طالب بريطاني يكتشف كوكبا… أين التعليم العربي؟ … رأي القدس

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 13 يونيو 2015 - 2:54 مساءً
طالب بريطاني يكتشف كوكبا… أين التعليم العربي؟ … رأي القدس

اسمه توم واج، صبي عادي عمره خمسة عشر عاما، ينتمي الى اسرة متوسطة الحال. قرر ان يستفيد من اجازته الصيفية في متابعة شغفه بابحاث الفضاء. اقتنص فرصة «اكتساب خبرة» في جامعة كيل في مقاطعة ستافوردشاير البريطانية. كان يراقب نجما يبعد عن الارض الف سنة ضوئية في مجرة تدعى «هيدرا»، عندما لاحظ ان الضوء المنبعث منه يشهد خفوتا لحظيا. تابع تجاربه ودراسته للنجم بدقة، حتى تأكد انه اكتشف كوكبا جديدا يدور في فلك ذلك النجم في الفضاء السحيق. وقبل يومين فقط تمكن كبار العلماء الاوروبيين من الاعلان رسميا، وبعد عامين من الدراسات العلمية المستفيضة، ان ذلك الصبي البريطاني النابه قد تمكن من اكتشاف كوكب، ومنحوه الاسم الرمزي WASP-142b.
وفي بلاد ليست معروفة بالمبالغة عندما يتعلق الامر بالانجازات العلمية، قال البروفيسور المتخصص في علوم الفيزياء كول هيلير « ان توم صبي مثير للانتباه، ومن حقه ان يكون فخورا جدا».
نعم انه انتصار اسطوري لتوم واج وعائلته الفخورة به، ولاساتذته وزملائه الذين استقبلوه استقبال الابطال. الا انه في الحقيقة انتصار اكبر لنظام التعليم البريطاني الذي منح صبيا في هذا العمر قدرة استثنائية على البحث العلمي المستقل، والقراءة النقدية والاستنتاج ومن ثم الاكتشاف. وقبل ان نطرح السؤال المؤلم «اين التعليم العربي؟» يجدر بنا ان نتوقف قليلا عند حقائق قليلة تتعلق بنظام التعليم البريطاني الذي نجح في تأهيل «عالم» في هذا العمر.
اولا: ان ثلاثة وتسعين في المئة من الاطفال بين السادسة والثامنة عشرة في بريطانيا يتلقون تعليمهم في مدارس ممولة حكوميا.
ثانيا: ان التعليم خلال هذه الفترة العمرية الزامي بالقانون، ومجاني الا من نقود قليلة جدا قد تطلبها المدرسة من التلاميذ لقاء المشاركة في انشطة اجتماعية ورياضية اختياريا، او لتعليم الاطفال ثقافة التبرع والعمل الخيري.
ثالثا: ان نسبة الحضور القانونية للطالب في العام الدراسي يجب الا تقل عن خمسة وتسعين في المئة، بما في ذلك ايام الغياب لاسباب مرضية. وفي حال تجاوز الطالب هذه الفترة من حق المدرسة اتخاذ اجراءات قانونية عبر السلطات البلدية والقضائية التي قد تعاقب اسرة الطفل بما تراه من عقوبات.
رابعا: ان تنمية المهارات والمواهب الفردية في البحث العلمي، والقدرة على التفكير النقدي، وتنمية قيم التسامح مع الآخر، والاحترام المتبادل، والالتزام والانضباط بالقوانين، تمثل الركيزة الاساسية للعملية التعليمية، حسبما تؤكد وزارة التعليم البريطانية.
ويعرف من يعيش في بريطانيا، ان بعض المدارس الابتدائية تكلف تلاميذها الذين قد لا يتجاوزون السابعة من اعمارهم بعمل ابحاث علمية بمساعدة الانترنت حول موضوعات مثل الفضاء، او اكتشافات او احداث تاريخية، ثم تترك للطالب ان يختار الشكل الذي يقدم فيه بحثه، لتشجيعه على الابداع. ومع الحرص على الاستفادة الكاملة من عصر الاتصالات الرقمية، والشغف الكبير للاطفال باليوتيوب واجهزة الكمبيوتر، تضع المدارس قواعد صارمة لحماية الاطفال خاصة من اضرار دخول ذلك العالم الافتراضي.
وبالطبع لن تكفي هذه المساحة للاحاطة بالفجوة الهائلة التي تفصل نظاما تعليميا مثمرا يخضع باستمرار للتحسين والتطوير، عما نعرفه من الاوضاع الصعبة التي يعانيها التعليم في كثير من بلادنا العربية، حيث اصبحت مناهج كثيرة تنتمي الى الماضي، او مازالت تركز على القدرة على الحفظ والاستذكار دونما فهم ناهيك عن الابداع او النقد، وتحولت العملية التعليمية الى تجارة عبر استشراء الدروس الخصوصية وشراء الشهادات العلمية. ويكفي ان نراجع سريعا الاخبار التي انتشرت مؤخرا في مصر حول حالات الغش في امتحان الثانوية العامة عبر الفيسبوك، والمدرس الذي استأجر دار سينما في القاهرة لتستوعب عدد طلابه في المراجعة النهائية، حيث اصبح «النجاح في الامتحان» وليس «التعليم» هو كل ما يهم.
واذا تجاوزنا الانهيار الحاصل في «جودة التعليم» في اغلب البلاد العربية، نجد انه مازالت هناك بلاد عربية غير قادرة على توفير اي قدر من التعليم اصلا لبعض ابنائها. ويقول التقرير العاشر للرصد العالمي التعليم للجميع (2012) الصادر عن اليونسكو، والذي يتناول موضوع «التعليم من أجل العمل» أن ثمة حاجة ملحة إلى الاستثمار في تنمية مهارات الشباب، اذ تفيد البيانات المتوافرة بشأن الدول العربية بأن أكثر من 10 ملايين شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً لم يكملوا مرحلة التعليم الابتدائي، وهم يحتاجون بالتالي إلى حلول بديلة لاكتساب المهارات الأساسية التي تتيح لهم أن يعملوا»(لابد ان هذا العدد تضاعف الآن بعد الاحداث في سوريا والعراق وغيرهما).
واخيرا لا نقول ان التعليم وحده قادر على ان يحل مشاكل العالم العربي، لكننا نؤكد انه لاحل لاغلب مشاكلنا، ولا امل في مواجهة التطرف والبطالة والفقر والتخلف العلمي، الا بنهضة تعليمية حقيقية في العالم العربي.

رأي القدس

رابط مختصر