الرئيسية / آراء / صعود المنظمات الإرهابية في سوريا …حسين العودات

صعود المنظمات الإرهابية في سوريا …حسين العودات

A military truck belonging to forces loyal to Syrian president Bashar Al-Assad is seen on fire at the Brigade 52 military base after it was captured by the Free Syrian Army in Daraa, Syriaلم تأت المنظمات الإرهابية السورية من فراغ، كما لم تكن واضحة الأهداف والأساليب، وإنما أتت استجابة لشروط موضوعية، وتطورت أهدافهاً ووسائلها شيئاً فشيئاً، وما زالت تتطور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
تعود ولادة أول المنظمات الإرهابية في سوريا وربما في العراق أيضاً إلى أيام الاحتلال الأميركي للعراق، حيث شجعت أجهزة الأمن السورية، في ذلك الوقت، وتفادياً للعدوان الأميركي على سوريا، أفراداً ومغامرين ومتطرفين وموهومين بإمكانية الانتصار العسكري على الجيش الأميركي. ولم يكن في الواقع يجمع هؤلاء أي تنظيم (جامع مانع)، وبالتالي كانت علاقات كل منهم عمودية مع أجهزة الأمن السورية، ولم تكن أفقية مع المتطرفين الآخرين. وقد هدد الأميركيون في ذلك الوقت السلطة السورية بالعقوبات الشديدة إذا استمرت في دعم هؤلاء المتطرفين والسماح لهم بالذهاب إلى العراق. وبالفعل اضطرت السلطة السورية أن تتراجع عن مسيرتها السابقة في إرسال متطوعين أو تسهيل مرورهم وتسليحهم في أحيان كثيرة. وقد احتج بعضهم على الموقف السوري الجديد، وارتبكت أجهزة الأمن السورية لناحية كيفية التعامل مع هؤلاء، سواء المحتجين منهم أم غير المحتجين، فاضطرت إلى اعتقالهم، بانتظار إيجاد شروط مناسبة لإخراجهم من السـجن وتوجيههم نحو القيام بأعمال مفيدة للسلطة.
وقد حانت الفرصة في العام الثاني للانتفاضة، عندما بلغ عنف السلطة مداه، وسالت دماء السوريين غزيرة، وزاد الانشقاق وتشكل «الجيش الحر»، وأصبحت السلطة مهددة بزيادة عدد الذين يواجهونها وبتطور تسليحهم، ودعمهم من قبل الدول الإقليمية وغير الإقليمية. عندها، أقدمت أجهزة الأمن السورية على إخراج هؤلاء من المعتقلات، فحملوا السلاح ضد المعارضة، العلمانية التي اعتبروا أنها لا تقل خطراً عن النفوذ الأميركي والهيمنة الأميركية. وشكل الذين افرج عنهم من سجون النظام منظمات مسلحة منها «احرار الشام» (حسان عبود) و «صقور الشام» (احمد عيسى الشيخ) و «جيش الإسلام» (زهران علوش). ولكن الذي حصل هو أن هؤلاء المتطرفين بدأوا تجميع بعضهم وشكلوا نواة لمنظمات إرهابية قد يكون أفرادها غير متفقين على أهدافها بالمطلق، لكنهم يتفقون على توافقات الحد الأدنى تمهيداً لتطوير أهدافهم بحسب الظروف. وبمجرد أن أُخرجوا من المعتقلات وتم تسليحهم، شعروا بقوتهم، وأخذوا يعملون لحسابهم باستثناء بعض الشرائح منهم. ومع تأسيس «جبهة النصرة» من رحم تنظيم إرهابي آخر هو «داعش» والانشقاق الذي حصل بينهما بعد ذاك، جرى صراع بين التنظيمين، وأخذ الإثنان يسيطران على بعض آبار النفط في شمال شرق سوريا ويؤمنان دخلاً مالياً كبيراً.
لا يتماثل التنظيمان في معظم أهدافهما ووسائلهما، والأهم في بنيتهما وطبيعة العناصر المنتسبة لكل منهما. فتنظيم «داعش» يضم قيادات من جيش صدام السابق وعناصر أجنبية بنسب كبيرة ومن مختلف البلدان. وقد قام بالسيطرة على المناطق السنية في وسط وشمال العراق وأعلن قيام دولة فيها. وفي الوقت نفسه وتحت وهم تطبيق الإسلام، أخذ هذا التنظيم باستعمال أقسى درجات العنف سواءً مع المسلمين السنة (القتل والجلد وغيرهما) على أقل الأخطاء، والأبشع من ذلك كان استخدام الذبح تجاه الذين يرونه مخطئاً. وسهّل هذا الأمر أن معظم العناصر في «داعش» هم من غير السوريين والعراقيين، وهم متطرفون يرون الإسلام كما فصّله لهم بعض الفقهاء خلال مئات السنين. وبالتالي فإن معظمهم يعتقد أن هذا العنف وهذه الجرائم هي خدمة للإسلام والمسلمين، وهذا الإيمان المطلق بصحة الممارسة وبحلم الذهاب الفوري إلى الجنة هما العاملان الفعالان في مغامراتهم المسلحة. أما تنظيم «النصرة»، فإن معظم منتسبيه هم من السوريين باستثناء نسبة قليلة، وهؤلاء المنتسبون أتوا لـ «النصرة» إما منشقين من الفصائل المسلحة الأخرى أو من «الجيش الحر»، بسبب ضعف التسليح والتمويل الذي شهدته هذه الفصائل في مرحلة سابقة، ووجدوا في «داعش» و «النصرة» المدعومتين من دول إقليمية وغير إقليمية بالمال والسلاح عاملاً مشجعاً على الاستمرار.
وفي الحالات كلها، بقيت أهداف «النصرة» أهدافاً تنطلق من الواقع السوري برغم تطرفها وجهلها، كما أن أساليبها كانت أقل عنفاً في معاقبة الناس من أساليب «داعش»، وعقوباتها أخف وطأة من تلك العقوبات، برغم أنها بقيت شديدة وليست ذات صلة حقيقية لا بالإسلام ولا بالقيم المعمول بها في المنطقة ولا بعادات وتقاليد الشعب السوري، وبرغم أنها تقول إن هدفها إسقاط النظام لكنها لا تقول ماذا بعد ذلك، خاصة أنها رفضت إقامة إمارة تشبه خلافة «داعش»، ولم تتبن إقامة دولة إسلامية كاملة المواصفات، كما لم تعترف بالإسلام السياسي اعترافاً جدياً كاملاً. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الأرضية التربوية والدينية لعناصر هذين التنظيمين هي آراء بعض الفقهاء وآراء الإسلام السياسي وشعاراته العامة. لذلك اهتم التنظيمان بجملة مفاهيم لا علاقة لها بالأهداف العريضة لأي منهما. فعاقبوا المدخنين وفرضوا الحجاب على النساء ومنعوهن من التحرك من دون محرم. كما فرضوا الأتاوات على الناس في المناطق التي يهيمنون عليها باسم الزكاة أو بديلاً عنها، وطبقوا على غير المسلمين مبادئ ومفاهيم وسلوكاً بدائياً لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالتقاليد. ودمروا الكنائس (التي أمر الإسلام دائماً بالحفاظ عليها) ورحّلوا الأقليات الدينية من مساكنها وقراها ومدنها. بل وازداد الشطط والصلف والعسف فاعتبروا الإيزيديات سبايا وباعوهن في المزاد العلني أو تزوجوا بهن وكادوا يفرغون المنطقة من الأقليات الدينية بقرارات هوجاء من قادتهم، فضلاً عن فرض عقوبات بالغة الشدة على أخطاء بسيطة جداً. فقد اكتشف «داعش» مثلاً أن أحد القضاة «الشرعيين» في منطقة الرقة حكم على عدد كبير من الناس بالإعدام وتبين فيما بعد أنهم غير مرتكبين، وبالتالي فقد مورست على هؤلاء عمليات قتل غير مبررة حتّى.
هكذا، استباح تنظيما «داعش» و «النصرة» حياة الناس السوريين والعراقيين وطبقا عليهم أقسى أنواع العقوبات وأشدها وحشية. وعندما كان عناصرهما يشعرون أنهم ارتكبوا جرائم بحق الناس، كانوا يقولون لا بأس، فهذه وسيلة لتخويفهم ولخدمة التنظيم وبالتالي للإسلام. ومن طرف آخر، قامت تنظيمات مسلحة عديدة معظمها «متأسلمة»، سواءً في غوطة دمشق أم في حلب وشمال سوريا، وبعض هذه التنظيمات يستمد أفكاره من الإسلام السياسي وخاصة من «الإخوان المسلمين». والملاحظ أن هذه الفصائل المسلحة تتجه مع الزمن وتغير الظروف إلى التطرف، ومع أنها لم تنضم إلى «داعش» و «النصرة» بل تتحارب معهما أحياناً، لكن هذا لا يلغي أنها بدورها تزداد تطرفاً خاصة أنها تأتمر مباشرة بأوامر الداعمين لها مادياً وتسليحياً. وهذه الفصائل ترفض الخضوع للتنظيمات السياسية المعارضة وكذلك للقرارات الدولية، ولها منطقها ومنطلقاتها وأهدافها التي تعمل لتحقيقها بمعزل عن توجهات المعارضة السياسية الداخلية والخارجية، من دون الاهتمام بتنظيمات هذه المعارضة، وهي لا تمتثل غالباً إلا لآراء الداعمين والممولين.
لم تستطع السلطة السورية منذ البدء، أن ترى مخاطر تعاونها مع الإرهابيين وافترضت أنهم سيكونون نصيراً لها، ولم تفترض أنهم سيتغولون ويشكلون خطراً حقيقياً عليها وعلى الشعب السوري، وفي هذا الإطار بدأت السلطة السورية تدفع ثمناً غالياً بدل أخطائها المتعلقة برعايتها العناصر المتطرفة، بدءاً من العام الثاني للثورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*