لماذا يعد التحالف الكردي الأمريكي خطرا على تركيا؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2015 - 4:39 مساءً
لماذا يعد التحالف الكردي الأمريكي خطرا على تركيا؟

لا ينبغي النظر إلى التحالف العسكري الكردي الأمريكي الذي كشفه سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري (PYD) على منطقة تل أبيض شمال سوريا، على أنه تحالف مرحلي أو خطوة طبيعية في الحرب التي يشنها التحالف الدولي على «داعش»، فمنطقة تل أبيض منطقة سكانها من العرب والتركمان السنة، وليست كردية ولا يحق للأكراد احتلالها وإحلال قوات وميليشيات كردية أو مواطنين أكراد فيها بدل سكانها الأصليين، كما لا يحق لأمريكا أن تقتطعها كمستعمرة كردية برغبة أمريكية، على طريقة وعد بلفور الإنجليزي لليهود في فلسطين، فما فعلته أمريكا في تل أبيض هو أمر يثير الريبة والمخاوف من سياسة أمريكية منحازة إلى الأكراد على حساب باقي مكونات الشعب السوري، وبالأخص انها استخدمت قوتها العسكرية وقواتها الجوية لفرض هذا الواقع الديمغرافي الجديد، وفق خطة لا بد أن لها أبعادها ومخاطرها على سوريا والمنطقة أيضاً.

لقد قامت قوات وحدات الشعب الكردية العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع سلاح الجوي الأمريكي باحتلال مدينة تل أبيض وطرد أهلها منها، حتى أن الطائرات الأمريكية وكما قال شهود العيان من سكان تل أبيض الفارين منها، أن الطائرات الأمريكية كانت تلاحق وتقصفهم حتى يضطروا إلى الفرار إلى تركيا، وإلا فهي تواصل ملاحقتهم بالطائرات والإرهاب، مما أضطر السياسة التركية أن تكون صريحة وواضحة في رفض هذا التدخل الأمريكي مهما كانت أهدافه.

لقد حذرت السلطات التركية، الإدارة الأمريكية من عواقب الامتداد الكردي المتمثّل بتنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) في المناطق الشمالية لسوريا، وأنّ تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي حيال الممارسات الكردية التي تهدف إلى تطهير المناطق الشمالية من العرب والتركمان، جرى هذا التحذير خلال اللقاء الذي جرى بين مستشار الخارجية التركية «فريدون سينيرلي أوغلو» وممثّل الرئيس الأمريكي في الملف السوري الجنرال «جون آلين»، حيث أوضح «سينيرلي أوغلو» أن تركيا تمتلك الأدلة والبراهين الاستخباراتية التي تؤكّد وجود نية حقيقية لدى قيادات تنظيم (PYD) إقامة حكم ذاتي لهم في الشمال السوري، الأمر الذي يرفضه الجانب التركي بشكل قطعي، وإعلام تركيا لأمريكا هذا الموقف هو دليل على أن تركيا لا تقبل السياسة الأمريكية بهذا الخصوص، لأن فيه اعتداء على إرادة الشعب السوري، وتهديدا للأمن القومي التركي.

إن السياسية التركية التي عبر عنها مستشار الخارجية التركية «سينيرلي أوغلو» ترى «أنّ قيام عناصر هذا التنظيم بالتطهير العرقي في المناطق التي تسيطر عليها، وجلب الأكراد من بلدة كوباني وشمال العراق، من شأنه أن يؤجج الوضع السوري ويؤدّي إلى تقسيم الدّولة السورية»، أي أن السياسة التركية مدركة لمجريات الأمور وكيف تمت السيطرة على تل أبيض، والنتيجة هي الموقف التركي من إقامة كيان كردي شمال سوريا رغماً عن إرادة الشعب السوري الذي يقوم بثورة تاريخية مميزة وكبيرة، والشعب السوري هو صاحب الحق في السماح بإقامة كيان كردي شمال سوريا مشابه لإقليم كردستان العراق، وذلك لا يتم إلا بالتوافق السوري وعن طريق الإجماع في البرلمان السوري القادم، أما في ظروف الثورة فإن الشروط غير متوفرة لأي انقسام إلا بالقوة العسكرية غير الملزمة للشعب السوري، ولذلك فإن هذا التصرف المنفرد من الأكراد والأمريكان سيؤدي إلى مزيد من الحروب الأهلية بين السوريين.

هذا ما أكد عليه مستشار الخارجية التركية «سينيرلي أوغلو»، فقال خلال اللقاء مع الأمريكان: إن إقامة حكم ذاتي للأكراد في الشمال السوري سينجم عنه حرب بين عناصر تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات المعارضة السورية المعتدلة في المستقبل القريب، وأنّ إقامة مثل هذا الكيان في المناطق الشمالية سيصعّب من عملية عودة اللاجئين إلى أراضيهم حتّى بعد سقوط «نظام الأسد» والتخلّص من خطر تنظيم الدّولة (داعش)، أي أن هذه السياسة التركية تتكلم عن مشاكل كبيرة سوف تنشأ من إقامة كيان كردي شمال سوريا، يفصل شمالها عن وسطها وجنوبها أولاً، ويفصل بين تركيا وسوريا ثانياً، ويفصل بين تركيا والدول العربية التي تقع جنوب تركيا ثالثاً، وهذه الدول هي معظم الدول العربية مثل الأردن ولبنان والسعودية وكل دول الخليج العربي، أي ان مسألة إقامة كيان كردي شمال سوريا ليست بالأمر السهل، وله أهمية كبرى لدى السياسية التركية.

لقد أجرت القيادة التركية عدّة اجتماعات مغلقة لدراسة أخر التطورات الجارية على الساحة السورية، وذلك بقيادة الرئيس «رجب طيب أردوغان» وحضور عدد من القادة الأمنيّين والعسكريّين، بالإضافة إلى مشاركة رئيس الوزراء والمعنيّين بالقضية، ولا بد أنه من المخاطر التي تم بحثها هو أثر هذا الكيان على الوضع الداخلي في تركيا، فسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على الحدود السورية التركية يعني أن حزب العمال الكردستاني أصبح يملك جغرافيا واسعة على الحدود التركية على الأراضي السورية، فحزب الاتحاد الديمقراطي هو الامتداد الكردي لحزب العمال الكردستاني الإرهابي الذي يتزعمه «عبدالله أوجلان» سجين تركيا منذ عام 1999، وبالتالي فإن حزب العمال الكردستاني سيمتلك جبهة عسكرية واسعة المسافة التي يستطيع فيها تهريب الأسلحة إلى داخل تركيا، في وقت ارتفعت مشاعر الهوية السياسية الخاصة بالأكراد داخل تركيا بعد فوز حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا.

فإذا كانت الدولة التركية تعاني من المشاكل الكردية في داخل تركيا من ثلاث جبهات هي جبهة «عبدالله أوجلان» أولاً، وجبهة مقاتلي قنديل ثانياً، وجبهة حزب الشعوب الديموقراطي و«صلاح ديمرطاش» ثالثاً، فقد أضيف إليها اليوم جبهة رابعة هي جبهة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وبغض النظر إن كانت هذه الجبهات الكردية الأربعة متفقة أو مختلفة فيما بينها، إلا أنها تحديات كبرى ينبغي الحذر منها متفرقة ومجتمعة، وينبغي الحذر منها أن تكون أدوات إرهابية بأيدي أعداء تركيا الإقليميين والدوليين، مع الحذر الشديد أن يكون الرد على الأكراد بصفتهم القومية، سواء كانوا أتراكاً أو من غيرهم، لأن الصراع ينبغي أن يحصر مع قياداته هذه الأحزاب التي لا تمثل إلا نفسها بالدرجة الأولى، وإذا وجد لها من اتباع فهم أقلية عرقية قومية متشددة، أما الأغلبية الكردية فهي تنتمي إلى هويتها الحضارية والجغرافية وأمتها الإسلامية، ولا تؤمن بالمشاريع الغربية التي تسعى لاستغلال الظروف الإقليمية وبالأخص في سوريا لإضافة الوقود الكردي على النار الطائفية التي تشعلها الدولة الإيرانية في المنطقة.

إن تورط حزب الاتحاد الديمقراطي بهذا التحالف مع أمريكا لا يعني محبة أمريكية للأكراد، وإنما يعبر عن مكيدة أمريكية للأكراد، لأن هذا التحالف الأمريكي مع حزب الاتحاد الديمقراطي وغيره من الأكراد جاء بعد رفض العرب ورفض الأتراك ورفض الإيرانيين أن يكونوا وقود الحرب الأمريكية المشبوهة على تنظيم «الدولة الإسلامية»، بعد أن رفضت أمريكا أن يكون جنودها وقود هذه الحرب المجهولة الخطط والأهداف، فالقيادات الكردية وقعت ضحية دعوة أمريكية مضللة بعد عجزهم عن توريط غيرهم في هذه الحروب الخاسرة والمدمرة للمنطقة وأهلها، فكثيراً ما جاءت تصريحات وزراء الدفاع الأمريكيين ورؤساء الأركان بأن الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية» ينبغي أن تكون من قوات محلية، وأن دور أمريكا هو صب الزيت على النار فقط، فهل يدرك الأكراد أهداف التحالف مع أمريكا أنه نقمة عليهم وليس نعمة، وأنه يمكن أن يستغل في حروب أشمل من سوريا لأهداف استعمارية فقط.
المصدر | محمد زاهد جول – ترك برس

رابط مختصر