من يقف خلف تسريب وثائق «ويكيليكس» السعودية؟ ولماذا هذا التوقيت؟ وهل الدسم في الأواخر؟

عبد الباري عطوان يكتب

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 23 يونيو 2015 - 1:37 مساءً
من يقف خلف تسريب وثائق «ويكيليكس» السعودية؟ ولماذا هذا التوقيت؟ وهل الدسم في الأواخر؟

جاء إفراج موقع «ويكيليكس» عن 60 ألف وثيقة كدفعة أولى من نصف مليون وثيقة اخرى في حوزته، حصل عليها في عملية اختراق لأرشيف وزارتي الخارجية والداخلية، علاوة على أرشيف جهاز المخابرات السعودية، في وقت حرج بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، حيث تتكاثر عليها السهام والمشاكل من عدة جهات، فهي تخوض حربا تبدو بلا نهاية في اليمن، وأخرى مكلفة سياسيا وماليا في سوريا، وثالثة صراعا على مختلف الجبهات مع إيران، ورابعة في مواجهة منظمات التشدد الجهادي الإسلامية مثل «الدولة الإسلامية» و«القاعدة».

المسؤولون السعوديون يملكون حساسية خاصة تجاه الإعلام، بشقيه العربي والأجنبي، ويصابون بحالة من الهستيريا من خبر صغير ينشر هنا وهناك حول بعض جوانب سياساتهم لا يريدونه أن ينشر، فما بالك بنشر نصف مليون وثيقة، تتضمن أسرارا مهمة جدا حول تمويلهم المالي لصحف وصحافيين، وشخصيات سياسية عربية وأجنبية، وبرقيات سفارات، وتعليقات سفراء، وتوجيهات وزير الخارجية، أو رئيس جهاز المخابرات.

أتيحت لي الفرصة للاطلاع على أكبر قدر ممكن من الدفعة الأولى من الوثائق، أسوة بغيري، ولا أدّعي بطولة او مهارات خاصة، فالوثائق موجودة على الشبكة العنكبوتية، تناولتها أجهزة إعلام عالمية إلى جانب عدد قليل جدا من الصحف العربية، مما يكشف حجم ونفوذ الهيمنة السعودية على الإعلام، وما تكشفه هذه الوثائق يشكل زلزالا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

***

السلطات السعودية حذرت مواطنيها من الاطلاع على هذه الوثائق التي وصفتها بـ”المزورة“، وأوعزت للمتحدثين باسمها بالتأكيد على حقيقة التزوير هذه، وطرح أسئلة حول عدم افراج موقع ويكيليكس نفسه عن وثائق إسرائيلية في تبن واضح لنظرية المؤامرة.

احتمال التزوير وارد في وثيقة أو اثنتين أو عشرة أو مئة، لكن في أكثر من نصف مليون وثيقة فهذا أمر لا يمكن أن يصدقه عقل، فالموقع نفسه نشر مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية، ولم تقل وزارة الخارجية أن هذه الوثائق مزورة، بل اتخذت الإجراءات القانونية ضد المسربين، وصاحب موقع ويكيليكس الذي لجأ الى سفارة الإكوادور في لندن.

هل هناك مؤامرة على المملكة؟ الإجابة نعم، ومثلما تتآمر المملكة على الآخرين، وتخوض حروبا إعلامية وسياسية وعسكرية ضدهم، وتتدخل في شؤونهم الداخلية، من الطبيعي أن يتآمروا عليها في المقابل، إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ثم أن المملكة العربية السعودية ليست دولة عادية هامشية، وإنما أحد أهم الدول الفاعلة في محيطها العربي الإسلامي، وفي منطقة الشرق الأوسط عموما، فهي أكبر دولة مصدرة للنفط، وتوجد على ترابها أقدس الأماكن الإسلامية، وتتحكم في منظمة أوبك والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

المسألة التي يجب أن تقلق المملكة أكثر من نشر هذه الوثائق، وما تضمنتها من أسرار، هو كيفية الحصول عليها، والأسباب التي حالت دون اتخاذ المسؤولين فيها إجراءات أمن احتياطية لمنع أي اختراق لأجهزة حواسيبها، بعد نجاح ”الهاكرز“ في الوصول إلى أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية وتسريبها إلى موقع ويكيليكس، والاستفادة من التقنيات الحديثة في هذا المضمار.

الخارجية السعودية اعترفت قبل شهر تقريبا أن أرشيفها تعرض لاختراق من قبل «الجيش الالكتروني اليمني»، وربما كان هذا الاختراق هو الذي يقف وراء الحصول على هذه الوثائق، وربما استقالة أو إقالة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية الذي ظل في منصبه لأكثر من اربعين عاما.

لم نسمع من قبل أن اليمن، وبالتحديد التحالف «الصالحي الحوثي» الذي تحاربه الطائرات السعودية فيه يملك جيشا الكترونيا على هذه الدرجة من التقدم، ولا بد أن هناك جهات تقنية متقدمة جدا تقف خلفه، مع عدم انكارنا وجود خبرات يمنية عالية جدا، درست الهندسة الالكترونية في أعرق الجامعات الغربية، ويمكن الإشارة في هذا السياق الى الذراع الإعلامي الالكتروني المتقدم جدا لـ«الدولة الإسلامية»، وأذرعها الرقمية الضارية، التي شنت هجمات الكترونية على مواقع أمريكية.

هذا الاختراق يشكل ظاهرة صحية للمملكة وغيرها من الدول الخليجية والعربية، لعله يدفعها إلى ادخال تغييرات جذرية في سياساتها القديمة في استخدام سلاح المال للتعتيم الإعلامي، وشراء الذمم، فالعالم بات قرية صغيرة، والتقنية الإعلامية الحديثة من وسائط تواصل اجتماعي (فيسبوك، تويتر، انترنت، انستغرام، واتس آب) غيرت خريطة الاتصال الجماهيري، واستبدلتها بصحافة المواطن، وتأسيس مئات الآلاف من المواقع والمدونات.

السعودية، مثل دول خليجية أخرى، بنت امبراطورية إعلامية كبرى لها أفرع عديدة بهدف السيطرة على الرأي العام العربي، مستغلة قدراتها المالية الضخمة، وحققت نجاحات لا يمكن انكارها، ولكن قوة، ونفوذ، وتأثير، هذه الامبراطوريات بدأ يتراجع بشكل متسارع، بسبب تطوير الآخرين لأدواتهم الإعلامية في المقابل، وتغير الخريطتين السياسية والإعلامية، بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي.

نشرح أكثر، ونقول، أنه الى جانب وسائط التواصل الاجتماعي، بدأت ظاهرة المحطات التلفزيونية المحلية تترسخ في الكثير من الدول العربية، ولم تعد الجماهير في دول، مثل تونس وليبيا والمغرب والجزائر واليمن ومصر والأردن، تعتمد على «الجزيرة» و«العربية» لتلقي الأخبار ومتابعة البرامج السياسية والتوك شو، بسبب تعدد القنوات المحلية الخاصة التي ملأت فراغا أوجدته الانظمة الديكتاتورية بسبب فرضها إعلامها الخاص البائس، ورفض التصريح بتأسيس قنوات أو صحف خاصة.

ما كشفته وثائق ويكيليكس السعودية حتى الآن ليس بالأمر الخطير جدا، وأكد ما هو معروف، أي محاولة السلطات السعودية السيطرة على محطات تلفزة لبنانية من خلال تمويلها، فهذه المحطات اللبنانية تمثل جهات كانت تقف دائما في الخندق السعودي، ولكن الخوف كل الخوف (بالنسبة للسلطات السعودية)، هو من حزمة الوثائق الأخرى، وما يمكن أن تتضمنه من أسرار، فقد يكون ما جرى تسريبه وكشفه هو مجرد ”مفتحات شهية“ تسبق الوجبة الرئيسية الدسمة جدا.

من المشكلات الرئيسية للسياسة السعودية أنها زادت من الأعداء وقلصت من الأصدقاء، ودخلت في حروب عديدة في الوقت نفسه، وتخلت، أي السياسية السعودية، عن نهج قديم كان يتبنى الحوار، واحترام مصالح الآخرين وكراماتهم الوطنية والشخصية، واستبداله بنزعة تصادمية، دون المرور بمرحلة انتقالية تمهيدية طابعها التمحيص والتدقيق والدراسة العلمية المتعمقة، قبل اتخاذ قرارات خوض الحروب.

الامبراطوريات الإعلامية الضخمة التي أسستها السعودية، والدول الخليجية الأخرى، بدأت تدخل مرحلة ”الهرم“ التدريجي، ولم تعد تعط النتائج نفسها في عالم بات لا مكان فيه لاساليب التكتم والرقابة والحجب.

ربما يكون الجانب الإيجابي الخفي من جراء تسريب هذه الوثائق أنها تكشف للمواطن العادي، قبل الباحث، دهاليز الدبلوماسية العربية، وطريقة عملها، وأدواتها، وآلياتها، وهذه أمور كانت من المحرمات، وترتقي إلى حالة «الصندوق الأسود» الذي لا يجب أن يطلع عليه أحد.

عالم اليوم بات عالما لا مكان فيه للأسرار، ومن يعتقد بغير ذلك لا ينتمي اليه، ويعيش في زمن أهل الكهف، ويجب عدم إغفال حقيقة أخرى ثابتة، وهي أن الخصوم لم يعودوا بالغباء الذي كانوا عليه في السابق، وباتوا يفهمون لغة العصر الجديدة، بل ويجيدونها ببراعة، وهذا التنوع الذي تشهده الساحة الإعلامية العربية تؤكد هذه الحقيقة وغيرها.

الزمن يتغير، فهل تتغير السعودية وشقيقاتها الخليجيات أيضا؟
المصدر | رأي اليوم

رابط مختصر