واشنطن وموسكو: سباق تسلح جديد؟ …هاني شادي

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 20 يونيو 2015 - 11:49 صباحًا
واشنطن وموسكو: سباق تسلح جديد؟ …هاني شادي

كثُرت في الآونة الأخيرة التسريبات الصحافية الغربية بشأن خطط قيد الدراسة في واشنطن لنشر صواريخ مجنحة وبالستية في أوروبا، وتزويد 5 آلاف جندي أميركي في شرق أوروبا ودول البلطيق بأسلحة ثقيلة من دبابات وعربات مصفحة وطائرات «إف ــ 22». والدول المرشحة لنشر هذه الأسلحة، بحسب هذه التسريبات، هي ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبولندا ورومانيا وبلغاريا والمجر. هذا بجانب ما تردد مؤخراً عن احتمال نشر أسلحة نووية أميركية في بريطانيا. وقد تكون مثل تلك التسريبات من قبيل «بالونات الاختبار» لموسكو، ولكنها، في غالب الظن، تحمل في طاياتها نيات قابلة للتنفيذ خلال الفترة المقبلة لمزيد من الضغط على الكرملين في ضوء التوتر بسبب الأزمة الأوكرانية. لذلك، نجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السادس عشر من حزيران الجاري، يُعلن «أن القوات النووية الروسية ستحصل هذا العام على أكثر من 40 صاروخاً بالستياً جديداً عابراً للقارات، قادرة على اختراق أي منظومات دفاعية حديثة». ويؤكد بوتين في تصريحاته أن «حصة الأسلحة الحديثة يتعين أن تبلغ في القوات المسلحة الروسية 70 في المئة بحلول العام 2020، و100 في المئة لبعض أنواع الأسلحة الأخرى». وكان أناتولي أنطونوف، نائب وزير الدفاع الروسي، أكد أن بلاده سترد بشكل مناسب في حال نشر أسلحة أميركية ثقيلة في أوروبا الشرقية، وذلك عبر تعزيز قواتها في الشريط الحدودي بصواريخ «اسكندر» ووسائل أخرى. وشدد الجنرال انطونوف على أن حلف «الناتو» وواشنطن يسعيان إلى استفزاز روسيا للدخول في سباق تسلح جديد.
وتستند المؤسستان السياسية والعسكرية في روسيا في اعتراضهما على نيات الولايات المتحدة و «حلف شمال الأطلسي» إلى أن تنفيذ تلك النيات سيعني دفن البند الرئيس لوثيقة «روسيا – الناتو» الأساسية الموقعة في العام 1997. وكان الحلف قد تعهد بموجب هذه الوثيقة بعدم نشر قوات قتالية كبيرة في دول شرق أوروبا على أساس دائم. وفي ما يتعلق بحجج واشنطن المتمثلة في ضرورة «طمأنة الحلفاء الأوروبيين لمواجهة التهديد الروسي»، ردت الخارجية الروسية بأن «واشنطن والعواصم الأوروبية تعرف جيداً أن التهديد الروسي مجرد أكذوبة يجري استغلالها دعائياً للتغطية على مسؤولية الولايات المتحدة عن الانقلاب على الدستور في أوكرانيا، وعلى تصرفات حكام كييف غير المستعدين لوقف الاقتتال في منطقة «دونباس» في جنوب شرق أوكرانيا». ويعتقد الروس بأن الولايات المتحدة تؤجج النزعات المعادية لروسيا لدى الأوروبيين لاستغلال الوضع المُعقد الراهن بهدف توسيع وجودها العسكري ونفوذها في القارة الأوروبية.
وما يزيد من حدة التوتر بين موسكو وواشنطن بهذا الشأن، أن بولندا أكدت مؤخراً على لسان وزير دفاعها توماس شيمونياك، أنها تجري بالفعل محادثات مع الولايات المتحدة لبحث احتمال تخزين أسلحة أميركية ثقيلة على الأراضي البولندية. وأعلن وزير الدفاع البولندي أن هذه المحادثات جزء من مناقشات حول زيادة الوجود العسكري الأميركي في بلاده وغيرها من الدول الأعضاء في «حلف الأطلسي» في شرق أوروبا، معرباً عن قناعته بأن هذه الخطوة في حال تنفيذها لن تُعدَّ انتهاكاً للاتفاقية الموقعة مع روسيا في العام 1997.
واللافت أن الجانبين الروسي والأميركي يُؤكدان، ليل نهار، أنهما لا يرغبان بالانجرار إلى سباق تسلح جديد. وهذه التأكيدات ليست جديدة تماماً، ففي شباط 2008، أكد الرئيس بوتين أن بلاده ستطور أسلحة روسية حديثة لمواجهة التحديات الأميركية الأطلسية من دون الغرق في سباق التسلح. ويرى مراقبون روس أن الدول الغربية تسعى حالياً إلى تكرار ما فعلته مع الاتحاد السوفياتي السابق من استنزاف لموارده على التسليح أثناء الحرب الباردة. ومن المعروف أن هذه العملية أثرت سلباً على الوضع المعيشي والاقتصادي للشعب السوفياتي آنذاك. ويبدو أن الروس منتبهون لهذه الحقيقة، ولذلك يشددون على أن بلادهم لن تنساق وراء الغرب إلى سباق تسلح جديد وحرب باردة جديدة.
منذ الأزمة الأوكرانية، وحتى قبلها بسنوات عدة، تزايد التوتر في العلاقات الروسية ـ الأميركية ـ الأطلسية بشأن المجال العسكري الإستراتيجي، خاصة في ما يتعلق بخطط الولايات المتحدة و «حلف شمال الأطلسي» المتعلقة بنشر الدرع الصاروخية في أوروبا. الأمر الذي تعتبره موسكو، ولا تزال، تهديداً لأمنها القومي وإضعافاً لقدراتها على الردع. ولا شك أن الأزمة الأوكرانية، وما تضمنته من إعادة القرم إلى روسيا، أشعلت فتيل التوتر بوضوح أكثر بين الجانبين. وهذا يدفع عملياً، برأينا، إلى سباق تسلح جديد. ويقول واقع الحال إن الكرملين سيكون مضطراً لمجاراة الغرب وتخصيص المزيد من الاعتمادات المالية لتحديث الجيش الروسي وأسلحته، وذلك مع فارق الإمكانيات والموارد المالية. أي أن موسكو، بدرجة أو بأخرى، ستنخرط في سباق التسلح الجديد، خاصة في ظل اقتراب «الناتو» من حدودها ونشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، وتزايد الوجود الأميركي ـ الأطلسي في بعض دول شرق أوروبا ودول البلطيق الثلاث، التي كانت يوماً ما ضمن الاتحاد السوفياتي. ويبدو أن القيادة الروسية باتت على قناعة تامة في الوقت الراهن بأن الولايات المتحدة و»الناتو» يعملان على حصار روسيا عبر مجموعة من القواعد العسكرية، التي تتزايد حالياً في أماكن عدة حول الأراضي الروسية، وربما تصل في السنوات القادمة إلى جورجيا وأوكرانيا. ويمكن القول إن سباق التسلح بين الجانبين قد بدأ بالفعل، وإن شبح الحرب الباردة «الجديدة» بات يُخيم فعلياً على العالم في ظل عدم وجود أفق في المستقبل المنظور لحل الأزمة الأوكرانية وتحسين العلاقات الروسية الغربية. ويزيد من حدة هذا الشبح، تخوف بعض بلدان أوروبا الشرقية ودول البلطيق الثلاث، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، من «تزايد النزعة العسكرية الروسية في الساحة السوفياتية السابق»، كما تردد هذه الدول. وهذا، بالطبع، لا يمنع تعاون روسيا مع الجبهة الأميركية ـ الأطلسية في محاولة حل بعض الأزمات على النطاق العالمي. وهو ما يتشابه، بدرجة ما، مع الوضع السابق في زمن الاتحاد السوفياتي.

رابط مختصر