إعلان «النصرة» انفصالها عن «القاعدة» سيعني انتحاراً… والظواهري ما كان ليعترض

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 23 يونيو 2015 - 11:30 صباحًا
إعلان «النصرة» انفصالها عن «القاعدة» سيعني انتحاراً… والظواهري ما كان ليعترض

عمان – حازم الأمين – لا شك في أن «داعش» أحدث إنقلاباً كبيراً. فها أنا ذا في عمان ضيفاً على شيخَي «السلفية الجهادية» الأبرزين، أبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي) وأبو قتادة (عمر محمود عثمان) وكلاهما خارج السجن. وعندما تصل الصحيفة الأردنية إلى الغرفة في الفندق في يوم عيد الجلوس، عليك أن تلاحظ حرص المملكة المستجد على تذكير الأردنيين بأن الجيش الأردني هو سليل «الثورة العربية الكبرى».
«داعش» فعل ذلك، فهو اليوم التحدي الأكبر، للكيانات من جهة، ولـ «السلفية الجهادية» بصيغتها القاعدية من جهة أخرى. وفي عمان يمكن المرء أن يختبر كم يبدو هذا الخطر محدقاً وقريباً. بالنسبة إلى المملكة، ها هو «داعش» على الحدود من الجهتين السورية (تدمر) والعراقية (الأنبار)، وبالنسبة إلى «السلفية الجهادية» فقد تمكن تنظيم الدولة من محاصرة الشيوخ الأردنيين ممن يميلون إلى «جبهة النصرة»، بحيث نقل جهاديو الأردن ولاءهم من «النصرة» التي تتمتع بتأييد شيوخهم، إلى «داعش» الذي يخاطب فيهم ظل أبو مصعب الزرقاوي.
لكن في عمان لن تفلت من إغراء الاعتقاد بأن ثمة شيئاً تغير. المقدسي وأبو قتادة خارج السجن. هذا متغير كبير من دون شك، ولتعقيدات الوضع السوري دور في إحداثه. وعمان جزء من خريطة استقطاب معقدة حول الوضع في سورية. وفي الوقت الذي أشارت فيه معلومات عن أن المقدسي وأبو قتادة كانا ممن أفشلوا قراراً كان اتخذ بانفصال «النصرة» عن «القاعدة»، كانت عمان تعمل على غير خط هذه المفاوضات عبر إقفال حدودها مع سورية أمام المقاتلين الأجانب، وتمسكها بعلاقة مع فصائل سورية غير «جهادية». هنا تحقيق حول «النصرة» وحول أسباب إحجامها عن الانفصال عن «القاعدة».
< أصيب «أبو مجاهد» بيده اليمنى إصابة بالغة أثناء قتاله إلى جانب «جبهة النصرة» في محافظة إدلب السورية. وأبو مجاهد» الشاب الأردني المولود عام 1994 في محافظة الزرقاء كان التحق بـ «النصرة» قبل عام تقريباً وأمضى يقاتل شهرين في صفوفها إلى أن أصيب، وعاد إلى بلدته شمال مدينة الزرقاء، مستفيداً من عفو السلطات الأردنية عن المصابين العائدين من سورية، في وقت يواجه العائدون الأردنيون من «الجهاد» في سورية عقوبات قد تصل إلى السجن مدة خمس سنوات.
علماً أن أكثر من مئتي أردني من مدينة الزرقاء قتلوا أثناء مشاركتهم في الحرب في سورية، ومثلهم وأكثر أصيب، وما زال مئات منهم يقاتلون إلى جانب «النصرة» بينما يصل عدد الملتحقين بـ «داعش» من الأردنيين إلى أكثر من 1500 مقاتل.
و»أبو مجاهد» الذي التحق بـ «النصرة» تلبية لنداء «الشيوخ» على ما قال لـ «الحياة»، يرى أن «الدولة» وهي ما يحرص على تسمية «داعش» بها، مغالية بتكفير عوام المسلمين، وأن قتالها «النصرة» هو إمعان بالتكفير، وهو وإن كان يرى أن خلافة «أبو بكر البغدادي» شرعية بسبب مبايعة عدد كبير من المسلمين له، إلا أنه لا يرى أن الخليفة المُبَايع مؤهل للقيام بأعباء الخلافة. وبالإضافة الى ذلك يرى «أبو مجاعد» أن ابتعاد «النصرة» عن تنظيم «القاعدة» فيه خير للمسلمين.
والحال أن اضطراب «أبو مجاهد» في تقييمه «النصرة» و»داعش» بين شرعية الخلافة بما هي تمسك بشعيرة المبايعة، وبين اعتقاده بأن ابتعاد «النصرة» عن «القاعدة» بما هي تخفف من هذه الشعيرة تمليها الظروف الراهنة، هو جزء من اضطراب تعاني منه جماعة «النصرة» منذ طرح «داعش» خلافته، وهو اضطراب راح ينعكس على إداء الجماعة الميداني والتنظيمي، بحيث صار يمكننا اليوم أن نقول إن «النصرة» هي جماعات وليـــست جماعة، وأن الجسم التنظيمي للجبهة يترنح تحت ميول أمرائها المختلفين في ما بينهم حول مستــقبل «الجماعة» وحول قاعديتها وسوريتها.
وليس «داعش» وحده ما يشكل تحدياً لـ «النصرة»، فالقرار الأميركي الحاسم بتصنيفها جماعة إرهابية كان له دور في ترنح الجماعة بين خياراتها القاتلة. وهو أمر كان له دور في فشل مساعٍ إقليمية (تركية وقطرية) في انتزاع إعلان أمير «النصرة» أبو محمد الجولاني قرار انفصاله عن «القاعدة»، ذاك أن قرار الانفصال كان سيضع الرجل وجماعته (أو جماعاته) أمام تحدي «داعش» لجهة الابتعاد عن مضامين «الجهاد العالمي» من دون أن يترافق مع ضمانات برعاية المستقبل «السوري» للجبهة.
ينفي شيوخ «السلفية الجهادية» في الأردن أن يكون لهم دور في تراجع الجولاني عن قرار فك الإرتباط بـ «القاعدة»، وإن كانوا على اطلاع على المفاوضات التي أفضت إلى معاودة الجولاني تأكيد علاقته بـ «القاعدة» في مقابلته الأخيرة مع قناة «الجزيرة» القطرية.
أبو محمد المقدسي وأبو قتادة طليقان اليوم، ويعيشان في منزلهما، الأول في الزرقاء والثاني في عمان، وهما أعطيا وعوداً للسلطات في الأردن بأن تكون الأخيرة على بينة من نشاطهما. وهما على رغم تأثيرهما الكبير في «السلفية الجهادية» العالمية، إلا أنهما يحرصان على البقاء خارج نشاطها التنظيمي والميداني. وبينما يرى أبو قتادة أن إعلان «النصرة» ابتعادها عن «القاعدة» لن يفيدها بشيء، بل سيؤدي إلى انسحاب المقاتلين غير السوريين من صفوفها، وهم عنصر تفوقها في القتال، يُرجح المقدسي أن لا تمانع القيادة الدولية لـ «القاعدة» ممثلة بـ «الشيخ أيمن الظواهري» قرار الانفصال، انما من يُمانعه هو الجولاني نفسه، نظراً لما قد يُحدثه قرار الانفصال من ارتدادات على الجسم التنظيمي لـ «النصرة». والظواهري بدوره يُدرك أن الانفصال سيكون خدمة لـ «داعش»، وهو ما دفعه إلى قبول تجديد الجولاني بيعته.
لكن ابتعاد «النصرة» خطوة عن «القاعدة» باتجاه السورنة أمر قد تحقق عملياً، فالجماعة منخرطة اليوم بـ «جيش الفتح» الذي يقاتل في إدلب وفي القلمون، وهذا «الجيش» ينشط برعاية إقليمية ووفق برنامج لا ينسجم مع المضامين الإيديولوجية التقليدية لـ «القاعدة». ويرى شيوخ «السلفية الجهادية» في الأردن أن قرار الانخراط في جيش الفتح جاء امتداداً لقرار التنظيم الدولي في بداية «الربيع العربي» بالسماح للجماعات القاعدية المحلية بإقامة تحالفات محلية في سياق الحرب على الأنظمة، كـ «أنصار الشريعة» في اليمن وفي تونس.
لكن هذا الابتعاد، وإن كان حذراً وغير مكتمل، أصاب الجماعة بمقتل، ذاك أنها اليوم حائرة بين طبيعتها الأولى وبين المهمات «الوطنية» التي طرحها عليها «جيش الفتح». «المجاهدون» الأردنيون ممن التقتهم «الحياة» في الزرقاء متنازعون بين خصومة مريرة لـ «داعش» وبين انقياد «النصرة» وراء المهمة السورية. لا بل أن اضطراب المهمة هو ما أفضى إلى فوضى البيانات حيال الصدام مع دروز إدلب ثم السويداء. فـ «النصرة» في تركيبتها تنظيم «سلفي جهادي» دولي، فيما حسابات المعركة في سورية تفرض قيوداً على اشتغال هذه السلفية. وبينما يتقدم العناصر والأمراء الدوليون نحو مهمتهم مدفوعين بالمضامين التقليدية لـ «الجهاد»، يصطدمون بقرار القيادة بالانكفاء نحو المضامين السورية.
وبهذا المعنى تشكل «داعش» تحدياً كبيراً للجماعة. فـ «الدولة» أكثر وضوحاً في خياراتها، و»الجهاد» بالنسبة إليها وجهة غير متنازعة بين خيارات عدة. لا تريد حلفاء من خارج «السلفية الجهادية» ولا تقيم حسابات لعلاقاتها مع جماعات وكتل ومجتمعات. وتمكن «داعش» من التحول إلى نموذج متفوق على «النصرة» بسبب هذا الوضوح. «الخلافة» والدولة من دون قيود محلية. السلطة المطلقة العارية من أي وهم، وهو ما حولها إلى إغراء كبير حرم «النصرة» من آلاف المقاتلين.
ليس هذا اضطراباً فكرياً أو إيديولوجياً تعاني منه «النصرة»، إنما تخبط تنظيمي كما يبدو. فأمراء «النصرة» وفق من التقاهم في جنوب سورية هم أشبه بأمراء «كونفيديرالية» إسلامية لا تربطهم بالقيادة الكثير من العلاقات. ويبدو أيضاً انه في جنوب سورية تختبر «النصرة» القرار الدولي بحصارها، ذاك أنها في الشمال وبعد أن انخرطت في «جيش الفتح» تمكنت من فتح قناة «إقليمية» لكنها لا تكفي لخروجها من القرار الدولي بالحصار. أما في جنوب سورية فالخلفية الإقليمية للجبهة هناك تشترك فيها الولايات المتحدة الأميركية، ويبدو في الجنوب أيضاً أن قرار عدم تكرار تجربة «جيش الفتح»، هو صورة الشقاق الإقليمي والدولي حول سورية. فواشنطن وعمان لا ترغبان في إشراك «النصرة» بصيغة قتال النظام القائمة في الجنوب، وهي تلاقي من الفصائل المقاتلة تجاوباً مع هذه الرغبة. الهجوم على الكتيبة 52 الذي قامت به فصائل الجيش الحر الأسبوع الفائت لم تُدعَ النصرة للمشاركة فيه، بينما شاركت فصائل إسلامية من خارج الجيش الحر بهذا الهجوم مثل «أحرار الشام»، على ما يؤكد قائد «الجيش الأول» أبو أسامة الجولاني.
صحيح أن «النصرة» ضعيفة في جنوب سورية خلافاً لما هي حالها في الشمال، وهو ما يُسهل قرار تفادي إشراكها في الكثير من المهمات، لكن ضعفها هو جزء من الخلاف الإقليمي حول دورها، فعمان أحكمت إقفال حدودها في وجه المقاتلين الأجانب، وهو ما لم تفعله تركيا، وهذا الأمر أفقد «النصرة» عنصر التفوق الذي تتمتع به في الشمال، أي المقاتلين الأجانب وخطوط الإمداد بالسلاح والمال. وتشير مصادر أمنية إلى أن لدى «النصرة» نحو ألفي مقاتل في جنوب سورية من بينهم نحو 400 أردني، كانوا دخلوا إلى سورية بين العامين 2012 و2013، ومن بعدها صدر قرار حاسم من عمان بمنع تسلل مقاتلين غير سوريين إلى سورية عبر الحدود مع الأردن.
«لن يفيد النصرة بشيْ إعلان انشقاقها عن القاعدة»، هكذا يقول أبو قتادة، فقرار تصنيفها على لائحة الإرهاب العالمي صدر من الولايات المتحدة الأميركية قبل التحقق من طبيعة تركيبتها، ولن يتم التراجع عنه. والحال أن هذه القناعة تكشف مأزقاً آخر يتفوق به «داعش» على «النصرة» في مباراة تثبيت شرعية سلفيتهما الجهادية التي تجري بينهما. فأن تكون «النصرة» وفق قناعات شيوخ السلفية الجهادية أسيرة هذا القرار في وقت أعلنت فيه أنها ليست بصدد الحرب على الغرب في دياره، فهذا يشكل مأزقاً أقدم «داعش» على حله تجاه ناشطيه.
التخلي عن «البيعة» سيكون خطوة في الاتجاه المعاكس لإعلان الخلافة، وستُفقد هذه الخطوة «النصرة» عنصر منافسة أساسياً في الصراع مع «داعش»، ذاك أن الشرعية «التاريخية» التي بيدها هي عنصر الجذب الذي يكاد يكون وحيداً في صراعها مع تنظيم «الدولة». ثم أن أمراء «النصرة» ومعظمهم غير سوريين، انما هم فيها اليوم بسبب اندراجها في التنظيم الدولي، ولن يجدوا مكاناً لهم في «النصرة» السورية». أما السوريون منهم فسيكون لديهم في حال قرر التنظيم الابتعاد عن «القاعدة» خياراً سورياً، هو جماعة «أحرار الشام» وهي جماعة «سلفية جهادية» سورية بالكامل، وهم شركاء «النصرة» في «جيش الفتح».
ويبدو أن مفاوضات أجريت بين الجماعتين للاندماج، وحصل ذلك ضمن مساعي دول إقليمية لانتزاع قبول من أمير «النصرة» بالابتعاد عن «القاعدة». فشلت المفاوضات لكنها حملت دلالات كبيرة لجهة استحالة الانفصال.
انفصال «النصرة» عن «القاعدة» سيعني انتحارها وفق معظم شيوخ «السلفية الجهادية». لكن «داعش» هو صورة اكتمال «الدعوة» ونشوء «الخلافة»، وهذه الحقيقة بدورها تحرم «النصرة» من أسباب البقاء على قيد الحياة.

رابط مختصر