«ميدل إيست بريفينج»: هل ما زال في الإمكان تفادي تقسيم العراق وسوريا؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2015 - 4:53 مساءً
«ميدل إيست بريفينج»: هل ما زال في الإمكان تفادي تقسيم العراق وسوريا؟

هناك نقاش مستمر داخل أروقة الإدارة الأمريكية حول ما إذا كانت العراق وسوريا تتجهان بالفعل إلى تقسيم كلي دائم لا مقر منه. بعض المسؤولين يتشبثون باحتمالات الحفاظ على وحدة العراق، بينما يقيمون الوضع في سوريا على أنه «غير محدد». ومع ذلك، فإن الحقائق على أرض الواقع يبدو أنها تسير في الاتجاه الذي لا يدعم هذا الرأي.

الحقائق الجديدة، وربما الحدود الجديدة تقبع الآن في طور الإنشاء. لا أحد يستطبع بناء توقعات متماسكة عند هذه النقطة حيث إن الأمور (الحقائق) تتغير بسرعة. ومع ذلك فإنه من الممكن رصد عملية التخمر الحادثة والتركيز على قواها الفاعلة وطريقة الفعل ورد الفعل لكل منها عبر مختلف مراحل العملية. لن يكون بالإمكان إتمام صفقة إقليمية كبرى. هذه هي الحقيقة التي صارت أكثر وضوحا اليوم. حيث إن القوى المتصارعة تجاوزت كل نقاط التوافق وصارت إمكانية إتمام صفقة إقليمية أمرا غير محتمل.

عندما يكون هناك مسافة بين القدرة الداخلية لمجتمع معين في التوصل إلى عقد اجتماعي مقبول يرمي إلى الحفاظ على وحدته، فيمكن ساعتها لأي من اللاعبين الخارجيين التدخل لملء هذه الفجوة. في حالتنا هذه، فإن القوى الخارجية تدفع في اتجاه اتساع هذه الفجوة بدلا من سدها أو تضييقها. وحتى الآن، ما تزال هناك دلائل أن الأطراف المعنية قد بدأت تدرك أن الوضع في سوريا ينبغي أن يبحث له عن نهاية سياسية. هناك جهود تبذل الآن في الصمت بهدف الوصول إلى نهاية معقولة للوضع المتأزم القائم في سوريا.

ولكن القاعدة العامة ما زالت لم تتغير. فالمجتمعات المتحاربة في كل من العراق وسوريا ما تزال على حالها. والعوامل التي قد تساعد على نزع فتيل التوتر في المجتمعين تصبح أضعف بمرور الوقت. لذا فإن السيناريو الأكثر احتمالا، إذا فشلت الجهود للتوصل إلى نهاية لهذه اللعبة، هو استمرار التفتيت المتواصل لفترة طويلة قادمة، وتزايد عمق الشقوق الاجتماعية في البلدين وتوسيع الثقافات المتوازية التي يتم تشكيلها الآن.

سوريا تتجه نحو التقسيم
إلى الآن هناك شيء غريب في هذه العملية وهي أنها لا تخلو دوما من المفاجآت، وقد كان «جون كيرى» في لقاء مع الرئيس السوري «بشار الأسد» في دمشق منذ ما يقرب من خمس سنوات بالضبط. لم يكن أحد يفكر وقتها في إمكانية تقسيم سوريا ولم يكن تنظيم الدولة الإسلامية قد وجد بعد. ويبدو أن الوقت يعمل بشكل أسرع في الشرق الأوسط. جميع الفواتير المتأخرة والمختفية خلف السطح في لحظة واحدة وطرقت أبواب المنطقة التي يبدو أنها قد نسيتها لفترة طويلة.

ولكن حقا هل لا مفر من أن تنتهي هذه العملية بتقسيم سوريا والعراق؟

في سوريا، تقوم القوات الكردية في الشمال بتوجيه مسار الأحداث نحو إقامة دولة كردستان المستقلة، في حين تقف تركيا حائرة لا تعرف ما ينبغي القيام به أكثر مما تم بالفعل. ومنذ أربع سنوات، أعربت تركيا عن أملها مرة واحدة بحدوث تغييرات واعدة جدا على الجانب الآخر من الحدود، ولكن في الواقع فإن أسوأ كوابيسها قد بدأ في الظهور هناك ببطء. وبما أن أنقرة لا يمكنها أن تدير عقارب الساعة إلى الوراء، فقد يدفعها التسرع نحو اتخاذ خطوات ضارة.

ومع ذلك، فالقوات الكردية تواجه مشاكل بطرق أخرى أيضا، فهم لن يستطيعوا تطوير حملتهم دون تحالفات قوية مع بعض القوى العربية السنية. إنهم بحاجة إلى أن يروا نهجا مختلفا لتركيا في شمال سوريا، رغم أنهم ما يزالون يحملون منظورا ضيقا لدورهم المحتمل على أساس تفسير محدود عن هدفهم وكيفية تحقيق ذلك الهدف.

يحتاج الأكراد إلى بناء جسور علاقات قوية مع العرب السنة في الشمال من أجل عزل خصومهم من «الدولة الإسلامية» و«نظام الأسد». يجب أن تتجنب القوى الكردية أي أعمال انتقامية ضد السكان الأصليين، وسوف يكون من غير الحكمة رفض دخول المفتشين الدوليين إلى تل أبيض التي تقع تحت سيطرتها. إذا كانت هناك جرائم تم ارتكابها فينبغي الكشف عنها بشفافية ويجب محاسبة مرتكبيها. لابد من وضع معايير مختلفة في هذه الحرب ليس فقط أخلاقيا ولكن سياسيا أيضا، وسوف تلعب مثل هذه الممارسات دورا في تعزيز التعايش المستقبلي في شمال سوريا.

وينبغي تجنب الاندفاع نحو مدينة الرقة دون تشكيل تحالف أوسع مع القوى العربية السنية المعتدلة. هذه القوات من الصعب أن تتواجد الآن في الشمال. وإلى الآن، هناك دلائل على أنهم يتشكلون ببطء بين الشقوق التي يحتكرها الأصوليون في تلك المنطقة، ويجب على الأكراد المساعدة في توفير الظروف المواتية لنمو هؤلاء المعتدلين عندما يكون ذلك ممكنا. بعض وحدات الجيش السوري الحر يقاتلون بالفعل مع الأكراد. القوات الكردية ما تزال بحاجة الأسلحة والذخيرة. المزيد من الطرق الإبداعية لتزويدهم بالمعدات اللازمة لهم ينبغي استكشافها.

على الجانب الآخر من الوضع في شمال سوريا، التطورات في المستقبل القريب قد تعيد تشكيل الديناميات بشكل شامل. أصبح من الواضح الآن أن «الدولة الإسلامية» تستعد لمعركة حلب. هناك تشكيلات من القوات المتحركة للدولة الإسلامية تتجمع وتتركز على الحدود بينها وبين المناطق التي تسيطر عليها المعارضة الإسلامية الأخرى، وسوف يكون استيلاء «الدولة الإسلامية» على المدينة القديمة نقطة تحول في هذه المنطقة إن لم يكن في سوريا بأكملها.

وما يزال الشمال السوري هو البقعة الأكثر سخونة وتعقيدا وصعوبة في مجريات الأحداث في سوريا والعراق. وعلى كل حال فإن الهزيمة شبه المؤكده لتنظيم «الدولة الإسلامية» في المستقبل قد لا تحدث تغييرا جذريا في الوقائع الصلبة التي ظهرت على أرض الواقع. «الدولة الإسلامية» لا ينبغي تخفيضها إلى مجرد ظاهرة عسكرية، ولكنها ظاهرة سياسية وثقافية وجيوبوليتيكية على حد سواء أيضا. وعلى كل حال فمصطلح هزيمتها ينبغي ألا يكون ذو دلالة عسكرية فقط.

على صعيد آخر، فإن محاولات التوحيد بين فصائل الإسلاميين في شمال وجنوب سوريا قد بدأت تشهد تقدما ملحوظا منذ بداية عام 2015. وما زالت هذه المرحلة الجديدة من التطور في صفوف المعارضة تحمل مشاكلها الخاصة. على سبيل المثال، وجود تشكيل مثل جبهة النصرة، والتي لا يمكن شطبها من المعادلة في الوقت الراهن، يهدد بتحولها إلى مشكلة إقليمية حقيقية ربما أكبر من «نظام الأسد» نفسه في المستقبل.

تجهيز فرع مقاتل قوي في جنوب سوريا هو أحد التعقيدات الكبرى في هذا المجال، وذلك بهدف صناعة نقطة ارتكاز في تلك المنطقة التي اعتاد الجيش السوري الحر لعب دور محوري فيها. من الواضح أنه ينبغي توفير كم كبير من المعدات العسكرية لقوات الجيش السوري الحر في جنوب سوريا لتعزيز تماسك هذه القوة المعتدلة نسبيا، وتمكينها من الحفاظ على دورها الرائد والذي سوف تكون هناك حاجة ماسة له في المستقبل.

الصورة العامة في سوريا تشير إلى أن البلاد منقسمة بالفعل بين القوى المختلفة التي تكافح للسيطرة على المناطق الاستراتيجية إلى أقصى حد ممكن. وفي حين لا ينبغي أن يسمح للجنوب بالانزلاق إلى حالة مماثلة كالتي تتواجد في الشمال، فإن السيناريو الأكثر احتمالا هو تجميع القطع والمجموعات الصغيرة في مجموعات أكبر. ففي غياب اتفاق سياسي شامل موقع عليه من قبل جميع الأطراف ذات الصلة، فإن هذه القوى المتناثرة في الشمال والجنوب سوف تواصل التشبث بأماكن سيطرتها، بغض النظر عن أي قرار يتخذه «الأسد». انضمت موسكو مؤخرا إلى مداولات مكثفة متعددة الأطراف تدور خلف الكواليس في محاولة لإيجاد حل نهائي للأزمة السورية. هذا الجهد الجديد من الأهمية بمكان أن يتسع ليشمل جميع الأطراف المعنية بدون استثناءات، ومع ذلك فإن نتائجه ما زالت غير مؤكدة إلى حد بعيد.

وفي غياب التوصل إلى حل سياسي سريع، فإن «الأسد» يتحول في واقع الأمر إلى قائد ميليشيا سينتهي به المطاف في نهاية الأمر إلى السيطرة على جزء من سوريا، بينما تتناثر في بقية أنحاء البلاد مجموعة من القوى الأخرى تستمر في قتال بعضها البعض، ومع القوات الموالية للأسد في الغرب، سوف يكون من الصعب أن نرى سوريا موحدة مرة أخرى قبل وقت طويل في ظل هذه الظروف.

الوقت ينفذ في العراق وعمان تستعد لفعل شيء
وفي العراق، فإن سيطرة قوات الحشد الشعبي على المراكز الحضارية في وسط العراق ربما يكون التطور الأكثر تهديدا في الآونة الأخيرة. وهذه القوى لن تترك بسهولة في المستقبل ما استولت عليه الآن بالقوة. وتشير التوقعات أننا نسير إلى حرب أهلية طويلة الأمد بوتيرة أسرع من أي وقت سابق. وهو ما سوف يساعد حتما في تعزيز بقاء وتوسع «الدولة الإسلامية» في العراق. هزيمة القوات الموالية لإيران في سوريا سوف يؤدي بالتأكيد إلى شحذ إرادة طهران لإحكام سيطرتها على قلب العراق.

تبدو آفاق الحفاظ على وحدة العراق آخذة في التناقص بسرعة. ينبغي قدر المستطاع قراءة التصريحات الصادرة عن المسؤولين في البنتاغون، فمن الواضح أن واشنطن تحاول تغطية رهاناتها، ولاسيما في العراق. ومن المعلوم أنه في وسط وغرب العراق، هناك حاجة إلى البيشمركة السنية لهزيمة «الدولة الإسلامية». إذا ظلت بغداد تمانع في الأمر فإن عمان من شأنها أن تفعل ذلك.

يسعى الأردن عن كثب لتوفير المساعدة إلى القبائل العربية في سوريا والعراق. هذه القبائل تمتد عبر الصحراء بين الأردن وسوريا والعراق. ويعد المشروع تعبيرا عن فقدان الأمل في الحفاظ على وحدة سوريا والعراق. ينفي الأردن بشكل قاطع أي نوايا لتزويد القبائل بالأسلحة. وقال رئيس الوزراء الأردني مؤخرا أنه سيتم تقديم أي مساعدة أردنية إلى العشائر العراقية «فقط من خلال الحكومة في بغداد».

وحذر المدير العام السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «ديفيد باتريوس» من خطر الميليشيات الشيعية، ودعا إلى تسليح عشائر الأنبار. ردت الميليشيات بهجوم شديد حتى على المستوى الشخصي، وذكرت العراقيين بأن «باتريوس» لم يعد مسؤولا في الإدارة الأمريكية. ومع ذلك تركت أطروحات «باتريوس» مسألة تسليح القبائل دون إجابة. القوات الشيعية الموالية لإيران في بغداد لديها إجابة واحدة، يجب على العشائر السنية الانضمام إلى الميليشيات الشيعية المعادية للسنة (الحشد الشعبي) من أجل الحصول على السلاح.

ومع ذلك، فإن التصريحات التي نسبت إلى وزير الدفاع «آشتون كارتر» تبين أن إمكانية تجزئة العراق تبدو مقبولة في أذهان بعض المسؤولين في واشنطن. «ماذا لو لم يعد ممكنا الحفاظ على عراق موحد متعدد الطوائف؟ هذا هو جزء مهم من استراتيجيتنا الآن على أرض الواقع. إذا لم تستطع الحكومة القيام بما ينبغي أن تقوم به فينبغي أن نواصل تدعيم القوات البرية المحلية إذا كانوا على استعداد للدخول في شراكة معنا، للحفاظ على الاستقرار في العراق، ولكن لن يكون هناك دولة واحدة في العراق»، كما قال وزير الدفاع «آشتون كارتر» لأعضاء في الكونجرس.

لايبدو أن الحكومة في العراق ستكون قادرة على القيام بما يفترض أن تفعله. الضغوط السياسية والعسكرية للقوى متطرفة تمنع رئيس الوزراء «حيدر العبادي» من القيام بما يلزم للحفاظ على وحدة العراق.

باعتراف الجميع، لا يزال هناك وقت متاح قبل أن يصل العراق خط اللاعودة، ولكن الوقت يمر سريعا في منطقة الشرق الأوسط. أسرع من أي مكان آخر في العالم. ستبقى سوريا مجزأة لفترة طويلة قادمة، ولا يوجد أحد في العالم يريد ذلك، ولكن لأن الحقائق على أرض الواقع تقول ذلك. هل سيكون هذا سببا كافيا للأطراف المعنية لمحاولة الوصول إلى حل وسط معقول قبل فوات الأوان؟

المصدر | الخليج الجديد

رابط مختصر