«إسلام السوق» بديلاً عن «الإسلام الجهادي»؟ … ريتا فرج

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 30 يونيو 2015 - 10:59 صباحًا
«إسلام السوق» بديلاً عن «الإسلام الجهادي»؟ … ريتا فرج

يتعرض الإسلام المعاصر إلى أكبر عملية استنزاف في تاريخه. يجري الصراع على هويته وعلى رأسماله الرمزي من قبل الحركات الدينية الراديكالية ورجال الدين والمؤسسات الإسلامية التقليدية، صراع يعكس إلى حد كبير أزمة المجتمع والدين الداخل في صدام عنفي متكرر مع الحداثة. ثمة صعوبة في تحديد المسار الذي يسير عليه الإسلام، لا سيما في العالم العربي، فأصبح من البديهيات الحديث عن إسلامات في إسلام واحد، تحاول احتكار تمثيله وتسعى إلى إعادة تشكيله ضمن واقع تاريخي يمر بتحولات خطرة، آلت إلى قضم تدريجي للتدين الشعبي المسالم والمتصالح مع المكوِّنات الدينية الأخرى، إزاء إسلام متفجر يستند إلى عدة فقهية تكفيرية تلغي كل ما سواها باسم المقدس.
يمكن الإشارة إلى تمثلات الإسلام المعاصر وتمظهراته الراهنة على النحو الآتي: الإسلام الشعبي، الإسلام الرسمي، الإسلام الصوفي، الإسلام الجهادي/ التكفيري، الإسلام السياسي، إسلام المذاهب، إسلام الخاصة، الإسلام السلفي، الإسلام التقليدي، الإسلام الحداثي وأخيراً إسلام السوق.
يطرح كثيرون فكرة المواءمة بين الإسلام والحداثة في موازاة «الإسلام الماضوي» بهدف الخروج من المأزق التاريخي، فهل الدين الإسلامي قادر على هضم المفاهيم الحداثوية؟ تفرض الحداثة مجموعة شروط، من ضمنها قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان الكونية، ومرجعية القوانين الوضعية، والمساواة الكاملة بين الجنسين ومن بينها الإرث، والحق في تغيير الدين، ومساءلة السلطات السياسية وعودة الإسلام إلى المساجد عبر التأسيس للإيمان الفردي، أي الفصل بين الدين والدولة والخروج من مفهوم الجماعة إلى مفهوم الفرد. كل هذه العناصر وغيرها تؤسس إلى تراجع الشريعة الإسلامية، أي حلول القانون مكان الفتوى، والدنيوي مكان الديني، بمعنى أدق زوال البُعد القهري للدين.
في مقالة تحت عنوان «لا مصالحة بين الإسلام والحداثة» (ملحق صحيفة النهار 21 آذار 2015) قدم علي حرب مطالعة علمية جريئة كشفت عن المسكوت عنه. وقد أثارت الأفكار التي عالجها ردود أفعال أكدت إلى حد كبير طغيان الذهنية الأصولية على ممثلي الإسلام الرسمي، الذي يستمد مقومات وجوده من أصولية النصوص وأصولية المجتمع، ومن عبادة الأسلاف التي لا تنحصر في الإطار الديني بل تتخطاه إلى ما هو ثقافي واجتماعي وسياسي.
يرى البعض أن مواجهة خطر التطرف الداعشي تقتضي استحضار الطرق الصوفية. تلجأ الأنظمة السياسية ـ غالباً – إلى توظيف الإسلام الصوفي بغية التصدي للإسلام السياسي /الإخواني والإسلام القاعدي/ الداعشي. يتميز الإسلام الصوفي بالمهادنة وعدم التصادم مع الدولة والتعايش مع الأديان الأخرى. اتخذ الصوفيون إبان حركات الاحتجاج، خصوصاً في التجربة المصرية، مواقف متقدمة لا سيما من الأقباط. تصادموا مع السلفيين ودخلوا في سجال عقدي معهم. يمكن القول إنهما على طرفي نقيض في الرؤية للدين والعقيدة والآخر.
ينهض «إسلام السوق» الذي نظَّر له الباحث الأميركي من أصل إيراني وليّ نصر في كتابه: «صعود قوة الثروة؛ نهضة الطبقة الوسطى الجديدة في العالم الإسلامي وانعكاساتها على عالمنا» على التطور الاقتصادي الذي تقوده الطبقة الوسطى، والذي من شأنه أن يمهد لإضعاف التطرف الديني ويشجع على التماثل بين الإسلام والرأسمالية. هذا الرهان وجد له أصداءً لدى بعض الكتّاب الغربيين، من بينهم الباحث السويسري باتريك هايني الذي أشار إلى ركيزتين أساسيتين يقوم عليهما إسلام السوق: الأولى، الانفصال التام ونزع القداسة عن الالتزام التنظيمي تجاه الحركات الإسلامية القائمة، والثانية النزعة الفردانية المعولمة، التي تركز على النجاح الفردي. من سمات هذه الظاهرة، التأثر الشديد بالقيم الرأسمالية والاستهلاكية الغربية، من طريق تبني الأنموذج الفردي، واعتماد النجاح الشخصي في الحياة وتكوين الثروة الوسيلة الرئيسة لتحقيق السعادة، وهي السمات التي يعتبرها هايني مشابهة إلى حد كبير لظاهرة الوعظ البروتستانتي. (إسلام السوق والدعاة الجدد، أسامة الرشيدي، العربي الجديد، 15 حزيران 2015).
يُعد السوق المؤسسة الدنيوية الوحيدة في الشرق الأوسط، كما خلص الباحث الأميركي دالتون بوتر (Dalton Potter). اعتبر أوجين ويرث (Eugen Wirth) الألماني المختص في الجغرافيا الثقافية في الشرق «أن السوق إبداع الحقبة الإسلامية الفريد». فالبازار يعمل مركزاً تجارياً بمقتضى مبادئ اقتصادية عقلانية، ومؤسسته هي الأضعف علاقة، بين مؤسسات مدن الشرق الأوسط، بدين الإسلام. إن السوق حيز عام مركزي في المدينة، يرجع إلى وظيفته كمكان لقاء بين الجماعات المختلفة. فهو ليس مكاناً فحسب، بل هو أيضاً نظام من المعاملات التجارية والاجتماعية المعينة، ومكان لقاء محايد، وحيز تفاوض ودائرة علانية مشتركة». (فرانك، مرميه، مدن متنازعة: بيروت، صنعاء وعدن، المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، صنعاء، 2015).
إن اختلاف صور فهم الإسلام إنما هو نتاج الأزمات التاريخية وتعدد التأويلات والتوظيفات الدينية والسياسية والضغط الحضاري. وإذا كان بالإمكان الحديث عن إسلامات متفرقة ومتناقضة ومتباعدة، وإن توافقت بعض أطرافها، فإنه يمكن الإقرار بأن التكفيريين الجدد الذين يهدمون الحضارات والقيم والمشتركات، يسطرون اليوم مصائر الإسلام العربي بعنف الدماء والنصوص.
بعد خسارة إسلام التدين الشعبي وعودة الإسلام الصوفي إلى زواياه، وعدم قدرة الإسلام التقليدي على إجراء إصلاحات جادة، هل يساعد إسلام السوق على الجمع بين التناقضات على أسس المصالح الاقتصادية، ما يؤدي إلى تأطير إسلام المجتمع المدني انطلاقاً من برجـــوازيات البلدان الإسلامية، وإسلام الطبقات الوسطى والتجارية، كما يقترح المفكر اليساري صادق جلال العظم؟

جريدة السفير

رابط مختصر