«ستراتفور»: تونس تواجه أوقاتا صعبة لكنها لن تصبح ولاية تابعة لـ«الدولة الإسلامية»

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 3:39 مساءً
«ستراتفور»: تونس تواجه أوقاتا صعبة لكنها لن تصبح ولاية تابعة لـ«الدولة الإسلامية»

ترجمة: الخليج الجديد
التحديات التي تفرضها جماعات متشددة مثل أنصار الشريعة السلفية و«عقبة بن نافع» التابعة للواء «الدولة الإسلامية» في تونس لن تهدأ في أي وقت قريب. وببساطة، لا تملك تونس القدرة على القضاء على هذه المشكلة. لكن تونس أيضا لديها مرونة متجذرة في تاريخها وفي تماسكها الجغرافي ومؤسساتها السياسية القوية. وبإمكان الجهاديين وعناصر «الدولة الإسلامية» في تونس جعل الحياة صعبة وعنيفة بالنسبة للتونسيين، لكنهم لن يكونوا قادرين على تحويل تونس إلى إقليم تابع للدولة الإسلامية.

تحليل
دخلت تونس ضمن العديد من الدول التي تضررت جراء سلسلة الهجمات التي شنتها مجموعات تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، حيث شملت تلك السلسلة أعمالا إرهابية في ثلاث قارات جرت جميعها يوم 26 يونيو/حزيران. وقتل حوالي 37 شخصا، بينهم سياح من المملكة المتحدة وألمانيا وبلجيكا واثنين من المسلحين خارج فندق سياحي شعبي في مدينة سوسة. وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الهجوم، والذي كان مشابها في طبيعته لهجوم 18 مارس / اذار على المتحف الوطني باردو في تونس وراح ضحيته 24 شخص، وأعلنت المنظمة المسلحة أيضا مسؤوليتها. من الناحية السياسية؛ كانت تونس هي البلد الوحيد الذي استطاع إدارة الاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن الإطاحة بالديكتاتور السابق والانتقال إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا قادرة على العمل. وعلى الرغم من ذلك، فإنها لم تكن بمنأى عن التحديات الأمنية التي استمرت منذ سقوط «زين العابدين بن علي» من السلطة في عام 2011.

نعمة التماسك السياسي
عندما نشرت ستراتفور آخر تحليل للمشهد السياسي التونسي، كان قبيل الانتخابات العامة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014. ونتيجة لتلك الانتخابات قفز حزب نداء تونس إلى السلطة عن طريق حصوله على عدد وافر من المقاعد في البرلمان. والجدير بالذكر أن الحزب حصل على دعم قوي من أنصار «زين العابدين بن علي» و«الحبيب بورقيبة» ما دفعه لتلك المكانة. لقد وجدت عناصر من تجمع «زين العابدين بن علي» الدستوري الديمقراطي، وأنصار «بورقيبة»، والنقابات العمالية التونسية مثل الاتحاد العام التونسي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والجيش ووزارة الداخلية الكثير من القضايا المشتركة في برنامج نداء تونس. وكان من نتيجة الانتخابات الرئاسية في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2014 أن تحمل «الباجي قائد السبسي»، الذي كان في حزب «بورقيبة» في شبابه، مسؤولية قيادة السلطة.

ثم قام «السبسي» بتعيين حبيب الصيد في منصب رئيس الوزراء في 5 يناير/كانون الثاني. لقد كان قرار كبيرا بالنظر إلى أن الصيد كان قد خدم في وزارة الداخلية في خلال العقدين الماضيين. وبعد أن قام «زين العابدين بن علي» بالانقلاب الناعم على «بورقيبة» في عام 1987، قام بتطوير وزارة الداخلية، وذلك بهدف استخدامها لبسط سيطرته على تونس، وتقييد الحريات المدنية واعتقال قادة المعارضة. واعتقل «بن علي» أكثر من ثمانية آلاف من الإسلاميين بين عامي 1990 – 1992م خوفا من أن يتحدوا حكمه. ولكن المعاملة القاسية من الوزارة كانت أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى الثورة التونسية عام 2011. ولكن معظم المؤسسات السياسية في تونس، بما في ذلك وزارة الداخلية، نجت من التغيير الحكومي، متحدة في شكل قوة سياسية قوية قادرة على إنشاء قاعدة متماسكة للقانون.

وعلى عكس الدول الأخرى التي شهدت اضطرابات اجتماعية تحويلية في عام 2011، أنجزت تونس المرحلة الانتقالية الشاقة للحكومة المنتخبة ديمقراطيا والتي كان فيها «الصيد». وبدلا من تهميش حزب النهضة الإسلامي، شكل الصيد حكومة وحدة، وهو ما أكدته الجمعية الوطنية يوم 5 فبراير/شباط.

ومنذ الإطاحة بـ«زين العابدين بن علي»، أقرت تونس دستورها، وعقدت الانتخابات التشريعية والرئاسية معا، وشكلت حكومة تمثل مساحات واسعة من المجتمع التونسي، من الإسلاميين السياسيين وحتى العلمانيين أنصار حزب الدستور الجديد. وعلاوة على ذلك؛ أصرت الحكومة على السيطرة على الوظائف الأساسية للدولة، كما ظهر من حقيقة أنه في وقت سابق من هذا الشهر منح صندوق النقد الدولي تونس اتفاق معاضدة لمساعدة البلاد في تعزيز نظامها المصرفي والإصلاحات المالية. وكما لاحظ «روبرت كابلان»، الكاتب والمحلل الرئيسي الجيوسياسي السابق لستراتفور، أن مثل هذا التعاون أسهل في تونس، وذلك جزئيا بسبب جغرافيتها التي لا تفضي إلى تطوير الانقسامات الطائفية أو العرقية الكبيرة. وقد كفل الترابط الجغرافي للبلاد أنه على الرغم من أن اسمها قد تغير، إلا إن تونس ظهرت ككيان سياسي يعود تاريخها إلى الإمبراطورية القرطاجية القديمة من القرن الثالث قبل الميلاد بالمقارنة مع دول مثل سوريا والعراق، وقد ثبت أن الهياكل الإدارية في تونس تتمتع بالمرونة.

الاهتمامات الأمنية التونسية
ومع ذلك، لا تخلو تونس من مشاكل أمنية أو نشاط للمتشددين، وخاصة في المناطق الداخلية. هذه المناطق النائية عادة ما تكون الأكثر فقرا، وأكثر تخلفا، فضلا عن ارتفاع مستوى معدلات الأمية عن بقية البلاد. وقبل الإطاحة بـ«زين العابدين بن علي»، كانت معدلات البطالة في الداخل تقريبا ضعف تلك الموجودة في بقية تونس. وهذه هي أيضا المناطق التي تعد تاريخيا أكثر تدينا وتحفظا، ما يجعلها مكانا مثاليا للجماعات الجهادية لتعمل وتنمو. وفي عام 2000، شكل اثنان من المسلحين التونسيين مجموعة المقاتلين التونسيين الجهادية، والتي في عام 2006 انضوت تحت لواء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وفي وقت مبكر من عام 2007، رأت ستراتفور أن تونس قد تصبح أرضا خصبة للعمليات الإسلامية المتشددة. وفي النهاية، المشاكل الأمنية في تونس كانت قبل فترة طويلة من الفوضى السياسية الإقليمية الناجمة عن الربيع العربي والصعود اللاحق للدولة الإسلامية.

كما أضعفت الثورة في عام 2011 أيضا وزارة الداخلية وقللت قدرتها على قمع الاضطرابات، لكنها في الوقت ذاته عززت من قدرة جماعات على تطوير نفسها بحرية أكثر من ذي قبل. منذ عام 2012، تكافح السلطات التونسية التمرد ضد حركات جهادية مثل «عقبة بن نافع» ولواء «أنصار الشريعة» في محافظة القصرين الجبلية بالقرب من الحدود الجزائرية. وباتت الاغتيالات السياسية والهجمات على السياح، والمعارك بين السلطات التونسية والخلايا الجهادية في المدن الكبرى في تونس، بما في ذلك العاصمة تونس، الآن جزءا من الحياة اليومية؛ لأن تونس لا تملك القدرة على القضاء نهائيا على هذه المجموعات.

وهذه التحديات الأمنية أيضا تضر بالاقتصاد التونسي. فالسياحة مثلت حوالي 15.2% من الناتج المحلي الإجمالي في تونس في عام 2014، ووفرت أكثر من 200 ألف فرصة عمل، وما لا شك فيه أنه سيكون هناك تراجع في هذه الصناعة بعد الهجومين الأخيرين اللذين استهدفا السياح. إن تأمين الاستثمار الأجنبي أصبح أكثر صعوبة، وسوف يعاني العديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية من القضايا الأمنية والاضطرابات الاجتماعية كذلك.

ومع ذلك، تونس هي في طور معالجة هذه المشاكل، وإن كان ذلك ببطء وبصعوبة كبيرة. غالبية سكانها، بما في ذلك حزب النهضة الإسلامي، متوحدين ضد مواجهة الجهاديين. وقد أثبتت المؤسسات السياسية الديمقراطية في تونس أيضا مرونة وقدرة على الحكم، كما أن الترابط الجغرافي والتاريخي يبشران بالخير لتلك المؤسسات لمواصلة ممارسة السيطرة على غالبية البلاد. لا تزال المجموعات التابعة للدولة الإسلامية أو الجماعات الجهادية الأخرى تجد مساحة للعمل في الداخل، ما جعل المدن التونسية في حالة من الصراع ضد الهجمات الإرهابية. وفي نهاية المطاف تجد الجماعات التابعة للدولة الإسلامية في تونس هوية وثقافة أكثر عدائية بكثير لأهدافهم مما كانت عليه في أجزاء أخرى من المنطقة.
المصدر | ستراتفور

رابط مختصر