الموصل نظيفة ومعزولة وسكانها ملتحون ومنقبات

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 4:22 مساءً
الموصل نظيفة ومعزولة وسكانها ملتحون ومنقبات

خالص جمعة
عاماً كاملاً انقضى منذ احتلال تنظيم “داعش” للموصل ثاني أكبر مدينة عراقية، شهدت خلاله المدينة انقلاباً دراماتيكياً شاملاً في المجالات كافة.
منذ بداية شهر حزيران(يونيو) 2015 يدور حديث بين الموصليين في الذكرى السنوية لسيطرة داعش على مدينتهم ولكل منهم قصته التي يرويها، لكن ثمة قصة عامة يعيشها جميع السكان تحاول “نقاش” روايتها في هذا التقرير بعدما أجرت اتصالات مع بضعة مواطنين عاشوا طوال السنة الماضية تحت سيطرة المتشددين.

التغيير الذي فرضه وجود تنظيم متشدد دينيا طاول جوانب الحياة جميعها غير إنه قاسي بشكل كبير على الوضع الاجتماعي في الموصل المعروفة بتنوعها الديني والقومي.

الباحث الاجتماعي سعيد محسن يقول إن المدينة خلت لأول مرة في تأريخها من المسيحيين والشبك والتركمان الشيعة بسبب ممارسات “داعش” الذي لم يكتفِ بطردهم خارج المحافظة بل صادر ممتلكاتهم أيضاً.

“الشرخ الكبير الذي حدث بين المكونات الاجتماعية من الصعب إصلاحه بعد اليوم حتى إن عودة المهجرين من الأقليات إلى منازلهم ستكون خياراً صعباً جداً بالنسية لهم” يضيف محسن.

ويقول إن وجود “داعش” غذى على نحو غير مسبوق الصراع المزمن بين الريف والمدينة، ليرجح كفة القرويين الذين أصبحوا أصحاب اليد الطويلة في الموصل بدون منازع، وهو أكثر ما يزعج المتمدنين من السكان فقد وجه التنظيم ضربة قاضية لنفوذهم وبات يهدد وجودهم أيضاً.

تعميم “الداعشية” على سكان الموصل

داعش حرصت على تغيير وجه المدينة لا سيما فيما يتعلق بالمعالم الدينية والحضارية، إذ قام التنظيم بحملة من التفجير والتجريف للجوامع والكنائس والمواقع الأثرية المهمة ولا يوجد ضمان بأن ما بقي منها سيسلم من التفجير.

وخلال سنة واحدة تحوّلت الموصل إلى مدينة ملتحية ومنقّبة، تصلي في المساجد ولا تشرب الكحول ولا تدخن السجائر في العلن، إنها حلم المتطرفين الإسلاميين.

“حياتي تغيّرت كثيراً، زوجي أطلق لحيته وأنا وابنتي التي لم تتجاوز ربيعها الحادي عشر ارتدينا النقاب التزاماً بأوامر ديوان الحسبة، ولم أعد قادرة على الخروج بمفردي إلى أي مكان إلا إذا رافقني رجل من العائلة” تقول سعاد ياسر وهي موظفة جامعية.

يعود الباحث الاجتماعي سعيد محسن ليقول إن تعميم صفات “داعش” أمر مدروس والتركيز على الملبس والسلوك أيضاً بل حتى الألفاظ التي يرددها المتشددون بدأت تلقى رواجاً بين الناس دون أن ينتبهوا، فالقوي يفرض نفسه دائماً.

ويضيف “الأطفال والمراهقون أسرع تأثراً في مثل هكذا ظروف، وينجذبون لأجواء العنف والمغامرات بسرعة، ويشاهدون جرائم قطع الرؤوس وبتر الأيدي والرجم والرمي من البنايات العالية، وسوف يكونون مصدر عنف مُدمر في المجتمع.

إفقار الموصليين وترفيه عناصر “داعش”

اقتصادياً تستمر حالة الشلل التام في جميع القطاعات التي كانت تديرها الحكومة العراقية وهو ما انتج جيشاً جراراً من العاطلين عن العمل، لكن القصة الأبرز هي إن التنظيم المتشدد يعمل على إفقار السكان.

“يحاربوننا في أرزاقنا ويسعون لإفشال أي مشروع يدر مالاً، ولم يعد هناك أغنياء في المدينة، وبدأت تظهر فئة من ميسوري الحال معظمهم من عناصر يعملون مع داعش” يقول تاجر سجائر يدعى سيد لطيف.

التاجر أصبح عاطلاً عن العمل منذ عشرة أشهر بسبب منع تجارة السجائر، وبعدما تحوّل إلى مهرِّب خسر أمواله بعد القبض عليه من قبل الشرطة الإسلامية.

“اعتقلوني 25 يوماً وقرر القاضي الشرعي فرض غرامة قدرها 30 مليون دينار ومصادرة كميات كبيرة من البضاعة المهرَّبة، لقد فقدت كل ما أملك” يتابع لطيف.

بات واضحاً إن “داعش” يتدخل في كل عمل يدر مالاً ليضمن حصته من الأرباح، ويوماً بعد آخر تطول قائمة الممنوعات والمحرمات لديه .

ويعتقد التاجر إن هدف المتشددين هو إفقار الناس لدفعهم مجبرين إليه فعناصر التنظيم ومناصروه يحصلون على رواتب مغرية وتسهيلات في إقامة المشاريع إلى جانب الغنائم من ممتلكات المسيحيين والشيعة والسنة المطاردين.

قضاة داعش يضربون السجناء بالحذاء

في الجانب الأمني المدينة مازالت بعيدة المنال عن القوات الأمنية الحكومية والتنظيم المتشدد هو الذي يدير الامن هناك.

“المدينة آمنة بنسبة 90 في المائة وهذا من إنجازات التنظيم ولسنا قلقين إلا من قصف طائرات التحالف الدولي” يؤكد المهندس سعد عبدو أحد الموظفين السابقين في محافظة نينوى وهو اليوم يؤيد داعش.

المعارضون للأوضاع يستشهدون بالخسفة التي ألقى التنظيم فيها مئآت الجثث لأشخاص كانوا عناصر أمن أو مرشحين في الانتخابات أو صحفيين أو رافضين لدولته الإسلامية.

يعتمد “داعش” في ضبط الأمن في مدينة بحجم الموصل على جهاز الشرطة الإسلامية والأمن والاستخبارات، لكن رأس ماله الحقيقي هو الرعب الذي بثه في قلوب السكان مبكراً فقد حرص على تنفيذ أشد العقوبات منها قطع الرؤوس وبتر الأيدي والإلقاء من أبنية عالية والرجم، وجميع هذه العقوبات يتم تطبيقها ضد المخالفين لأوامره أو المعارضين لمشروعه في أماكن عامة، ويجبر الناس على مشاهدة كيفية إنزال العقاب بالمخالفين.

عمر خضير (35 عاماً) خضع للاحتجاز ثلاثة أسابيع في أحد السجون روى لـ”نقاش” كيفية تعامل عناصر داعش مع السجناء ويقول “تلقينا أنواعاً مختلفة من التعذيب وهي أساليب كان الأميركيون وأفراد الأمن العراقي يمارسونها ضد المعتقلين.

ويضيف “أوصلوني إلى درجة الموت مرات عدة لأنني كنت أُهرِّب السجائر، وأصعب موقف مررت به عندما اقتادوني إلى حفرة الخسفة وقالوا سنقتلك اليوم ونرميك هنا، لكنهم أعادوني إلى السجن”.

ويؤكد “القاضي الشرعي المختص بقضايا التهريب كان يضربنا بالحذاء على رؤوسنا وبعض المسنين أُصيبوا بالإغماء من شدة الألم”.

الموصل أنظف والاتصالات ما تزال مقطوعة

يحاول “داعش” تقديم نفسه للمواطنين على أنه دولة قادرة على إدارة جميع شؤونهم، فبدأ قبل شهور حملة لتنظيف المدينة وتبليط وإنارة الشوارع وتنظيم الحياة فيها، وهو ما يعده المهندس سعد عبدو وجميع أنصار الدولة الإسلامية إنجازا كبيراً عجزت عن تحقيقه الحكومات العراقية منذ عام 2003.

لكن عملياً الموصل مُحاصرة، وعناصر داعش يمنعون خروج المدنيين ولا يسمحون لهم بالمغادرة إلا بشروط شبه تعجيزية.

سميرة حسن (موظفة متقاعدة) احتاجت ثلاثة أيام للوصول من الموصل إلى بغداد هي وعشرة أشخاص لديهم مراجعات للدوائر الرسمية في العاصمة.

تقول حسن لـ”نقاش” إنها رهنت بيتها عند الدولة الإسلامية لكي يُسمح لها بالسفر لمدة 20 يوماً، وإن تجاوزت المدة ولم ترجع تتم مصادرة منزلها، هذا هو أحد أساليب داعش لإجبار الناس على البقاء في المدينة.

أما المنفذ الوحيد الذي ما زال سالكاً إلى سوريا وتحديداً مدينة الرقة ومنها إلى تركيا، فهو يمثل المكان الرئيس الذي يسلكه الموصليون اليوم إلى إسطنبول وأنقرة وغازي عنتاب لسهولة إجراءات الإقامة هناك رغم إن السفر لا يخلو من مخاطر ومشاق.

وبمناسبة مرور عام على وجودها احتفلت الدولة الإسلامية على طريقتها في الموصل بتوزيع الحلوى وتسيير مواكب سيارة ورفع أصوات الأناشيد الحماسية فضلاً عن جعل المناسبة موضوعاً رئيساً لخطبة الجمعة الموّحدة في الجوامع لكسب المزيد من الأتباع تحت شعار “باقية وتتمدد”.

لكن هذه المناسبة تفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات بطعم الخوف والمجهول، ماذا بعد؟ وإلى متى تستمر السيطرة لـ”داعش” ؟ وما مصير السكان عندما تبدأعملية تحرير المدينة، هل من مفر وإلى أين؟

رابط مختصر