أي لغز يجذب النساء الى “داعش”؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2015 - 12:24 مساءً
أي لغز يجذب النساء الى “داعش”؟

جورج عيسى ـ النهار اللبنانية ـ ” أريد أن أكون أوّل امرأة بريطانيّة تقتل إرهابيّاً أميركيّاً او إرهابيّاً بريطانيّاً”، هكذا غردت البريطانية خديجة داري، مبدية رغبتها في تنفيذ عملية إعدام على شاكلة عملية قطع رأس المصور الصحافي البريطاني جيمس فولي التي صعقت العالم وأثارت اشمئزازه في آن .

خديجة (22 سنة) المولودة غير مسلمة في مدينة لويسهام جنوب شرقي لندن بحسب صحيفة “الانديبندنت” كانت لا تهتم في حياتها سوى بارتداء الجينز وانتعال الحذاء ذي الكعب العالي والخروج مع أصدقائها في شوارع لندن. درست الإعلام وعلم النفس في إحدى جامعات لندن، قبل أن تتشبع بالأفكار الراديكالية على الإنترنت، وتعتنق الإسلام فجأة في سن 18. وبعدما تزوجت اسوجيا مسلما انتقلت معه عام 2012 الى سوريا للانضمام الى تنظيم “الدولة الاسلامية”.

ليست خديجة البريطانية الوحيدة التي انضمت الى صفوف “داعش” في سوريا والعراق. وكما غردت “مهاجرة الشام” (كما تسمي نفسها على “تويتر”) للتعبير عن حماستها لهذا التنظيم الاصولي المتشدد، هناك أخريات كثيرات، بريطانيات وغير بريطانيات صوّرن أنفسهنّ حاملات أسلحة حربيّة، فيما قامت إحداهنّ برفع رأس رجل مقطوع.
هذه الظاهرة شغلت ولا تزال الرأي العام العربي والغربي.تساؤلات كثيرة أثيرت خصوصاً عن الاسباب التي تدفع امرأة أو مراهقة الى ترك عالم الازدهار والمساواة ، للمغادرة في اتجاه شقاء الصحراء وأهوال الحروب وتسلّط رجال برابرة.
مطلع هذه السنة، نشر معهد الحوار الاستراتيجي البريطاني دراسة قدّرت عدد المقاتلين الغربيّين في تنظيم الدولة الاسلاميّة، بحوالى ثلاثة آلاف مقاتل بينهم 550 من النساء. وقد أعلن رئيس وكالة الاستخبارات الداخلية الالمانيّة هانز جورج ماسن الأسبوع المنصرم، عن بلوغ عدد الألمانيّات المقاتلات في التنظيم عتبةَ المئة من أصل 700 ألماني التحقوا به.

وإذا عطفنا التقريرين بصورة سريعة، وجدنا أنّ النساء يمثلن سُدس المقاتلين الغربيّين في التنظيم، هذا كمعدّل وسطيّ وكرقم تقريبيّ طبعاً. ولو كانت هذه الارقام تُعنى باللواتي جئن من العالم الاسلامي للانضمام الى “داعش” لكان التأثير المعنوي أخفّ وطأة على الحكومات الأوروبية والغربيّة بشكل عام.

أنجيلينا جولي وكاميرون دياز

عندما تصل “المجاهدات” الى الأراضي السوريّة عبر المطارات التركيّة خصوصاً، يتم تنظيمهنّ وفقاً لمعايير محدّدة. فالافضليّة هي للغربيّات الشقراوات، أو بتعبير آخر ل”المجاهدات” اللواتي يتمتعن بمواصفات انجيلينا جولي وكاميرون دياز، و خصوصاً اللواتي أشهرْن إسلامهنّ. ثمّ تأتي في الدرجة الثانية من ينتمين الى الجنسيّات الاخرى. وبالحديث عن معايير الجمال الغربيّة، تمثل النمسوية سمراء كيزينوفيتش التي شغلت الاعلام الغربي، المطلوبَ لمقاتلي “التنظيم”. تلك المراهقة التي لم تتخطَّ السادسة عشرة من عمرها، إصطحبت معها صديقتها سابينا سيلموفيتش في رحلة البحث عن التشويق والاثارة في “ارض الخلافة” حيث بات هذا المصطلح برّاقاً -ربّما كعيون المراهقتين- من أجل جذب المزيد ممّن هنّ في العمر نفسه.

كريم بكزاد من المؤسسة الفرنسية للعلاقات الدولية والاستراتيجيّة يقول إنّ “المجاهدات” وجدن في الزواج من محاربٍ فكرةً رومانسيّة جذّابة، حتى أنّ بعضهنّ وجد أن قطع الرؤوس وجزّ الاعناق لا يخلوان من سحر المغامرة. منتسبات أو مؤيّدات للتنظيم وجدن عبر حساباتهن الالكترونيّة أنّ قطع رأس المواطن الأميركي بيتر كاسيغ “جميل”، بينما رأت إحداهنّ أنّه “رائع بشكل جنوني” بحسب معهد الحوار الاستراتيجي البريطاني.

“نعم أقتلوا باسم الله”

تبدو قدرة التنظيم على اجتذاب المقاتلين بواسطة الدعاية السياسيّة فعّالة، خصوصاً عبر استخدامه شعارات جذّابة كالدفاع عن المسلمين والعيش تحت شرع الله وغيرهما. ولهذا يستخدم “داعش” وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها للوصول الى هدفه. نورا الباثي مثلاً، فرنسيّة أرادت ان تصبح في يوم من الايام طبيبة، اختفت بشكل فجائي فأبلغ اهلها الشرطة لمعرفة مصيرها. عائلتها المسلمة المعتدلة صُدمت عندما اكتشفت انّ نورا كانت تملك صفحة فايسبوكيّة ثانية تنشر فيها صوراً لنساء يدعون للمشاركة في “الجهاد”، حيث تمّ العثور على صورة لامرأة مقاتلة مكتوب عليها بالفرنسيّة:” نعم، أقتلوا باسم بالله”.

قد يساهم نشاط التنظيم المكثّف ودعايته الاعلاميّة الممنهجة على شبكات التواصل الاجتماعي في إيقاع عدد من الفتيات الغربيّات في شباكه. وإذا أضفنا ميل بعضهنّ للعزلة أو تعرضهنّ للتهميش الاجتماعي، استطعنا تكوين فكرة عن سبب ما لهذه الظاهرة. إنّما لا تستطيع هذه الفكرة اختزال كلّ الصورة. فنحن ما زلنا نتحدّث عن رقم كبير من المنتسبات للتنظيم لا يمكن للدعاية او للمشاكل الاجتماعية وحدَها إعطاءُ صورة شاملة عنه.

“… ادهسوهم بالشاحنات”!

هدى مثنى أميركيّة تبلغ من العمر عشرين سنة تلقّت من والدها بمناسبة عيد ميلادها هديّة هي عبارة عن هاتف ذكيّ. كان ذلك منذ حوالي السنتين. مع مرور الوقت، لاحظ أنّها أصبحت أكثر التزاماً بالإسلام. وفي يوم من الأيّام، أبلغت عائلتَها أنّها ذاهبة في رحلة مع أصدقائها في الجامعة ثمّ اختفت قبل أن تبلغ السلطات الرسميّة ذويها بأنّها توجّهت الى سوريا. ونقل والدها أنّها تواصلت مع أعضاء من التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف أنّها كتبت على التويتر:” هيّا انطلقوا بسيّاراتكم واقتلوهم بالرشّاشات وانشروا دماءهم في كلّ مكان! استأجروا شاحنات كبيرة وادهسوهم جميعهم!” .

النّظام الاجتماعيّ في الدول الغربيّة، من حيث تأمينُه الواسع لمتطلبات الأمن والرفاهية، يقترب بالنسبة للبعض من الملل. وهذا الأخير قادر على إنجاب الرتابة الروتينيّة التي تُفقد الحياة حسّ المغامرة. وهنا تصبح المشكلة أكبر إذا كان الرجل أو المرأة غير قادرينِ على إيجاد متنفّس للخلق والابداع في مجالات عدة كالفنون والرياضة والهوايات الأخرى.
عندئذٍ تلجأ المرأة- كما الرجل- الى خيارات عنيفة تتخلّص فيها من حياة لم تعد تقدّم لها إلّا الملل والضجر المزمنين .

ومن السلبيّات التي يقدّمها نمط العيش في الغربة، يبرز غياب “القضيّة” كمحرّك ودافع يضفيان المعنى على حياة الانسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص. فما زالت “القضيّة” عنصراً جذّاباً لاستقطاب المقاتلين والمقاتلات على حدّ سواء. لكن تجدر الإشارة الى أنّ التنظيم ليس استثناءً في هذا المجال. فالميليشيات أو حركات المقاومة في جميع أنحاء العالم استطاعت، عبر رفع شعار “القضيّة”، جذب العنصر النسائي بشكل لافت.

يبقى السبب الأبرز الذي قد يبدو صادماً بمقدار ما يبدو واقعيّاً ،أي الغريزة البدائيّة.

قد يكون في تصوير المرأة على أنّها كائن يحبّ الرومانسيّة والشعر والكلام اللطيف فقط، شيء من المبالغة. فهذه الصفات هي وليدة التربية وليست وليدة الطبيعة. وهذا الموضوع يقع ضمن المسائل الشائكة التي تقارب الانسان كوليد لصراع بين الطبيعة والتربية أو بالتعبير الإنكليزيّ: nature vs nurture .

في اي حال، تنظر الدول الغربيّة بعين القلق الى ظاهرة استقطاب تنظيم الدولة لنساء كثيرات يحملن جنسيّتها. ولا ترتاح لمجرّد أنّ بضع نساء نَدِمْن على خيارهنّ مثل الفرنسيّة نورا الباثي ، او أم أسماء التي كانت تعمل على استقطاب الغربيّات الى سوريا لتعودَ فتحذّرهنّ من مغبّة الانضمام الى التنظيم. فالمشكلة لم تعد أمنيّة فقط بل تعدّتها لتطاول ما هو بنيويّ أكثر.

الثقافة الغربيّة نفسها القائمة على الليبيرالية واحترام حقوق الانسان والازدهار الاقتصادي أصبحت عاجزة عن تأدية مهمتّها الأساسيّة وهي إيجاد صيغة لتنظيم الصراعات عبر إلغاء الجنوح نحو العنف عند الرجال قبل النساء، فها هو الجنوح الخطر نفسه يشمل النساء والرجال معاً.فهل يسبق الغربيّون الوقت في سعيهم الى اجتثاث التنظيم قبل أن يجتثّ هو أمنهم وأمانهم وربّما مبادئهم وثقافتهم؟ .

رابط مختصر