«نيويورك تايمز»: قطر تغير سياستها الخارجية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 3:38 مساءً
«نيويورك تايمز»: قطر تغير سياستها الخارجية

ترجمة: الخليج الجديد
بدأت النكتة قديمة بين خبراء السياسة الخارجية على النحو التالي: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، كان العالم مندهشا عند اكتشافه أنه لا يزال هناك قوتين عظميين: الولايات المتحدة و… الكويت. واستمرت بعد ما أصاب الكويت من الغزو العراقي وحرب الخليج، وخلال منتصف التسعينيات من القرن الماضي وجد العالم نفسه مرة أخرى مع اثنين من القوى العظمى: الولايات المتحدة و… قطر.

وتسخر هذه الملاحظة البارعة من محاولات دول الخليج الصغيرة السعي من أجل تثقيل وزنها في العلاقات الدولية. لقد حددت الكويت ذات مرة معيار الانطلاق، ولكن على مدى السنوات الـ20 الماضية حاولت قطر الاستفادة من ثرواتها النفطية الهائلة لبناء وإبراز نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ومع ذلك، يبدو الآن أن حكام قطر يقومون بعملية تعديل وتغيير للسياسة الخارجية. على وجه الخصوص، التقارب بين قطر وجارتها ومنافستها السابقة، المملكة العربية السعودية، شهد تحولا كبيرا في التفكير الاستراتيجي.

ثروة قطر المدهشة دعمت سياسات الأمير السابق، الذي حكم من 1995 حتى تنازله عن العرش في عام 2013، والتي تمثلت في الإنفاق ببذخ على الأصدقاء والتأثير في الناس، فيما عدا المملكة العربية السعودية. وبالنسبة لمعظم فترات العقدين الماضيين، يبدو أن قطر كان يقودها العزم على تحدي وتطويق الأخ الكبير للغرب.

من بين الاستثمارات القطرية الأساسية بشكل ملحوظ كانت المنشآت العسكرية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية ومعسكر السيلية. ويتردد أن هذا المنشآت تم تمويلها بشكل كبير من قبل الدوحة، بما في ذلك أكثر من مليار دولار في تكاليف البناء الأولية. وترى قطر هذه القواعد بوصفها ضامنا حيويا للدفاع الوطني.

وفي الوقت نفسه، تركز الاستراتيجية الإقليمية في قطر على دعم جماعة الإخوان المسلمين والحركات التابعة لها في جميع أنحاء العالم العربي. ولكن هذا النهج أثار توترات مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى؛ وخاصة الإمارات العربية المتحدة. وقد أعلنت السعودية والإمارات أن جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

وانعكست سياسات قطر المؤيدة للإخوان في أنشطة شبكة الجزيرة الإخبارية التلفزيونية المملوكة للدولة ذات التأثير الواسع، وكذلك في الدعم المالي من الدوحة للحركات المنتمية لجماعة الإخوان؛ بما في ذلك حركة «حماس» في قطاع غزة. وتسببت مثل هذه الأمور في توتر العلاقات المتوترة مع غيرها من دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة الاضطرابات في مصر وليبيا وغيرها من دول الربيع العربي.

واشتعل التوتر بصورة أكبر في قمة المجلس التي انعقدت في مارس/أذار 2014، ما أدى بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى سحب سفرائهم من الدوحة. واستمرت الأزمة حتى نوفمبر/تشرين الثاني، عندما تم حلها أخيرا بتوقيع «الاتفاق التكميلي» الذي اقترن باسم العاصمة السعودية الرياض.

ولم يتم الكشف عن المضمون الكامل للاتفاق، ولكن الاحتمال الأكثر ترجيحا وانتشارا وراء موافقة قطر على الحد من دعمها للحركات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين هو التحول الفعلي للسياسة. وخفضت قطر دعمها لحركة «حماس»، كما تسبب فيما رأيناه من نزوح لقيادات جماعة الإخوان من الدوحة.

وقلصت قطر دعمها لجماعة الإخوان المسلمين في ظل سقوطهم من بلد لآخر، بعدما خلصت إلى أنها تصنع أعداء كثر جدا بدعمها لجانب خاسر.

وساهم صعود الأمير «تميم بن حمد» في قطر وأيضا الملك «سلمان بن عبد العزيز» في السعودية في يناير/كانون الثاني الماضي في إحداث هذا التقارب. فقد تحرك العاهل السعودي سريعا لضمان وحدة كبرى بين دول الخليج ؛ وخاصة ما يتعلق بإنهاء الخلاف مع قطر. وكان ذلك مقدمة لموقف إقليمي أكثر حزما وهو ما ظهر في التدخل العسكري في اليمن.

ورحبت الدوحة بهذا الاتجاه الاستراتيجي الجديد. وشارك القطريون في النقاش الخاص بالسياسة الخارجية في الدوحة، والتي تقدم الآن دفاعا قويا عن إجراءات مجلس التعاون الخليجي التي انتقدت بشدة خارج منطقة الخليج. إن التعاطف العام في قطر مع سياسات السعودية في اليمن والعراق وسوريا وموقفها من إيران يعكس مستوى التعاون بين الرياض والدوحة الذي لم يكن موجودا منذ عقدين.

مع هذا، هناك شعور واضح من الارتياح لدى القطريين أن قادتهم يرسمون الآن معالم المصلحة الوطنية بطريقة أقل غموضا. وفي هذه الأيام، يمكن للجميع تقريبا في قطر أن يفسر ما تحاول بلادهم القيام به، وهذا هو السبب وراء ذلك بكل بساطة. ولم يكن هذا هو الحال دائما.

كما تحاول قطر أيضا إلى حد بعيد أن تكون أكثر البلدان المانحة والأكثر سخاء فيما يتعلق بالاستثمار في إعادة إعمار قطاع غزة. وفي الجهة المقابلة، فقد ساهم ذلك في تحسن العلاقات مع إسرائيل، التي ترحب بحذر بأي استثمارات قطرية في غزة، وجهودها للتوصل إلى وقف طويل الأجل لإطلاق النار، لا سيما وأنها تقترن بدعم سياسي منخفض لحركة «حماس». وفي مارس/أذار أشاد ممثل دولة قطر في غزة، «محمد العمادي»، بإسرائيل لتسهيل إعادة إعمار غزة، والاعتراف العلني الأول من الموقف الإسرائيلي الجديد الذي يرحب بجهود الدوحة في القطاع الفقير.

جدير بالذكر أن المنافسة بين قطر والمملكة العربية السعودية لم تنته تماما، وهناك بعض القضايا التي تجعل هذا الأمر يستمر. هناك بعض القضايا الخلافية والمنافسة بينهما كمسألة النزاع على الحدود، فضلا عن عدم اتفاقهما في وجهة النظر بشأن عدة قضايا إقليمية رئيسية، خاصة ما يتعلق بالنظرة تجاه الإسلاميين.

وباتت الدوحة أقل استثمارا في دعمها لجماعة الإخوان المسلمين مما كانت عليه من قبل، كما صارت الرياض أقل عدائية، ولكن سيكون من قبيل المبالغة القول إن القيادتين ينظرون إلى الإسلاميين بنفس المنظار. ولكن هناك أسباب وجيهة تفيد بأن قطر على ما يبدو خلصت إلى أن التنافس مع المملكة العربية السعودية هو في أحسن الأحوال لا طائل من ورائه ويحتمل أن يكون كارثيا.

وفي ضوء المشكلات الأمنية الخطيرة في المنطقة، وما يحدث في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، وظهور جماعات إرهابية مثل «الدولة الإسلامية»، والتقارب بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الاتفاق النووي وغير ذلك، فإن مصلحة الدوحة تكمن في إقامة علاقات وثيقة مع حلفاءها بمجلس التعاون الخليجي بدلا من المضي قدما بشكل منفرد.

إن السياسة الخارجية الجديدة لقطر دليل على أن الدوحة قررت أن التنسيق مع الدول الخليجية سوف يأتي بنتائج أفضل مقارنة بمحاولة التحرك بشكل أشبه بالقوة العظمى الصغيرة.
المصدر | حسين حبيش، نيويورك تايمز

رابط مختصر