«داعش» كمقلد ووريث للحاكمين بالشعار الإسلامي …طلال سلمان

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 30 يونيو 2015 - 10:57 صباحًا
«داعش» كمقلد ووريث للحاكمين بالشعار الإسلامي …طلال سلمان

منذ زمن بعيد والشعار الإسلامي يُعتمد كمصدر لشرعية بعض أنظمة الحكم، بديلاً من الديموقراطية ولاغياً لركائزها البديهية كمثل حكم الشعب بالشعب، وقيداً غليظاً على الحريات السياسية، وحتى الحرية الشخصية، التي قد تعتبر ارتداداً عن الدين الحنيف وخروجاً على إرادة ولي الأمر.
ولأن الإسلام بحر بلا ضفاف وله قداسته ـ كدين سماوي ـ عند العامة فقد استخدمته الأنظمة الملكية أساساً، وبعض الأنظمة «الجمهورية»، لتحصين هيمنتها على السلطة بالمقدس من الآيات البينات والادعاء باعتماد الشريعة قاعدة للحكم، في وجه المطالب الطبيعية للشعوب وفهمها بأن السلطة شأن أرضي هي مصدر شرعيته، خصوصاً وأنها ـ بغالبيتها الساحقة ـ من أهل الإيمان، وليست بحاجة لمن يصادر حياتها بذريعة أنه سيعلمها دينها أو سيحفظه من موقع «الخليفة» أو «السلطان» أو «ولي الأمر»… خصوصاً إذا كان هذا التعليم سيتخذ من «وأطيعوا أولي الأمر منكم» مبرراً لاحتكار السلطة، وبالتالي السياسة، وإبعاد الناس عنها بذريعة أنها «جلابة مفاسد»، أخطرها التسبب في الفرقة والانشقاق والخروج على الدين.
بل إن «النسب الشريف» لوحده قد استخدم مراراً لتمرير مشاريع استعمارية (كاختراع إمارة شرقي الأردن التي صارت مع الهزيمة أمام المشروع الإسرائيلي وضياع فلسطين، مملكة..)، أو تنصيب فيصل الأول ملكاً على سوريا، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم نقله بغلبة الحاجة البريطانية على الغباء الفرنسي، ملكاً على العراق. ويمكن إدراج إعادة السنوسي إلى عرش ليبيا، مع نهاية الحرب العالمية الثانية وتنصيبه ـ بقوة النسب ـ على مملكة من ثلاث ولايات تنداح فوق مليون كيلومتر مربع بالمليون من سكانها آنذاك، وبعد انتهاء حقبة الاستعمار الاستيطاني الإيطالي، وتقاسم هذه الأرض المنسية بين ثلاثة مستعمرين: بريطانيا في الشرق والغرب وفرنسا في الجنوب والولايات المتحدة الأميركية في القلب منها، طرابلس الغرب..
(يمكن في هذا السياق استذكار صدام حسين وإقدامه على نقش كلمتي «الله أكبر» فوق العلم العراقي نفاقاً وزلفى واستدراجاً للمؤمنين، بديلاً من شعاره البعثي الأصيل: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ـ وحدة، حرية ـ اشتراكية).
وهكذا فإن ما تفعله العصابات الإسلامية علناً الآن، ممثلة بـ «دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش»، لا يختلف كثيراً عما مارسه وما زال يمارسه العديد من الأنظمة التي تحكم بالشعار الإسلامي، وإنما من دون إعلان، أو أنها جرّبته لفترة ثم هجرته لأنها غير قادرة على المزايدة به.
لقد تقدمت العصابات بطلب السلطة مستخدمة من الدين الإسلامي تلك الغلالة الرقيقة من النص المقدس التي تموّه القهر وتخفي الشبق إلى الحكم بفيض من الآيات المحكمات أو بمختارات من الحديث الشريف، في ظل السيف، بل المدفع والصواريخ وسكاكين ذبح المستضعفين والغرباء..
ألا يحكم آل سعود المملكة المذهبة منذ ثمانين عاماً أو يزيد بشعار «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وادعاء الحرص على الرسالة المقدسة من خلال استعادة لقب «حامي الحرمين الشريفين» والتطوع لغسل الكعبة المشرفة مع بداية رمضان من كل عام؟
أم لم يستخدم السادات النص المقدس والحديث الشريف ومشايخ الفصاحة في تأويل النص بما يخدم السلطة حتى… في وقف الحرب (1973) ضد العدو الإسرائيلي وخيانة شريكه فيها (سوريا)، ثم في تبريره زيارته الكنيست ولقائه قادة الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم في عقد معاهدة كامب ديفيد وإخراج مصر من دورها لتصير دولة هامشية تحكم قرارها إسرائيل معززة بالهيمنة الأميركية..
إن مقاتلي «داعش» «إخوة أشقاء» لمفجري أبراج نيويورك… ومن باب أولى أن يفجروا مساجد المختلفين عنهم مذهبياً في السعودية مرتين وثالثة في الكويت، هذا قبل الحديث عن مفجري المنتجعات السياحية في تونس وقتلة عمال التراحيل المصريين (من الأقباط تحديداً) في ليبيا، وزارعي السيارات المفخخة في الضاحية الجنوبية من بيروت، والموفدين للقتل في بعض الفنادق السياحية في العاصمة اللبنانية، ومنفذي أحكام الإعدام أمام الكاميرات في مئات الشبان في العراق وسوريا إلخ..
إنهم أبناء شرعيون للتعصب المغلق حتى العمى وهم يقصدون عبر خنادق الدم الوصول إلى السلطة بأي ثمن (تدمير الدول، زرع الفتنة بين المسلمين، محاولة استئصال الأقليات الدينية والقومية)… مثلهم مثل جهيمان العتيبي ورفاقه من «السلفيين الأصوليين» الذين احتلوا الكعبة في البيت الحرام، واضطر النظام (الأصولي بدوره) إلى الاستعانة بالقوات الخاصة الفرنسية للقضاء عليهم، بينما الأسرة المالكة تعيش الهلع من ارتداد سلفيتها واتجارها بالتعصب والانغلاق وكراهية المسلم الآخر، عليها…
ولعل أكثر ما نجح «داعش» و «النصرة» ومن قبلهما القائد المؤسس لـ «القاعدة» أسامة بن لادن، اكتشافهم أن حكام أغنى دولة في العالم (أقله الإسلامي) يحكمون بالشعار الإسلامي، وأنهم بهذا الشعار قد أغلقوا أبواب الاعتراض والمعارضة وإلا فالسيف، حتى لو تحصن في الكعبة المشرفة.
إنها «الجاهلية» تحكم بالسيف مطعماً بالشعار الإسلامي وتقاتل العروبة «متحالفة» مع كل أعدائها من إسرائيل إلى أردوغان إلى التخلف، وتشوّه الإسلام حتى تكاد تخرج منه أهله، أما الشعب فرعيّة تُؤمر فتطيع ولا مجال للسؤال.
.. ولن يعود الناس إلى الجاهلية بحد السيف حتى لو ملأ الهتاف بالشعار الديني آفاق الكون.

جريدة السفير

رابط مختصر