هذه قصة جواز السفر «البيومتري».. وآلية هبة المليار دولار

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 20 يونيو 2015 - 11:28 صباحًا
هذه قصة جواز السفر «البيومتري».. وآلية هبة المليار دولار

لم تثر هبة المليار دولار السعودية الثانية، لتسليح الجيش والاجهزة الامنية ومكافحة الإرهاب في آب ٢٠١٤، وهو عنوانها الرسمي، ما اثارته هبة المليارات الثلاثة بتعرجاتها الكثيرة. اذ ان انعدام السيطرة الحكومية اللبنانية على عملية تسليح واسعة تمولها السعودية، ورزمة صفقات بعشرات الملايين من الدولارات تنقصها الشفافية، لم يتحول الى اسئلة حكومية او نيابية.
منذ البداية، أقفل الرئيس سعد الحريري كل الابواب التي قد تفضي الى المساءلة عن ادارة الهبة، أو صرف الاموال، وتنظيم المناقصات، وتوقيع العقود من قبل الدولة اللبنانية، وتحديدا ديوان المحاسبة، الذي يشرف تقليديا على اكتمال شروط المناقصات ومطابقتها للقوانين.
اختار المشرف على هبة المليار دولار، نقل الهبة من حيز الهبة المالية الى حيز الهبة العينية. هذه النقلة ليست مجرد مناورة تجميلية، اذ اصبح بعدها وبفضلها جائزا القول ان السعودية لم تهب لبنان مليار دولار عبر حليفها الرئيس الحريري لاستكمال تسليح الجيش اللبناني بعد ان تأخر تنفيذ هبة المليارات الثلاثة الاخرى، فهي ليست هبة مالية بالمعنى الحرفي، ينبغي بالاحرى القول ان السعودية كلفته أن ينوب عن الدولة اللبنانية نفسها، وبرضى مجلس الوزراء اللبناني، وان يعمل الحريري على تحديد حاجات المؤسسات الدفاعية والامنية، ويبادر بالتنسيق مع قياداتها الى وضع لوائح بتلك الحاجات ورصد الاموال المطلوبة لها.
بعيدا عن وزارة المال!
وبموجب الهبة العينية، يتم تحويل دفعات من المبالغ المخصصة لشراء المعدات والاسلحة المطلوبة، من البنك الاهلي السعودي، الى بنك البحر المتوسط، الذي تملكه عائلة الحريري، بدل تحويلها الى مصرف لبنان المركزي.. هذه الآلية أتاحت الالتفاف سياسيا واداريا، على وزارة المال، التي يتبوؤها علي حسن خليل، اذ أنه ليس مقبولا سعوديا، ان يكون وزير يمثل «حركة امل»، هو من يستقبل المليار دولار في خزائنه، في مناخ الانقسام الشيعي ـ السني، وفي عز الاشتباك السعودي ـ الايراني في المنطقة، ولو أن هذه الفرضية يدحضها مرجع رسمي مقرب من الرئيس الحريري بقوله ان الاعتبارات التي ادت الى ابعاد وزارة المال لا علاقة لها بهوية الوزير الحالي ولا بانتمائه السياسي، وانما بقرار متخذ لادارة الهبة بطريقة فعالة وسريعة.
وكانت اللوائح الاولى لتوزيع الهبة المفترضة، قد رصدت ٥٠٠ مليون دولار للجيش اللبناني، ٣٥٠ مليون دولار للامن الداخلي، ١٠٠ مليون دولار للامن العام، ٥٠ مليون دولار لجهاز امن الدولة، غير أن هذه الأرقام عدلت بشكل طفيف، عبر اضافة الجمارك والمطار وغيرهما.
الأميركيون يصادرون نصف مليار
ومقارنة بتعرجات الصفقات الاخرى، توصلت الولايات المتحدة الى جعل اللبنانيين يوقعون على صفقة اسلحة في زمن قياسي. فبعد اشهر قليلة من المفاوضات، ابلغت وزارة الخارجية الاميركية، الكونغرس في التاسع من هذا الشهر موافقتها على تزويد لبنان بما طلبه من معدات واسلحة.
وتبلغ قيمة الصفقة مع الأميركيين ٤٦٢ مليون دولار وتشمل اسلحة ومدفعية وذخائر وطائرات «سوبر توكانو». والأرجح ان سرعة التوصل الى عقد الصفقة تكمن في قيادة الاميركيين للصفقة، وحرصهم على ابعاد فريق الحريري عنها، كما لم يتسن لرئيس الوزراء السابق فرض توجهاته في التعامل مع هذا الملف، او ان الاميركيين لم يتركوا له الوقت الكافي لذلك، فخرج نصف المبلغ عن السيطرة.
وفي المعلومات أن الاميركيين، أطلعوا مستشاري الحريري، ان شراء معدات اميركية لا يدخل في اطار أية مفاوضات تقليدية، اذ يصنف لبنان في نطاق برنامج صندوق «مبيعات الاسلحة الخارجي» الذي يشمل بشكل خاص البلدان التي تتلقى مساعدات عسكرية سنوية من الولايات المتحدة. ويحصل لبنان على ما قيمته ١٠٠ مليون دولار من المعدات والاسلحة الاميركية سنويا. وتقضي قواعد البرنامج، ان تقوم لجنة اميركية متخصصة تابعة للبنتاغون، بتحديد من هي الشركات التي تتولى تزويد البلدان المنضوية في هذا البرنامج، وتنفيذ العقود معها، بعد الحصول على اللوائح المطلوبة، دون تدخل من قبل الطرف المشتري، وتأمينا للشفافية.
ومع اعلان الاميركيين ان صفقتهم ستستنفد كامل المبلغ المرصود للجيش، وخصوصا أن الفرنسيين حصلوا على صفقة من ٣ مليارات من السعوديين لمصلحة الجيش اللبناني، وهم (الفرنسيون) لا يزودون لبنان باسلحة مجانية بقيمة ١٠٠ مليون دولار كما تفعل واشنطن.
الروس والفرنسيون: انها الخديعة
في المقابل، شعر الروس بانهم خدعوا. فقد تراجع الحريري عن خطة للحصول على اسلحة من روسيا على عكس ما أوحى لهم حتى شباط الماضي، على ما يقوله مصدر معني، بأن مبلغ ٢٧٠ مليون دولار (من حصة الجيش) سينفق على شراء مروحيات روسية مقاتلة ومنظومة دفاع جوي، و٢٥٠ صاروخ «كورنيت»، و٤ منصات لاطلاقها، و٦ راجمات صواريخ، و٣٠ الف صاروخ يبلغ مداها ٤٠ كيلومترا، طلبها الجيش اللبناني.
ويقول المصدر ان الروس يشعرون الان بالخديعة، وهم ليسوا مقتنعين بأن التراجع سببه صعوبة تحويل المبالغ المطلوبة، في ظل العقوبات الدولية المفروضة على روسيا بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية، خصوصا وأن هذه العقبة، لا تواجه العراق، الذي يتجه الى عقد صفقات مروحيات مقاتلة وصواريخ مع موسكو بقيمة ٤،٥ مليار دولار، ولا مصر التي عقدت صفقة صواريخ بقيمة ٣ مليارات دولار، دون ان يعرقلها نظام العقوبات ولا الامارات ولا السعودية التي أبرم ولي عهدها الثاني محمد بن سلمان صفقات بمليارات الدولارات مع الحكومة الروسية هذا الأسبوع.
غير أن مرجعا لبنانيا واسع الاطلاع يتمسك بصعوبة تحويل المبالغ الى الروس، مستشهدا بصفقة اصغر عقدت مع الروس لشراء معدات واسلحة بقيمة ٢٢ مليون دولار للامن العام وقوى الأمن الداخلي، «لم نستطع تسديدها، بسبب شبكة العقوبات المفروضة على موسكو، واسترداد الشيكات التي حولت الى مصارف روسية، برغم أننا حاولنا اعتماد أكثر من طريقة للتحويل بالاتفاق مع الروس وكلها لم تنجح حتى الآن».
جواز السفر «البيومتري».. بين «الدول»
والى خديعة الروس في التسليح، ثمة خيبة فرنسية في عقود أخرى. فبعد عقود من اعتماد المطبعة الوطنية الفرنسية مصدرا لجوازات السفر اللبنانية، ومفاوضات دامت سنوات، مع «تاليس» الفرنسية (قبل الهبة السعودية)، قررت وزارة الداخلية اللبنانية، بالاتفاق مع المديرية العامة للأمن العام التوقيع على عقد تلزيم شركة «جيمالتو»، ومقرها امستردام، تزويد لبنان عبر شركة «انكريبت» اللبنانية التي يملكها هشام عيتاني، بنظام مراقبة الدخول عبر المرافق الجوية والبرية والبحرية، واصدار جوازات السفر «البيومترية».
ويقول مصدر فرنسي ان الامن العام، وقبل الهبة السعودية في آب الماضي، كان طلب من شركة «تاليس» الفرنسية تزويده بدراسة عن تجهيزات مراقبة المرافق الحدودية الالكترونية (برا وبحرا وجوا) والتدقيق في وثائق المسافرين وانشاء بنك للداتا يتعقب المزورين والمطلوبين عبر التدقيق في بصمات بؤبؤ العين والاصابع، وطباعة جوازات السفر «البيومترية».
وجاء طلب الأمن العام بعد تحذير منظمة «الايكوا» المتخصصة في امن المطارات، من اعلان مطار بيروت ممرا غير امن، اذا لم يبدأ لبنان بتغيير انظمة المراقبة الحدودية، واعتماد جواز السفر «البيومتري».
لا شروط تعجيزية لبنانية
ويقول مصدر متابع للملف، ان الامن العام اللبناني قام بتحديد المواصفات المطلوبة، لكنه لم يتدخل في تلزيم التنفيذ، ولا في تفاصيله المالية التي تولتها لجنة فنية في وزارة الداخلية. وشاركت في العملية شركات فرنسية ابرزها «تاليس» و«ساجم» و«المطبعة الوطنية» و«اوبرتور» وشركة «دولاري» السويسرية، بالاضافة الى شركات اخرى.
وفيما يتهم الفرنسيون وزارة الداخلية اللبنانية بأنها نصبت كمينا للشركات المتنافسة، لابعاد الفرنسيين، اذ عمد الأمن العام اللبناني الى ادراج مواصفات في دفتر الشروط في اللحظات الاخيرة، اعتبرت «تعجيزية»، للابقاء على «انكريبت» دون غيرها، توضح مصادر رسمية لبنانية أنه عندما قدمت الشركات عروضها اجابت وزارة الداخلية اللبنانية ان الشركات لا تتمتع بالمواصفات المطلوبة، علما انها شركات تصدر جوازات سفر بيومترية في عشرات البلدان وبمواصفات امنية غربية مشددة. اما في ما يختص بنظام المراقبة، فقد قالت الداخلية، ان مهلة الرد قد نفدت، وانها قد اختارت الكونسورسيوم «انكريبت» وشريكتها «جيمالتو» لتركيب نظام «ادفنس باسنجر انفورمايشن سيستم» لدى الامن العام.
وكانت تاليس قد طلبت مبلغ ١٣.٥ مليون دولار لتزويد المرافق الحدودية بأجهزة مراقبة وثائق السفر، وربط الداتا في المركز بتلك المرافق، اما «انكريبت» فقد حصلت على العقد بقيمة ١٥ مليون دولار. اما في تلزيم جوازات السفر، فقد اعتمدت طريقة اخرى، للابقاء في النهاية على شركة «انكريبت» وحدها دون الاخرين. اذا اعدت لائحة شروط لتأهيل الشركات، من بينها، كما يقول مصدر تابع الملف لـ «السفير»، المقدرة على اصدار بطاقات ائتمان مصرفية في لبنان، وهو شرط لم يؤهل احدا غير شركة واحدة تملك امتيازه: «انكريبت»، علما ان هذا الشرط، ليس شرطا موجبا للعمل لامتلاك تقنيات استصدار جوازات سفر بيومترية.
باولي يعترض ولا أحد يجيب!
ويقول مرجع لبناني مقرب من الرئيس سعد الحريري، أن لا صحة لهذه المعلومات ولا لما يقال عن وضع شروط تعجيزية، اذ أن العملية تمت بشفافية كاملة وليس خافيا على أحد ان استبعاد الفرنسيين هو قرار سياسي قبل كل شيء، يحمل في طياته محاولة من قبل الرئيس الحريري لاجراء توازن في توزيع الصفقات، خصوصا ان الفرنسيين قد نالوا حصة الاسد منها، لا سيما في صفقة الثلاثة مليارات دولار. وقد تولى مسؤول لبناني كبير ابلاغ السفير الفرنسي في بيروت بعدم وجود نية لاختيار الشركات الفرنسية، وهو الأمر الذي أثار حفيظة السفير باتريس باولي خصوصا وأن شركات بلاده اعتادت الحصول على هذه الصفقات بشكل تقليدي.
وقال المرجع اللبناني ان شروط المنافسة استبقت في النهاية الشركة السويسرية «دو لاري»، وان «انكريبت» قدمت مواصفات واسعارا مناسبة لم تتجاوز ٣٤ مليون دولار، لاصدار الجوازات، وانشاء نظام مراقبة المرافق الحدودية، وقالت ان دفتر الشروط الذي وضعه الأمن العام اللبناني بالتنسيق مع منظمة «الايكوا» أدى الى رسو الأمر على شركة «جيمالتو» (75 % على أساس العرض التقني و25% على أساس العرض المالي)
وشرح المرجع آلية اتخاذ القرار، وتلزيم الصفقات، التي يشارك فيها لبنانيون وسعوديون، دون ان تمر في مجلس الوزراء، وقال ان القرار يتخذ في سبع حلقات مختلفة، سيكون صعبا القول بانها تتساوى في الاهمية والدور. اذ تبدا في ملف التسلح من مدير الادارة في الجيش الى قائد الجيش، فوزير الدفاع، فالسفير السعودي في بيروت الذي يشارك في اتخاذ القرار، فالنائب سعد الحريري (الواهب)، فالديوان الملكي السعودي (ضمنا وزير الدفاع محمد بن سلمان)، وأخيرا البنك الاهلي السعودي، الذي يتولى تسديد المستحقات.
ولاحظت مراجع لبنانية أن الشركات الفرنسية التي تعاقدت قبل العام ٢٠١٠، مع الامن العام اللبناني، لتنفيذ صفقات مماثلة، تبين انها قد دفعت عمولات ورشاوى لمسؤولين امنيين لبنانيين سابقين، وان الصفقات التي عقدت بعدها بشفافية، وفرت على الخزينة اللبنانية مبالغ تتراوح ما بين ٣ الى ٥ ملايين دولار.
وقد عبر ديبلوماسيون فرنسيون في بيروت، عن شعورهم بالصدمة للطريقة التي تم فيها ابعاد شركاتهم. كما ان القول بان «جيمالتو» فرنسية، «ليس دقيقا، اذ اصبح مساهمون اميركيون يملكون الشركة التي تتخذ امستردام، وليس باريس، مقرا لها» حسب المصادر الفرنسية.

هل من محاذير أمنية.. لصفقة «البيومتري»؟
من الواضح أن التجاذب اللبناني الفرنسي بسبب حرمان الشركات الفرنسية من الفوز بمناقصة جواز السفر البيومتري، أفسح أمام تسليط الضوء على البعد الأمني، اذ إن شركة «جيمالتو» المكلفة إصدار الجوازات البيومترية، تقوم بالوظيفة نفسها في اسرائيل.
كما يدير أعمالها ومشاريعها في منطقة الشرق الاوسط، ومن بينها لبنان، الفرنسي ـ الاسرائيلي «آري بوزبيب». كما ان رئيس مجلس الادارة فيها، الكس ماندل، هو ايضا مدير شركة «ان كيو تل» الاميركية التي تتخذ من ارلنغتون – فرجينيا مقرا لها. وتعمل هذه الشركة على تطوير تكنولوجيا لخدمة المخابرات المركزية الاميركية، وتوسيع قدراتها، وتتعاون تعاوناً وثيقاً مع «السي اي ايه» ووكالات المخابرات الاميركية، كما تتعاون ايضا مع اسرائيل.
ومن المقرر أن تقوم «جيمالتو» بتجهيز لبنان، بكل الاجهزة الضرورية لتخزين وتبادل المعلومات المشفرة، عن حركة المسافرين، والجوازات البيومترية وبطاقات الهوية، التي ستحمل كل المعلومات عن البصمات اليدوية والعيون.
وجلي ان النقاش سيكون مفتوحا، في ما اذا كان ممكنا اختراق داتا معلومات الجوازات البيومترية من قبل شركة تتقاطع فيها مصالح استخبارية اميركية واسرائيلية، اذ إن «جيمالتو» ستتولى صيانة الاجهزة عن بعد، وهو ما يسمح دون عوائق بنسخ ما شاءت من داتا، كما ان الإبقاء على أبواب خلفية، في نظــام المعلوماتية، الذي يدير تدفق المسافرين، وإصدار الجوازات والمعطيات البيومترية، ليس مستبعدا.
لكن مسؤولا أمنيا لبنانيا كبيرا سرعان ما بدد هذه المخاوف بقوله ان كل الضمانات الامنية لحماية المعطيات والداتا في شبكة مراقبة الحدود قد اتخذت، وان «انكريبت» قدمت ما يكفي من الضمانات، كما ان «جيمالتو» تعمل مع ايران والسعودية، ولن يكون لها بأي حال أي سبيل للدخول الى الداتا في لبنان. كما قال ان التجارب الاولى، التي أجريت (أمس) على المعدات التي أقامتها «جيمالتو»، كانت ناجحة، وان لبنان سيحترم معايير «الايكوا» وسيتم التحول الى الجوازات البيومترية، وتعميمها، بدءا من حزيران العام 2016.

محمد بلوط
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-06-20

رابط مختصر