اعترافات اول سنين داعش … سرمد الطائي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 3:17 صباحًا
اعترافات اول سنين داعش … سرمد الطائي

بعد نحو سنة من انتكاستنا مع داعش، لم تعد تدهشني قدرة الكذابين على الكذب. انهم يكذبون “لمصلحة الامة”. ويحرفون الحقائق “لمصلحة الامة”. لكن تدهشني قدرة الناس على تصديق الكذب. فبامكان اي صورة مع تعليق ناري، ان تخلق هستيريا جماعية في ظل غياب مرير لقواعد تحديد المصدر الموثوق. ان “غرف الوتساب” التي صارت “مقاهي ديجيتال” في هواتفنا، تفضح كمية الانخداع التي نعيشها، وها نحن نشاهد كيف يقع حتى النخب في فخاخ صبيان يتلاعبون بالتصريحات والمعلومات والصور. ولا اعتقد ان الكذب ساهم في خراب الديار كما يساهم اليوم. ان التدريب على معالجة الكذب اهم من اي اصلاح سياسي في هذه اللحظة. ولكن هيهات! فبينما اصبح الكذابون اكثر فاعلية، وصار الناس اكثر قابلية على تصديق التحريفات، اصبحنا اقل قدرة على الصراحة والافصاح والبوح والكلام، مقارنة بالعام الماضي. اذ تمر احداث جسيمة دون ان تحظى منا بتعليق يوازي خطورتها. وحين يحدث هذا اسأل اصدقائي: هل ترون كيف صمتنا على القضية الكذائية؟ فيجيبني معظمهم: لنصمت ونرى ما يحصل.
انه مؤشر سيء للغاية. والدليل اننا لسنا نحن الوحيدين الذين نجرب الصمت بعد مرور سنة على داعش. فحتى الزعماء ومسؤولي الخط الاول، كانوا اعلى صوتا قبل عام. كانوا يطالبون بالتغيير يملؤهم الامل بامكانية ذلك، او انهم كانوا سعداء بالحديث عن تلك الافكار. اما اليوم فهم مشغولون بالبارود والشهداء وتمدد “الخليفة” وكل هذه الكراهية المتبادلة، وصارت نبرتهم اخفض وحماسهم للاصلاح والحوار الداخلي اقل.
وفي نفس المسار لم نعد نسمع اشياء واضحة من الرقابة البرلمانية حتى بمستوى التنبيه. بات مجلس النواب حلبة ملاكمة يومية. بل ان الشعب نفسه منشغل بتكفير بعضه، ويندر ان اثار المتظاهرون ملاحظات الاعوام السابقة، مثل احتجاجات الحاج شيال على الكهرباء، او اعتراضات البصاروة على عدم امتلاكهم محطة تحلية مياه البحر التي غمرت شط العرب. حتى قضايا كبيرة مثل ميناء مبارك الكويتي، نسيناها بعد ان كنا نقول قبل ثلاثة اعوام: ان هذا الميناء سيخنق ساحلنا الضيق قرب ام قصر، نتيجة قصور في مفاوضاتنا مع الاشقاء الكويتيين وتفوقهم علينا في تفاهمات اقليمية ودولية وتجارية وقانونية. من يأبه الان لضياع بحرنا الصغير بعد ضياع برارينا الواسعة، وتحول ملايين الاهالي الى نازحين في الخيام، يركبنا عار التفرج العاجز على مأساتهم؟
حتى رئيس الحكومة حيدر العبادي، كان يذهب الى الامم المتحدة والمؤتمرات الدولية فخورا بكل امال الاصلاحات وشعاراته، لكنه هذه المرة كان يتحدث في باريس بغصة واضحة، وتقريبا لم يجد اي شيء متماسك يلتزم به امام الدنيا، كما ان الدنيا لم تقدم له وعدا واضحا. كل ما قاله للعالم: ان التحالف الدولي مقصر معنا. وكل ما سمعه من العالم: انتم ايها العراقيون متباطئون في فعل ما يلزم للتصالح السياسي!
انه عام مع داعش اذن، مات خلاله بشجاعة، الاف الشباب العراقيين، لكنه مقياس مؤلم للزمان السياسي، فقد كنت شخصيا اكثر تفاؤلا قبل سنة، وها انا اكثر تشاؤما اليوم. ليس بسبب اننا كعراقيين لم نبذل الجهد الكافي لمقارعة داعش، ولكن لان عجز القيادات العليا عن اتخاذ قرارات كبيرة، يبدو واضحا ايما وضوح، فهذه القرارات المحلية تشابكت مع مسار دولي رهيب، اخشى ان نصبح فيه شبه متفرجين مسلوبي الحق في اتخاذ القرار نصف الصائب.
الى اي حد لدينا الحق في ان نتشاءم، اذا كان هذا الشعور يدعونا لليأس ومزيد من الخسارة والاستسلام؟ ان واحدة من اساليب تخفيف التشاؤم، هو مراجعة اسباب تفاؤلنا الخجول في الخريف الماضي، والذي بات عرضة للنسيان مع تباشير قساوة الصيف

رابط مختصر