سوريا .. السيناريوهات السلبية وخيار إسرائيل

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 3 يوليو 2015 - 5:13 مساءً
سوريا .. السيناريوهات السلبية وخيار إسرائيل

يتأثر ميزان القوى الحالي في سوريا من الشرخ ثلاثي الاقطاب في الشرق الأوسط – بين المحور الشيعي بقيادة ايران وبين المحور السني بقيادة السعودية، فيما ان العامل السلفي – الجهادي، بقيادة الدولة الإسلامية يشكل معاملا ثالثا.

وميدان المعركة الأساس اليوم هو في سوريا، التي في أراضيها يتنافس فيما بينهم كل العناصر ذات المصلحة (المجموعات المنتمية إلى المحور الشيعي؛ المجموعة التابعة للمعسكر السني بما في ذلك أوساط الجهاد العالمي؛ و«الدولة الإسلامية»؛ القوى العظمى) روسيا والولايات المتحدة؛ الاقليات التي تقاتل في سبيل حياتها، كالأكراد، الدروز، العلويين؛ وكذا الدول التي تحد سوريا.

وبسبب الصعوبة في تقدير ورسم وضع النهاية في المعركة في سوريا، نميل إلى الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات كبرى، على افتراض أن سوريا لن تعود إلى وضعها كما كانت قبل اندلاع الحرب الأهلية:

1. هيمنة إيرانية بشراكة حزب الله والأقلية العلوية، والذين سيواصلون الإمساك بمراكز الثقل في سوريا؛

2. سقوط سوريا في أيدي القوى السلفية، مع هيمنة من «الدولة الإسلامية»؛

3. استمرار الفوضى، دون حسم واضح، خليط واسع من العناصر التي تقاتل الواحد الاخر.

سياسة عدم التدخل الإسرائيلية
صراع القوى الإقليمي، الذي ينعكس في القتال في سوريا، إلى جانب انعدام اليقين بالنسبة لوضع سوريا في المستقبل وعدم القدرة على توقعه، ولا سيما قدرة التأثير المحدودة على ما يجري وعدم الرغبة في الغرق في الدوامة الإقليمية وتحمل المسؤولية عن نتائجها، كل هذا أدى الى بلورة سياسة عدم التدخل الاسرائيلية في المعركة. وحددت حكومة إسرائيل منذ وقت غير بعيد إيران بصفتها التهديد المركزي على دولة إسرائيل – سواء بشكل مباشر أم من خلال اذرعها – حزب الله ونظام بشار الأسد.

ظاهرا، حتى الآن تحسن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل نتيجة لعملية تفكك الحلقة السورية في المحور الإيراني، دون أن تكون مطالبة باستثمار مقدرات واخذ مخاطر عالية. كما أنه يسود التقدير بأنه اتسع مجال المصالح المشتركة لإسرائيل والدول السنية المتفككة بل ويوجد أساس للتعاون بينها، يتركز في السعي إلى شل النفوذ الإيراني في المجال وتصميم وجه سوريا في اليوم التالي لسقوط نظام بشار الأسد.

على هذه الخلفية، تمتنع إسرائيل عن استباق المتأخر واختيار السيناريو المفضل لها من بين الخيارات السيئة الثلاثة: هيمنة إيران أو الدولة الإسلامية أو استمرار الفوضى في الأراضي السورية.

واستندت هذه السياسة إلى فهم لا ييفتقد المنطق، بأنه في الواقع الحالي لا معنى للاعتماد على أي جهة ولا يمكن التأثير على تصميم صورة سوريا، دو أقدام على الأرض، أي التدخل العسكري الكثيف.

تمهيدا لتغيير الوضع الاستراتيجي
انتقال الاحداث من سوريا الى اسرائيل، والذي وجد تعبيرة بضغط ابناء الطائفة الدرزية على اسرائيل لمساعدة ابناء شعبهم في الدفاع عنهم، مثلما هو ايضا التقدير بانه اقتربت نقطة التحول التي يفقد فيها نظام الاسد معاقله الاخيرة – التطور الذي سيدفع ايران الى تعظيم تدخلها في الحرب في سوريا، والى جانب ذلك امكانية أن تسيطر الدولة الاسلامية على مناطق اخرى يتركها جيش الاسد، تستدعي من اسرائيل اجراء تقويم للوضع الاستراتيجي، تحديد الوضع والاهداف التي تحسن في خدم مصالحها وتوجيه اعمالها بما يتناسب مع ذلك.

الفرضية الاساس لدى اصحاب القرار في اسرائيل قبل وفي اثناء تغيير وجه الشرق الاوسط منذ 2011، هو أن ايران تشكل التهديد الاستراتيجي الاساس على اسرائيل. فالبرنامج النووي الايراني الطموح، والذي يعالج الان ايضا في الاطار الدولي، كان ولا يزال بؤرة المساعي السياسية والعسكرية لاسرائيل.

كذلك، فان اسرائيل قلقة من الاتفاق بين ايران والقوى العظمى، والذي في اطاره سيعترف بايران كدولة “حافة نووية” والى جانب ذلك ستواصل استخدام اذرعها، ذات القدرة على استهداف كل نقطة في اسرائيل بالسلاح الصاروخي من لبنان، من سوريا، بل من قطاع غزة، وإطلاق العمليات الإرهابية إلى أراضي اسرائيل. هذا الوضع، ليس مقبولا في نظر اسرائيل. ومن هنا ينطلق التطلع الاسرائيلي لحل “المحور الايراني”.

على اسرائيل ان تتصدى لرؤية بعض من الدول الغربية (ويحتمل الادارة الامريكية ايضا)، والتي بموجبها ايران بالذات هي الجهة التي تدخل الاستقرار الى الفوضى السائدة في سوريا، في العراق وفي الشرق الاوسط بأسره. وذلك في اعقاب قتالها ضد الدولة الاسلامية وعلى اساس التقدير بانها دولة مسؤولية يمكن أن تثبت حيالها “قواعد لعب” مقبولة.

وبافتراض ان على دولة اسرائيل ان تنظم نفسها تمهيدا لما سيأتي، وانطلاقا من الفهم بانه يتآكل خيار الوقوف جانبا، فان عليها أن تنعش منظومة الاعتبارات الاستراتيجية التي تستمد منها سياسة عدم التدخل، وفي هذا الاطار مطلوب تفكير باعث على التحدي، يشير الى ظاهرة الدولة الاسلامية كتهديد خطير اخطر حتى من التهديد الايراني. سيناريو ينجح فيه التنظيم في احتلال اراض في هضبة الجولان وتثبيت نفسه فيها، سيضع اسرائيل وجها الى وجه أمام جهة لا تعمل حسب قواعد اللعب بين الدول.

وذلك، خلافا لايران، سوريا وحزب الله، التي توجد حيالهم منظومة من قواعد اللعب والمنطق المرتب.

ينبغي الافتراض بانه اذا ما سقطت هضبة الجولان ومناطق اخرى من قبضة الأسد وشركائه في أيدي “الدولة الاسلامية” فان السلاح على انواعه ايضا، والذي يوجد في تلك المناطق، ستضع الدولة الاسلامية يدها عليه. وتثبت التجربة بان الدولة الاسلامية تعرف كيف تستخدم منظومات سلاح متطورة وتجند الفارين من جيش العراق وسوريا الى صفوفها.

سلاح استراتيجي تحت تصرفها، سيكون اخطر على اسرائيل من ذات السلاح في يد “المحور الايراني” الذي تسيطر عليه اعتبارات كابحة.

سبب آخر لتحديد “الدولة الاسلامية” كتهديد مركزي، يرتبط بسياسة ووضع جيران إسرائيل وكذا حلفائها. صحيح ان ايران وفروعها تشكل عدوا مشتركا لاسرائيل والاردن، مصر والسعودية ودول الخليج، ولكن قدرتها على المس بها، محدودة لان سكانها في اغلبيتهم الساحقة سنة. بالتالي فان ايران تجد صعوبة في تجنيد العطف في اوساط معظم السكان في هذه الدول وكذا التغيير فيها للميزان بين القوى الداخلية.

صعوبة اخرى تقف امامها ايران في هذا السياق هي ان مقدراتها في الوقت الحالي منتشرة في عدد كبير من الساحات على التوازي. وفي اعقاب ذلك فانها تجد صعوبة في خلق كتلة حرجة من النفوذ.

بالمقابل، فان للدولة الاسلامية امكانية تهديد كامنة كبيرة على الدول المجاورة لاسرائيل وذلك لان بوسعها أن تؤثر على جماعات من السكان السنة المحبطين، ذوي الطريق المسدود.

وبالفعل، فان متطوعين من بين الدول السنية ينضمون الى فكرة الدولة الاسلامية بل والى صفوفها. وحتى الان، تم احتواء التهديد بجهد كبير من الانظمة السائدة، ولكنه تعاظم واتسع في الدول الفاشلة والمتفككة في المنطقة. فسيطرة الدولة الاسلامية على سوريا، بل وعلى معظم اراضيها كفيل بان يحدث موجات صدى في شكل فوضى في الاردن، في لبنان، في شبه جزيرة سيناء بل وفي السعودية وامارات الخليج.

من زاوية النظر الاسرائيلية، من الصعب تصور الكثير من السيناريوهات السلبية اكثر من اغراق الاردن بنشطاء الدولة الاسلامية، الذين يهددون الاسرة المالكة ويهزون الاستقرار في المملكة.

اعتبار هام آخر في تحديد السياسة الاسرائيلية هو منظومة العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة، والتي صممت على مكافحة الدولة الاسلامية أولا.

فضربة إسرائيلية لإيران، حتى وان كانت بشكل غير مباشر، كفيلة بأن تعزز الدولة الاسلامية وتشكل مدماكا سلبيا آخر في منظومة العلاقات المتوترة بين اسرائيل والولايات المتحدة. كذلك، فان مثل هذه الضربة من شأنها حتى ان تصطدم بمصالح الدول الغربية، في فترة مطلوب فيها من اسرائيل ان تساعد حكوماتها في الصراع الذي تديره ضد المقاطعات وحملات نزع الشرعية ضد اسرائيل.

ما الذي يمكن لإسرائيل عمله مع ذلك؟
في ظل هذا التعقيد، اختارت اسرائيل التركيز على الرد على سيناريو استمرار الفوضى، وعملت على خلق روافع تأثير على جماعات الثوار والقيادات المحلية في جنوب سوريا ولا سيما في هضبة الجولان.

المساعدة الانسانية التي تقدم من جانب إسرائيل لهذه الأوساط، التي تشخص كثوار يقاتلون ضد نظام الاسد والقوى المساعدة له، فيلق القدس الايراني، حزب الله، وميليشيات شيعية، ترسخ صورة مفادها أن اسرائيل تدعم انسانيا وعسكريا محافل الجهاد السلفي، كجبهة النصرة الذين يقاتلون نظام الاسد.

ويتم تعظيم هذه الصورة من جانب أوساط “محور” إيران ونظام الاسد وحزب الله، الذين يمارسون حرب معلومات غايتها إثارة السكان الدروز في إسرائيل ضد سياسة حكومة إسرائيل والمساعدات الانسانية التي تقدمها في هضبة الجولان.

الرد الوحيد، المناسب لجملة السيناريوهات المشار اليها، هو تعزيز وتوسيع روافع التأثير الاسرائيلية في جنوب سوريا وفي هضبة الجولان.

لهذا الغرض نوصي بتخطيط استراتيجية مشتركة مع الأردن، باسناد أمريكي، لإقامة منطقة نفوذ مشتركة في جنوب سوريا. في هذا الاطار، السعي الى التنسيق مع لاعبي ايجابيين (أو أقل سلبية)، مثل قوات الجيش السوري الحر، جماعات سكانية محلية، منظمات لا تنتمي الى الجماعات السلفية المتطرفة، وجماعات أقلية، كالدروز.

الشراكات مع هذه الجهات، حتى وان كانت محدودة في الزمن فقط، ستقوم على أساس المساعدة العسكرية والانسانية، وتأمين الاحتياجات الحيوية للسكان، لدرجة خلق اقتصاد حدود يتضمن مسارات تموين بضائع من إسرائيل إلى جنوب سوريا.

إسرائيل والأردن لديهما قدرات جوية وقدرات مضادة متطورة بواسطتها يمكنهما أن يقيما منطقة حظر طيران في مناطق محددة، وإلى جانب ذلك منح غلاف دفاعي مضاد للاعبين الذين يتعاونون معهما، دون استخدام القوات البرية.

نشاطات في هذا الاتجاه، ستعزز الحلف الاستراتيجي بين الاردن واسرائيل، وتصد توسع نفوذ إيران وحزب الله من جهة وجبهة النصرة وعناصر الجهاد السلفي من جهة اخرى، وتمنع نشوء “فراغ” يجتذب إلى الدخول اليه «الدولة الإسلامية».

من المهم أن يكون الدروز، سواء في جبل الدروز أم في هضبة الجولان السورية جزءا من منظومة اللاعبين المحددين كشركاء لإسرائيل والأردن. وفي هذا الإطار، تحدد إسرائيل والأردن مجالا محميا يمكن أن يفر إليه لاجئون دروز وتقدم لهم المساعدات الإنسانية اللازمة.
المصدر | أودي ديكل وعومر عيناب، نظرة عليا العبرية – ترجمة المصدر السياسي

رابط مختصر