العنصرية تعود بقوة إلى جنوب إفريقيا

بعد عقدين من إلغاء نظام الفصل العنصري «أبرثايد»

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 3:18 مساءً
العنصرية تعود بقوة إلى جنوب إفريقيا

ارتفع عدد الحوادث ذات الطابع العنصري في جنوب إفريقيا، أخيراً، بشكل لافت؛ الأمر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي بعد أكثر من عقدين على إلغاء نظام التمييز العنصري «أبرثايد» في هذا البلد. وذكرت وسائل إعلام محلية، أن عاملين سوداً في مطعم تعرضوا للاعتداء اللفظي من قبل زبائن بيض، وتطور الأمر إلى الضرب والشتم.
يقول زوليكايل دوما الذي كان في المطعم وتعرض للاعتداء، إنه فوجئ بسلوك الشبان البيض الذين تصرفوا بعنصرية مع العاملين، «لقد تصرفوا معهم كأنهم كلاب، وليسوا بشراً. كان أحدهم ينادي العامل كما ينادي أحدنا كلبه»، ويحدث ذلك بعد 21 سنة من انتخاب أول رئيس أسود للبلاد. ويشتكي دوما، الذي يدرس في جامعة «ستيلنبوش»، من التمييز أيضاً في المناهج الجامعية، إذ يستحوذ البيض على معظم مقاعد مجلس الطلاب، كما تخصص الجامعة عدداً كبيراً من الساعات للغة الإنجليزية على حساب لغة جنوب إفريقيا الأصلية. وبعد المشاركة في مسيرة احتجاجية في الجامعة تلقى الطالب الأسود شتائم وإهانات على هاتفة النقال.
تقول التقارير إن الحوادث العنصرية تزايدت بشكل ملحوظ في الجامعات والمدارس، ومواقف السيارات والمطاعم، ومباني المكاتب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك «فيس بوك» و«تويتر»، وفقاً للجنة حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا. ويشعر بعض السود في جنوب إفريقيا بخيبة أمل بسبب العنصرية العلنية، ما يثير تساؤلات حول رؤية الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا لما أطلق عليه «رؤية مانديلا الناعمة للمصالحة».

أفادت تقارير بأن مدرسة في مقاطعة بريتوريا قسمت الصفوف الدراسية على أساس عرقي، وأن مبنى للمكاتب في مقاطعة «ليمبوبو» خصص مراحيض للبيض فقط، إضافة إلى مطعم في مدينة كيب تاون رفض أن يحجز لمتصل عندما ذكر لقبه العائلي، «مبوفو»، الذي عرفه بأنه أسود. وتعليقاً على ذلك، قالت تومي مبوفو، إن عمال المطعم رفضوا الحجز لوالدها بسبب اللقب لا غير، وعندما تدخل صديق والدها بعد دقائق عبر الهاتف، وافق المطعم على الحجز، إلا أن المشكلة لم تنته، فعندما وصلت العائلة إلى المطعم قيل لهم إنهم لا يملكون حجزاً، ولم يتمكن أفراد الأسرة من الجلوس إلا بعد أن اتصل صديق الوالد «الأبيض» مرة أخرى. واستبعدت إدارة المطعم أن يكون ذلك سلوكاً عنصرياً، وعزته إلى خطأ قد يحدث في أي مطعم آخر. وتروي تومي، «لم يكونوا يهتمون بما نقول، على الرغم من أننا كنا ستة أشخاص بالغين، وتطلب الأمر تدخل شخص أبيض ــ غير موجود في المكان ــ ليعيروا لنا اهتماماً»، مضيفة أن «هذه الحادثة كانت مزعجة بالنسبة لي، وبالتأكيد آلمتني كثيراً». وتقول الشابة الجنوب إفريقية إن عمال المطعم جعلوهم ينتظرون فترة طويلة، ليأتي أحدهم ويطلب منهم أن يختاروا ما يريدون أكله، «كان أبي غاضباً». وتؤكد تومي أن «الناس بدأوا يتنبهون ويقولون: لقد كنا نخدع أنفسنا»، وكلما زادت الحوادث ذات الطابع العنصري زاد عدد المنتبهين».

ابتسامة مزيفة

كتبت مخرجة الأفلام والكاتبة (البيضاء) جيليان شوت، مقالاً في صحيفة «مايل أند غارديان» تقول: «العديد من ذوي البشرة البيضاء ليس لديهم الرغبة في الانخراط في نقاش حول مسألة التمييز العنصري، ويصيحون بأعلى أصواتهم أنه يتعين علينا أن نتجاوز العرق واللون». وتضيف شوت «إنها ظاهرة (عمى الألوان) التي ترفض وتتجاهل حقيقة مفادها أن الناس هنا مازالوا يهتمون بمسألة العرق واللون، لأنهم يعانون منها إلى الآن». وفي 2011 كتب الصحافي (الأسود)، ليراتو تشابلالا، مقالاً موجهاً لمواطنيه البيض جاء فيه «تزعجنا ابتسامتك كثيراً، عندما تنظر إلى شخص أسود. تجعلنا ابتسامتكم نشعر بأنك تخشى على محفظتك من السرقة. لا تبتسم فحسب، لأن ابتسامتك ليست دافئة.. إنها مزيفة».

أما المدون تسيكي مازواي، فقد كتب مقالاً أثار الجدل العام الماضي، قائلاً «أعزائي البيض، هناك سلوكيات تثير غضب الأفارقة. وكل هذه المسائل تدور حول اعتزازكم (المفرط) بأنفسكم»، مضيفاً «ما الذي يجعلكم أنتم البيض تعتقدون أن أفكاركم ووجودكم أفضل من الأعراق الأخرى؟».

في المقابل، تقول كاتبة العمود فيراشني بيلاي، إنها تعبت من الحديث عن هذه المسألة، مضيفة «أتمنى أن يقوم كل شخص أبيض يعتقد أن مسألة العرق ليست مهمة وأننا جميعاً بشر، بجولة ــ كشخص أسود ــ في أحياء ذات غالبية بيضاء»، مستطردة «سترى المارة يتفادونك ويقطعون الطريق إلى الجانب الآخر، أو يديرون رؤوسهم حتى لا تقع أعينهم في عينيك». ووفقاً لبيلاي، فإن السود يعملون أكثر من أقرانهم البيض في أماكن مختلفة، وهم يتهمون دائماً بالكسل، وأن الحصول على الخدمة المناسبة في المطاعم الراقية ليس مضموناً لأصحاب البشرة السمراء.

فجوة كبيرة

قبل أشهر، كتبت مغنية شهيرة في جنوب إفريقيا تدعى سونيت بريدجز، على صفحتها على موقع «فيس بوك»، تقول إن الطريقة الوحيدة لجعل «عامل بناء أسود يعمل هي جلده بالسوط». وعلقت لاحقاً بقولها «إن ما قلته كان للدعابة»، وأنها لم تكن تعلم حتى معنى أن يكون الإنسان عنصرياً. ومن بين الحوادث العنصرية الأكثر رعباً في الآونة الأخيرة، قيام مجموعة من الطلاب البيض بالاعتداء الجسدي والجنسي على زميل أسود في مدينة «جان كيمدورب»، وفقاً لتقارير تناقلتها صحف محلية. وقد أكدت شرطة المدينة وقوع حادث الاعتداء، وذلك بعد تعرض الطالب الأسود نفسه للتحرش من قبل زعيم عصابة، على خلفية مواعدة الأول لفتاة بيضاء.

يقول ناشطون سود إن الاعتداءات والسلوكيات ذات الطابع العنصري تزايدت في السنوات الأخيرة بشكل لافت، بما في ذلك عدم الرغبة في السماح للسود بالدخول إلى مطاعم النخبة، أو النظرات الغريبة التي تحصل في مراكز التسوق، أو الأماكن العامة. لقد تغير المشهد السياسي منذ 21 عاماً، عقب إلغاء نظام التمييز العنصري رسمياً، إلا أن البيض مازالوا يسيطرون على غالبية الموارد الاقتصادية؛ في حين فاق دخل الرجل الأبيض نظيره الأسود أكثر من سبعة أضعاف في 2008، وفقاً لمعهد العلاقات بين الأعراق في جنوب إفريقيا.
واليوم، وبعد وفاة أول رئيس أسود، يرفض العديد من الشباب السود في البلاد ما يسميه البعض «فقاعة مانديلا»، ويعتقدون أنه يتعين على البيض التخلي عن مزاياهم الاقتصادية، ليكون بذلك «تكفيراً» عما اقترفوه في حق السود في الماضي. في المقابل، لا يرى الكثير من البيض المرفهين والمحظوظين في الغالب، ضرورة لطرح نقاش حول مسألة العرق، وبالنسبة لهم فإنه يتعين على السود التوقف عن الحديث عن حقبة التمييز العنصري البشعة.

خطوط الفصل

يعتقد كثير من الأفارقة السود أن التمييز العنصري لايزال قائماً في جنوب إفريقيا. ويرى الطالب في جامعة «ستيلنبوش»، زوليكايل دوما، أن نظام الأبرثايد لايزال حاضراً، «خطوط الفصل كانت دائماً حاضرة وهي عميقة في مجتمعنا، والجميع التزم الصمت إزاءها»، مضيفاً «اليوم وصلنا إلى نقطة باتت الظاهرة بادية للعيان، والأمر يتعلق بالمزايا التي يحظى بها البيض».
ويرى نشطاء أن ثمن استيعاب الأقلية البيضاء في الدولة الجديدة ــ ما بعد التمييز ــ جاء على حساب العنصر الأسود الذي يشكل الغالبية. كما أن سياسيين في البرلمان يرون أن عدداً كبيراً من البيض راضون عن هذه الحال، لأن ذلك يصب في مصلحتهم. ويأتي ذلك في الوقت الذي تصاعدت أصوات تدعو إلى ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الثروات، والمساواة في فرص العمل، وتغيير النظرة السلبية والدونية إلى أصحاب البشرة السمراء.

وبعد السنوات الطويلة التي تلت إعلان انتهاء العنصرية في جنوب إفريقيا، لاتزال المشكلات الاجتماعية والاقتصادية واضحة، وتاركة أثرها في شرائح كبيرة من المواطنين السود. ووفقاً لتقارير منظمة الأمم المتحدة، فإن المركز الثالث بين أكثر الدول عنصرية في العالم هو من نصيب جنوب إفريقيا. وأشار مراقبون قبل سنوات إلى أن الأفارقة سئموا من انتظار «الحياة الأفضل» التي وعدهم بها حزب المؤتمر الوطني، مع تصاعد حالة التململ والانزعاج التي انتهت بانتشار الإضرابات في البلاد، والتي تطور الوضع في أحدها إلى مواجهة مسلحة بين الشرطة والعمال المضربين، قتل فيها 34 عاملاً في أحد المناجم.

من جهة أخرى، تزداد الفجوة بين الفقراء والأغنياء اتساعاً، ما أنتج واحدة من أكبر حالات عدم المساواة في العالم، إذ تشير أرقام البنك الدولي إلى أن البيض في جنوب إفريقيا لايزالون يسيطرون على مفاصل الاقتصاد، ومواردهم أكبر ست مرات من موارد نظرائهم السود.

الاحتقان مستمر

يقول المدير التنفيذي لمعهد العلاقات بين الأعراق في جنوب إفريقيا، فرانس كروني، إن الكثير من الناس في هذا البلد اعتقدوا أن التوتر العرقي سيهدأ بعد مرور عقدين من انتخاب مانديلا رئيساً»، وعوضاً عن ذلك، أصبحت جنوب إفريقيا أكثر انقساماً ــ يوضح الخبير ــ مع فشل العجلة الاقتصادية في تقديم النمو والوظائف المطلوبة لجلب مساواة مالية أكبر، مضيفاً «في مجتمع يشهد استقطاباً على نحو متزايد، هل يمكن أن نتوقع المزيد من هذه الأشياء الإيجابية؟»، وذلك في إشارة إلى الحوادث العنصرية.

ويتوقع كروني أن يستمر الاحتقان الاجتماعي والتوتر بي الأعراق. ويستدرك الخبير قائلاً «بدأنا في صنع السلام مع حقيقة أن عدم المساواة التي ورثناها من عهد الفصل العنصري ستكون معنا فترة أطول كثيراً مما كنا نتخيل».

رابط مختصر