هل تحالفت واشنطن مع الفصائل الشيعية؟

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 4:19 مساءً
هل تحالفت واشنطن مع الفصائل الشيعية؟

مصطفى حبيب
تتواصل الغارات الجوية للتحالف الدولي على مراكز “داعش” في المدن العراقية فيما تحارب الفصائل الشيعية المدعومة من إيران التنظيم المتشدد براً في المدن ذاتها، إنه تحالف غير مسبوق بين الفصائل الشيعية وأميركا.
تطورات دراماتيكية أحاطت بالوضع الأمني في العراق خلال الأيام القليلة الماضية إذ عادت الفصائل الشيعية المعروفة باسم “الحشد الشعبي” إلى القتال ضد “داعش”، ولم تعد واشنطن تنتقد هذه الفصائل بل بدأت تساعدها عبر القصف الجوي.

بعد سقوط مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بيد التنظيم المتشدد منتصف الشهر الماضي بسبب انهيار الجيش العراقي وانسحابه دون قتال، أصبح العراق والتحالف الدولي أمام واقع جديد إذ بات التنظيم يهدد بغداد والجيش العراقي، فيما فشلت الغارات الأميركية في مهمتها، ولم يبقَ سوى حل واحد وهي الفصائل الشيعية التي باتت الأقوى في العراق والوحيدة القادرة على مواجهة داعش.

بعد ساعات فقط من سقوط الرمادي أعلنت جميع الفصائل الشيعية وأبرزها “بدر” و “عصائب أهل الحق” و “كتائب حزب الله” و “سرايا السلام” وغيرها حالة الاستنفار وطلبت من مقاتليها الالتحاق بمقرات الفصائل، وعادوا لتنفيذ مهام قتالية ضد داعش للمرة الأولى بعد تحريرهم مدينة تكريت في الأول من نيسان (أبريل) الماضي.

تطورات عديدة حدثت في الأيام القليلة الماضية، إذ انخفضت الانتقادات التي توجهها الفصائل الشيعية إلى الولايات المتحدة كما إن الولايات المتحدة لم تعد تنتقد هذه الفصائل، بينما كانا قبل أسابيع يتبادلان شتى الاتهامات.

الشائعات التي كانت تروِّج لها الفصائل الشيعية عبر وسائل الإعلام التي تمتلكها هي إن الولايات المتحدة تقوم بمساعدة داعش وتمنحها السلاح عبر الطائرات، وتقوم بقصف جنود “الحشد الشعبي” لكن تلك الشائعات اختفت من الإعلام جميعها ولم يعد أحد يذكرها.

الولايات المتحدة لم تعد ترفض العمل مع الفصائل الشيعية المدعومة من إيران في القتال ضد داعش، بل إن طيران التحالف الدولي يقوم بتوفير غطاء جوي للفصائل الشيعية التي تقاتل داعش براً في الأنبار.

في 26 آذار (مارس) الماضي قال الجنرال لويد أوستن قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي التي تشرف على القوات في الشرق الأوسط خلال جلسة استماع للكونغرس “بعد خدمتي ثلاث مرات في العراق وقيادة جنود تم التعامل معهم بوحشية من قبل بعض الميليشيات الشيعية فأنا لن أنسق أو أتعاون معها”.

هذا القول يؤيده العديد من القادة السياسيين والعسكريين الأميركيين بشكل كامل، لأن واشنطن لا تريد أن تقوم الفصائل الشيعية بتحرير المدن السنية، بل تريد تدريب أبناء العشائر السنية وتشكيل “الحرس الوطني” وتسليحهم لتأدية المهمة.

لكن الولايات المتحدة وجدت نفسها في كارثة حقيقية بعد سقوط الرمادي إذ إن داعش أصبح على مشارف بغداد حيث تمتلك واشنطن أكبر سفارة في العالم تضم آلاف الموظفين، أما الجيش العراقي والقوات الخاصة التي درّبها الجيش الأميركي فانسحب دون قتال.

الكارثة الأخرى التي واجهت الولايات المتحدة هي تزايد كره السياسيين السنّة لها خصوصاً في الأنبار، ويقول نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار صالح العيساوي لـ “نقاش” إن “السفير الأميركي وعدنا قبل شهور بأن بلاده لن تسمح بسقوط الرمادي بيد داعش، ولكنهم اخلفوا وعدهم ولا نستطيع أن نثق بهم”.

الولايات المتحدة لا تمتلك قوة برية لمعالجة الأخطاء ولديها قوة جوية فقط، وأثبتت الشهور الماضية عدم وجود أي فائدة كبيرة من هذه الغارات بعد عشرة أشهر من انطلاقها “هناك 14 غارة جوية تجري في العراق يومياً معظمها تعود دون أن تقصف أهدافها” كما يؤكد الحاكم الأميركي السابق بول بريمر في مقابلة مع “سي إن إن” الأسبوع الماضي.

الانهيار المتكرر لوحدات الجيش العراقي وفشل الخطة الأميركية بتسليح العشائر السنية، والفشل في تشكيل “الحرس الوطني” أجبر واشنطن على الموافقة على دخول الفصائل الشيعية إلى الأنبار ومحاربة “داعش” كقوة برية، بينما تستمر طائرات التحالف الدولي في القصف الجوي.

قبل ثلاثة شهور أوقفت واشنطن غاراتها الجوية على مدينة تكريت بعدما اقتربت الفصائل الشيعية منها، وطالب مسؤولون أميركيون الحكومة العراقية آنذاك بإبعاد هذه الفصائل مقابل عودة الدعم الجوي، لكن الأمور تغيّرت اليوم فالطائرات الأميركية والفصائل الشيعية يقاتلان معاً ضد داعش في الأنبار.

الأسبوع الماضي تلقى النقيب عامر الساعدي الذي يعمل ضمن وحدة عسكرية في معسكر “الحبانية” في الأنبار اتصالاً من وزارة الدفاع جعلته يطير فرحاً، إذ تم إبلاغه بأن السلاح الذي كان يطالب به منذ شهور سيصل إليه في غضون أيامٍ قليلة.

الساعدي تحدث لـ “نقاش” عن الأمر وقال “إنها معجزة، أخيراً حصلنا على سلاح مضاد للدروع يستطيع تدمير العجلات العسكرية التي كانت لدينا ويستخدمها داعش اليوم ضدنا بعد تفخيخها بالمتفجرات دون أن نتمكن من إيقافها قبل وصولها إلينا لأننا لا نمتلك السلاح المناسب لتدميرها”.

داعش استولى على آلاف الدبابات وناقلات الجنود وعربات “هامر” من وحدات الجيش بعد سيطرته على مدن الموصل وتكريت والأنبار، وهذه العربات مصفحة جيداً ضد التفجيرات وهي أميركية الصنع لكن داعش استخدم جزء من هذه العربات لتفخيخها وتفجيرها على القوات الأمنية بواسطة الانتحاريين.

قوات “البيشمركة” الكردية التي تقاتل داعش شمال البلاد، حصلت منذ العام الماضي على سلاح من ألمانيا اسمه “ميلان” يستطيع تدمير العجلات الأميركية التي يستخدمها “داعش” في التفجيرات الانتحارية.

لكن الجيش العراقي لم يحصل عليها لأسباب غير معروفة، ويقول بعض المسؤولين في بغداد إن الاتحاد الأوربي يخشى من وصول المساعدات العسكرية إلى الميليشيات الشيعية، ولهذا السبب تكتفي بدعم البيشمركة والحكومة العراقية تحترم رغبة الاتحاد الأوربي.

النقيب الساعدي قال أيضاً “طلبت من قادتي في وزارة الدفاع منذ العام الماضي ضرورة حصول الجيش على أسلحة مضادة للدروع، ولكن الإجابة كانت تأتيني بان الحكومة لا تمتلك مثل هذه الأسلحة، ولكن قبل أيام وافقت الولايات المتحدة على تزويدنا بسلاح يدعى (AT4) يستطيع تدمير الدبابات الأميركية”.

الملاحظة المضحكة هي إن الولايات المتحدة سلّحت الجيش العراقي بعجلات عسكرية من صناعتها منذ 2003 وحتى انسحاب الجيش الأميركي عام 2011، واليوم تقوم بمنح الجيش العراقي سلاح لتدمير هذه العجلات.

النقيب الساعدي يعتقد إن اتفاقاً حصل بين الولايات المتحدة وبين الفصائل الشيعية بوساطة الحكومة وبعدها وافقت واشنطن على تزويد الجيش بهذا السلاح، لأنه قبل شهور كانت العلاقة سيئة بين الفصائل الشيعية وواشنطن، وكانت الأخيرة ترفض إرسال أسلحة بسيطة إلى الحكومة لخوفها من أن تحصل الفصائل الشيعية على هذه الأسلحة”.

قبل أيام قام المتحدث الرسمي بأسم الفصائل الشيعية أو “الحشد الشعبي” أحمد الاسدي بزيارة إلى الولايات المتحدة، ومعروف إن الأسدي يترأس فصيل “كتائب جند الإمام” أحد فصائل “الحشد الشعبي” التي تقاتل داعش في صلاح الدين.

لم يعرف أحد سبب الزيارة وامتنع عدد من المسؤولين الذين اتصلت بهم “نقاش” عن التعليق بشأن تلك الزيارة ولكن التوقعات تشير إلى وجود تقارب ونقاشات بين المسؤولين الأميركيين وبين “الحشد الشعبي” خصوصاً بعدما أصبح “الحشد الشعبي” القوة العسكرية الأساسية في العراق.

أحد المسؤولين المقرّبين من رئيس الوزراء حيدر العبادي قال لـ “نقاش” إن “التحالف الدولي بدأ يغيّر وجهة نظره من الحشد الشعبي فبعدما كان يرفضه بات لا يمانع أن يعمل معه”.

هذا المسؤول الذي رافق العبادي خلال انعقاد مؤتمر باريس الثلاثاء الماضي لمناقشة إستراتيجية التحالف الدولي ضد داعش قال أيضاً إن “ممثلي الدول الكبرى في المؤتمر وافقوا على خطة قدمها العبادي لمحاربة التنظيم المتشدد تضمنت مشاركة الحشد الشعبي ولم يمانع أحد”.

تغيّر موقف الولايات المتحدة من الفصائل الشيعية وتوقف الفصائل الشيعية عن انتقاد الولايات المتحدة يربطه مراقبون بالاتفاق النووي الإيراني بين واشنطن وطهران، ويعتقد العراقيون إن هذا الاتفاق سيكون في مصلحتهم لأنه سينهي تنافساً بين واشنطن وطهران على النفوذ داخل العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

رابط مختصر