغان وجد نفسه امام قضية شائكة لم يستطع التغلب عليها، خسارته للأغلبية البرلمانية وفشله في تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، مما سيحرمه أيضا من تأييد وإجماع داخلي لمخططاته خارج الحدود، لا سيما وان معارضة بعض قادة الجيش التركي للتدخل في سورية خرجت الى العلن خصم تركيا التاريخي، حزب العمال الكردستاني، لم يخف لهجة تهديده لحكومة اردوغان محذّراً في حال اقدامه على التدخل عسكريا في المناطق الكردية، تحت اي ذريعة، فان حزبه “سيحول كامل الأراضي التركية الى ساحة حرب”.
تهديدات الحزب، الذي يقبع رئيسه عبد الله اوجلان في معتقلات تركيا، تؤخذ على محمل الجد، جسدها بشن هجوم على قاعدة (داغليكا) العسكرية مطلع الأسبوع مستخدما قذائف الهاون والأسلحة الرشاشة، وانخراط سلاح الجو التركي بقصف مواقع يعتقد ان مقاتلي الحزب يتحصنون داخلها.
تركيا والاردن علاقة التبعية لاميركا
بروز تركيا كلاعب اقليمي حديث النشأة، وجاء بالتزامن مع احتلال العراق، وهي التي كانت تتطلع غربا تقدم التنازل تلو الآخر دون بلوغها هدف الإنضمام الى اوروبا.
اميركا التقطت اللحظة وسخرّت تركيا للعب دور قيادي اكبر واشمل في استراتيجيتها لاعادة تقسيم النفوذ في منطقة “الشرق الاوسط”، بالتزامن مع تراجع دور الكيانات الاوروبية، منفردة ومجتمعة، في الحسابات الأميركية. واشنطن شجعت بروز وازدهار فلسفة “الإسلام المعتدل” المتصالح مع الكيان الصهيوني على حساب النظام العلماني السابق في تركيا، وهي تبتعد عن اوروبا باتجاه الشرق بدعم وتأييد أميركي واضح في أغلب الأحيان.
المعطيات المتوفرة لطبيعة المصالح المتبادلة بين الدولتين تشير بوضوح إلى معارضة أميركية نشوء دولة مستقلة للاكراد، تلبية لهواجس تركية قديمة، وعدم السماح للاكراد بتخطي الحواجز الموضوعة والخروج عن السيطرة.
الإزدهار الاقتصادي لتركيا بلغ مرحلة متقدمة منذ احتلال العراق، وانعش احلامها لمنافسة أوروبا على الاسواق الاقليمية، والخليجية تحديدا، ولم يكن الأمر بعيدا عن المرسوم اميركيا للمنطقة، سياسيا واقتصاديا، وتوجهها للمراهنة على جماعات الاخوان المسلمين “تحت سيطرة انقرة” ظاهريا.
وانطلقت محاولات استغلال مدروسة للإحتجاجات الشعبية للإطاحة بالنظم والدول المعترضة على النفوذ الاميركي، وحتى المؤيدة له كما في تونس، وبرز عنصر “الإسلام السياسي “كعامل مفصلي يعوّل عليه في “الثورات الملونة،” رغم ادراك اميركا والقوى الاخرى بعدم اهلية التنظيم المتدين تبوء مفاصل الحكم كي تبقي المفاتيح الاساسية الاقليمية ضمن سيطرتها التامة. وتنفست الصعداء لإصطفاف نظام الاخوان في مصر ضد سوريا وابتعاده عن ايران، وتمت تغطيته بعباءة دعم تركية أيضا.
جدير بالملاحظة ان الولايات المتحدة رفضت تصنيف الإخوان جماعة ارهابية حتى بعد انكشاف العلاقة الوثيقة التي تربطهم بالتنظيمات المتشددة والإرهابية، القاعدة واخواتها. انشأ الأردن كمنطقة عازلة بين “اسرائيل” والعمق العربي في الهلال الخصيب، سوريا والعراق، واسند له وظائف متعددة للوقوف بوجه القومية العربية وحماية أمن “اسرائيل،” ومهام فرعية اخرى تتعلق بخدمة المصالح الأميركية في المنطقة: الانضمام لتحالف واشنطن ضد داعش.
تدخّل النظام الأردني في المأساة السورية يعود إلى ازمنة غابرة منذ تشكيل الاحلاف الاقليمية الغربية للوقوف بوجه المد الوطني والقومي، وتجدده تحت عباءة الاستراتيجية الاميركية والغربية لاسقاط الدولة والنظام السوري بشكل مباشر منذ بدء عام 2011.
سخّر الاردن اراضيه واجوائه في خدمة المشروع الغربي لتفتيت الدولة السورية، ولم يعد ينفي دور غرفة العمليات المشتركة، الموك، على أراضيه لإدارة معارك التنظيمات المسلحة ضد سوريا والتي تضم قيادات عسكرية رفيعة من الولايات المتحدة والسعودية و”اسرائيل”.
الدعم الأميركي والمالي السعودي حفّزه لإعداد نفسه وراثة اراضٍ سورية يضمها لكيانه عبر هجوم متزامن من اراضيه نحو الجنوب السوري وتهديد تركي في الشمال لمشاغلة الجيش العربي السوري.
قرار التدخل والعبث باستقرار سوريا لم يكن يوما رهن حسابات فردية لكل من تركيا والاردن، ودول الخليج الممولة والداعمة، بل القرار بيد اميركا وكل له دور خاص به.
التطورات العالمية في الفترة الاخيرة، من اوكرانيا لاوروبا وازمتها الاقتصادية والعدوان السعودي المتعثر ضد اليمن، فضلا عن فشل ادوات العدوان في المعارضة السورية، شكلت عاملا ضاغطا على صاحب القرار للتريث في المرحلة الحالية دون التخلي عن هدف التدخل والاطاحة بالنظام السوري.
يجدر التنبيه إلى التحولات الميدانية التي طرأت على العقيدة العسكرية الاميركية. بعد فشل حروبها المكلفة في افغانستان والعراق، وانخراط قواتها المسلحة بشكل مباشر، تعدّلت العقيدة العسكرية في عهد الرئيس اوباما لاستمرار القتال ولكن بادوات تنفيذ محلية، والتي ستتحمل مسؤولية الهزيمة وحدها امام العالم، كما هو حاصل للمملكة السعودية الغارقة في اوحال اليمن وتلكؤ القرار الاميركي بتوفير الغطاء السياسي لانسحابها.
وهذا يفسر الى حد بعيد تراجع الانخراط العسكري الاميركي المباشر في سوريا، على الرغم من اصرار انصار الحرب وممثليه في الكونغرس بأهمية ارسال قوات مسلحة اميركية للقتال في كل من سوريا والعراق.
التدخل الأميركي في المنطقة يتم عبر وحدات من القوات العسكرية الخاصة، لمهام محددة، وتاييد انخراط مرتزقة الشركات الأمنية الأميركية في العمليات القتالية مما يوفر لها عنصر التنصل من مسؤولية التدخل.
مستقبل المناطق الآمنة
إنشاء مناطق نفوذ آمنة، داخل الحدود السورية، مهمة محفوفة بالمخاطر لا سيما حاجتها الدائمة لتوفير الحماية النارية لها وما ينطوي عليه من مجازفات قد تخرج عن نطاق السيطرة. الأمر الذي تحذر منه أميركا مطلب تركيا الثابت بانشاء منطقة حظر على الطيران السوري.الأمر بالنسبة للاردن يختلف بعض الشيء بحكم تداخل العامل “الاسرائيلي،” من ناحية، وامتداد داعش واخواتها بالقرب من حدوده المشتركة مع العراق وسوريا.
الحسابات التركية الداخلية محكومة بسقف السيطرة على اوضاع الاكراد والحيلولة دون بروز كيان ولو شبه مستقل، على الرغم من استفادتها التعامل تجاريا وعسكريا مع اقليم كردستان العراق لادامة الضغط على بغداد.
الانتخابات البرلمانية الأخيرة قلبت حسابات الساسة الاتراك التي اسفرت عن دخول نحو 80 ممثل عن الاكراد البرلمان التركي، وما رافقه من خسارة العدالة والتنمية نسبة الاغلبية المريحة السابقة واضطراره الى تشكيل اما حكومة بالتحالف مع احزاب اخرى او الذهاب لانتخابات مبكرة، كما يهدد اردوغان، وهو خيار لا يخلو من المغامرة. تنفيذ اردوغان لتهديده بالتدخل العسكري المباشر في سوريا لا يؤخذ على محمل الجد نظرا لجملة اعتبارات، ابرزها سياسيا عدم توفر الغطاء الدولي، وميدانيا اضطراره لخوض حرب استنزاف مع القوات الكردية بتشكيلاتها المختلفة، الخصم اللدود للمؤسسة التركية الحاكمة وتنظيم داعش على السواء.
الحديث عن “فوز” تركيا ميدانياً، في حال اقدامها على تلك المغامرة، يغيب عن الخطاب السياسي والإعلامي.
خصوم الرئيس اوباما من انصار الحرب، يتزعمهم السيناتور جون ماكين، يقفون الى جانب تركيا وتشجيعها على التدخل العسكري. القابض على القرار السياسي في البيت الابيض لم يبدِ حماساً لقرار يعتبره يشكل مغامرة غير مدروسة تنعكس سلبا على الإستراتيجية والمصالح الأميركية في المنطقة، وتضاعف حجم الهوة في الجهود المشتركة لالحاق الهزيمة بتنظيم “الدولة الإسلامية”.
المصدر: مكتب الميادين بالتعاون مع مركز الدراسات العربية والاميركية

رابط مختصر