الرئيسية / صحف / «ستراتفور»: تركيا وإسرائيل .. المصالحة التي لا مفر منها

«ستراتفور»: تركيا وإسرائيل .. المصالحة التي لا مفر منها

ordoghan natenjahoتوقعات
ستواصل التطورات الإقليمية تقريب المصالح الإسرائيلية والتركية مع مرور الوقت، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى المصالحة الرسمية.
على المدى القصير؛ سوف يستمر التعاون بين إسرائيل وتركيا وراء الأبواب المغلقة.
ربما تقرر تركيا وإسرائيل العودة مجددا اتخاذ خطوات نحو إصلاح العلاقة بينهما، والتي سبق أن تضررت منذ حادثة أسطول مرمرة في مايو/أيار من عام 2010. في 22 يونيو/حزيران؛ ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن المدير العام الجديد لوزارة الخارجية الإسرائيلية، «دوري جولد»، التقى في روما مع «فريدون سينيرليوغلو» وكيل في وزارة الشؤون الخارجية التركية. وورد أنهما تناقشا حول مسألة إصلاح العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي سعت الحكومتان، الإسرائيلية والتركية، عدة مرات لتحقيقه على مدى السنوات الخمس الماضية. وتهتم إسرائيل بشكل خاص وعميق بتحسين علاقاتها مع تركيا، في حين أن الأداء الضعيف لحزب العدالة والتنمية الرئيس التركي برئاسة «رجب طيب أردوغان» خلال الانتخابات الأخيرة قد أزال بعض العقبات التي تحول دون التخلص من دفن الأحقاد لدى البلدين. ورغم أن إسرائيل وتركيا ما زال يتحتم عليهما التغلب على قدر كبير من القصور الذاتي لإحياء علاقتهما تماما، فإنهما يتبادلان الكثير من المصالح المشتركة ما يمنعهما من البقاء على خلاف على المدى الطويل.

المصالحة: تاريخ من المحاولات المتعثرة
بذلت منذ أمد محاولات كثيرة لاستعادة العلاقات الإسرائيلية التركية. وربما كان أبرزها خلال زيارة الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» لإسرائيل في مارس/أذار من عام 2013، عندما تزلّف إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ليقدم اعتذارا لـ«أردوغان»، الذي كان يشغل رئاسة الوزراء في تركيا في ذلك الوقت. وبحلول شهر مايو/أيار، كان مكتب« بنيامين نتنياهو» على درجة كبيرة من التفاؤل بما فيه الكفاية ليعلن أن الاتفاق مع أنقرة بات وشيكا. ومع ذلك؛ تمت الموافقة على مشروع الاتفاق الذي ظل حبيس أدراج مكتب «نتنياهو» لعدة أشهر، ولكن في نهاية المطاف بقي مستعصيا على التوقيع. وفي فبراير/شباط التالي، كانت هناك جولة جديدة من المحادثات أدت إلى اتفاق آخر خرج عن مساره مرة أخرى بسبب إصرار «نتنياهو» ومطالب «أردوغان» بأن توقع إسرائيل تعهدا خطيا برفع الحصار عن غزة، وهو الطلب الذي ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه لم يكن واردا في اتفاق المصالحة. وحاول «أوباما» الضغط على «أردوغان» لقبول الاقتراح، ولكن من دون جدوى.

وبناء عليه؛ فإنه ينبغي الآن النظر إلى غصن الزيتون الأخير بجرعة صحية من التشكك. ولكن عند وضع العوائق والانطلاقات فيما يخص عملية دبلوماسية معقدة والتي لا يمكن التنبؤ بها جانبا، فمن المهم معرفة من الذي نشر وأذاع عملية الإحياء الأخيرة في المحادثات؛ مصادر إسرائيلية نقلت ذلك في صحيفة إسرائيلية. وبقيت تركيا، من جهتها، صامتة في البداية بشأن هذه المسألة، غير مؤكدة أو نافية للتقرير، حتى جاء وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» وأكد تلك الشائعات بعدها بيومين. ولقد كان بنفس درجة الغرابة أن التقرير الأولي ادعى أن «دوري جولد» لم يبلغ الفريق الذي تم تكليفه من قبل «نتنياهو» لوضع مشروع اتفاق عام 2014 بشأن الاجتماع، وهي المعلومات التي عادة لا تدرج في أي تقرير خاص بلقاء دبلوماسي سري. وفي الوقت نفسه؛ أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية أن «جولد» ذهب إلى روما لكن من دون ذكر السبب الحقيقي وراء الأمر. وفي حين أنه لا يزال من غير الواضح من الذي بدأ الاجتماع في إيطاليا، فمن الواضح أن إسرائيل أرادت أن يعرف العالم بخصوص هذا الموضوع.

اثنان من التفسيرات المحتملة
هناك نوعان من التفسيرات المحتملة فيما يتعلق بحرص إسرائيل على تسليط الضوء على استئناف المحادثات. يركز الأول على السياسة الإسرائيلية الداخلية. موعد «نتنياهو» في 25 مايو/أيار مع «جولد» بصفته المدير العام القادم لوزارة الخارجية، وهو المنصب الذي ظل شاغرا منذ استقالة «أفيجدور ليبرمان» في 4 مايو / أيار، أشار إلى نية رئيس الوزراء تمكين وترسيخ السيطرة على الوزارة. ولقد كان استخفاف ليبرمان بفكرة المصالحة مع تركيا أحد أبرز النقاط الشائكة الرئيسية في الجانب الإسرائيلي والتي منعت المحادثات من المضي قدما. ولأن «نتنياهو» أيضا لم يثق بشكل خاص في ليبرمان، فقد عين العديد من مبعوثيه الخاصين للقيام بمهام دبلوماسية حساسة، بما في ذلك المصالحة مع تركيا، بينما كان ليبرمان في منصبه ويؤدي مهامه.

وبمجرد أن أصبح منصب ليبرمان شاغرا، تكهنت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن «نتنياهو» من شأنه أن يعطي هذا المنصب لزعيم الاتحاد الصهيوني «إسحاق هرتسوغ» من أجل إقناع حزبه بالانضمام إلى الائتلاف الحاكم. لكن قرار «نتنياهو» بتعيين «جولد»، ضاربا بكل تلك التكهنات عرض الحائط، أشار إلى أن رئيس الوزراء ينوي إدارة وزارة الخارجية نفسه. لقد كان «جولد» محل ثقة «نتنياهو» لفترة طويلة وأحد المقربين منه، ورحلته إلى روما والتسريبات اللاحقة المؤكدة على استبعاد مسؤولين إسرائيليين رئيسيين آخرين مشاركين في العلاقات الإسرائيلية التركية ربما تكون خطوة من «جولد» أو «نتنياهو» لاستعادة السيطرة على وزارة الخارجية على السياسة الخارجية الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعيين «نتنياهو» لــ«جولد»، المستشار الموثوق به والدبلوماسي البارع، بدلا من مبعوثين سابقين كمفاوض رئيسي في روما يمكن أن يشير إلى مدى جديته بشأن رأب الصدع بين إسرائيل وتركيا هذه المرة.

التفسير الثاني هو أن «نتنياهو» يرى في نتائج الانتخابات العامة الأخيرة في تركيا،والتي على الأقل عرقلت وأثرت على حظوظ «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية الحاكم، فرصة لإعادة فتح الحوار مع أنقرة. انتقد شركاء الائتلاف المحتمل مع حزب العدالة والتنمية علنا عداء «أردوغان» لإسرائيل. فمن الممكن إذن أن التسريبات تم تصميمها لاختبار المياه والإشارة إلى أن الإسرائيليين مستعدون للتصالح إذا قبل الأتراك الجلوس معهم على طاولة التفاوض. ويأمل «نتنياهو» أن تنجح المحادثات الحالية في بناء تحالفات مع تركيا. ويشير حضور «سينيرليوغلو» في اجتماع روما إلى أن الأتراك ما يزالون جادين بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة. (شغل سينيرليوغلو منصب سفير تركيا في إسرائيل 2002 – 2007، وهو شخصية تحظى باحترام كبير في الأوساط الدبلوماسية التركية والحزب الحاكم).

مع تلاقي المصالح، تكون التوقعات أفضل
وتهتم الحكومة الإسرائيلية، من جانبها،بعمق بمسألة تمهيد الأمور وتصفية الأجواء مع تركيا. إسرائيل هي دولة صغيرة تعتمد على علاقاتها مع القوى الإقليمية والعالمية لضمان بقائها. ولكن هناك أيضا عدد من المجالات المحددة للشراكة مع تركيا يمكن أن تكون مفيدة لإسرائيل. فعلى سبيل المثال؛ محاولات «الدولة الإسلامية» لإقامة الخلافة إلى جانب التمرد المستمر في سوريا خلقت حالة من الفوضى على كل من الحدود الإسرائيلية والتركية. واحتدمت حدة صراع أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل. وفي 11 يونيو/حزيران، قتلت الجماعة «المتشددة» السورية المعروفة باسم جبهة النصرة 20 قرويا من الدروز في محافظة إدلب، ما دفع المجتمع الإسرائيلي الدرزي البالغ قوامه 130 ألفا أن يضغط على الحكومة لمساعدة إخوانهم السوريين. لا إسرائيل ولا تركيا تريد أن ترى تسربا للصراع السوري لحدودهما، وبالتالي تحمل البلدان نفس الهدف المشترك المتمثل في الحفاظ على العنف في بؤرة الاحتواء.

ويوفر قطاع الطاقة فرصة جذابة أخرى للتعاون مع تركيا. وتأمل إسرائيل في أن تصبح دولة مصدرة للغاز الطبيعي، ولكن التكلفة الحادة لتطوير حقل ليفياثان العملاق في إسرائيل ستتطلب استثمارات أجنبية كبيرة لتمويل بناء البنية التحتية اللازمة للتصدير. ومن الناحية النظرية؛ فإن خط الأنابيب الذي يمر عبر تركيا يواجه العديد من العقبات، لكنه مع ذلك فكرة جذابة لإسرائيل. وعلى الصعيد الأمني؛ تحافظ تركيا على علاقات مع «حماس» والسلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت الذي تنظر فيه إسرائيل إلى علاقات تركيا مع «حماس» بعين الشك، فإن الحكومة الإسرائيلية تكسب شرعية مع القوى الإقليمية والعالمية الأخرى إذا أنشأت علاقات ودية مع أنقرة.

أحد أهم العوامل الدافعة لإسرائيل لتتجه نحو تركيا ليس له علاقة بأنقرة، وإنما بواشنطن، والتي تدفع بشكل مستمر كلا من إسرائيل وتركيا لإصلاح العلاقات. كانت علاقة «نتنياهو» الشخصية مع «أوباما» عدائية بشكل علني، ويمكن لإحياء العلاقات بين إسرائيل وتركيا أن تقلل، على الأقل إلى حد ما، التوتر بين إسرائيل وأبرز رعاتها الأكثر أهمية.

وبالنسبة لتركيا؛ فإن علاقتها مع إسرائيل أكثر تعقيدا. ففي عام 2010؛ عندما تفككت العلاقات الإسرائيلية التركية لأول مرة، لاحظ «ستراتفور» أن إسرائيل قلقة من جدول أعمال تركيا التوسعي في ذلك الوقت. ولكن في السنوات التي تلت حادثة الأسطول، وصعود الحركة الجهادية في سوريا، والتراجع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، والنكسات التي مُني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة بدأت المصالح التركية تتقارب بشكل أقوى مع نظيراتها الإسرائيلية. وأشارت مصادر «ستراتفور» أيضا إلى أن الجيش التركي يدفع للتطبيع على أمل أنه يمكن أن يتلقى التدريب العسكري والمساعدات من إسرائيل، وهو الترتيب الذي كان في وقت من الأوقات قويا. ومع مواجهة «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية الكثير من التحديات في الداخل، فإن تنشيط علاقات تركيا مع إسرائيل قد يكون حلا وسطا سهلا من شأنه أن يرضي جميع الأطراف والأحزاب السياسية والشخصيات في تركيا، والذين يعتقدون أن وجود علاقات قوية مع إسرائيل سيصب في مصلحة تركيا، لا سيما وأن إسرائيل على خلاف مع إيران، المنافس الطبيعي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط.

وعند هذه النقطة؛ هناك العديد من القضايا التي لا تزال تباعد بين إسرائيل وتركيا، وهي شخصية أكثر منها جيوسياسية. استقالة «ليبرمان» من وزارة الخارجية الإسرائيلية قد يساعد في عملية المصالحة، ولكن غرور «نتنياهو» يمكن أن يستمر كعائق في الطريق، كما حدث في محاولات سابقة عند السعي للتوصل إلى اتفاق. كذلك دأب أردوغان من جانبه على إطلاق التصريحات العامة والمثيرة حول إسرائيل على مدى السنوات القليلة الماضية، وكذلك رئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو». ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن تأثير «داود أوغلو» في تراجع، ما يفتح الباب أمام عملية التطبيع.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه سيكون من السابق لأوانه أن نفترض أن اجتماعا سريا واحد في روما يشير إلى أن إسرائيل وتركيا باتا على شفا حفرة من الاستعداد التام لتسوية خلافاتهم وإغلاق صفحات الماضي بسهولة. (وللتأكيد على هذه النقطة، فإن الأسطول الجديد يغادر قريبا من أثينا في محاولة لكسر الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة ، وهو الأمر الذي يذكر بشدة بأسطول الحرية الذي أخرج العلاقات الإسرائيلية – التركية عن مسارها في المقام الأول وأوصلهم لمرحلة من التوتر ما تزال آثارها قائمة حتى اللحظة). ورغم تضاؤل نفوذ «أردوغان» بشكل مؤقت، فإن أي حكومة تركية سيتم تشكيلها من المرجح أن تكون قصيرة الأجل. وفي حالة إجراء انتخابات جديدة، فمن الممكن لـ«أردوغان» استعادة بعضا من نفوذه السابق المفقود.

ومع ذلك؛ فإن عملية ترقيع العلاقة التركية الإسرائيلية لا تزال مستمرة. وعلى الرغم من أن هذه المرة تجلب التطورات الإقليمية مصالح البلدين أقرب معا، فإن الأمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى مصالحة رسمية. وفي الوقت الراهن؛ سيتواصل التعاون بين إسرائيل وتركيا، ولو من وراء الأبواب المغلقة.
المصدر | ستراتفور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*