الرئيسية / ملفات و تقارير / أميركا تشرِّع تقويض الحريات بذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب

أميركا تشرِّع تقويض الحريات بذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب

usa peopleستستأنف وكالة الأمن القومي الأميركية جهودها لجمع البيانات بعد انقضاء ستة أشهر، التي ينص عليها التعديل الجديد وترحيل صلاحية التخزين إلى شركات الخدمة المتعددة. حينئذ ستعمد الوكالة لاستنطاق محتويات البيانات بناء على ما تقتضيه الحاجة – كما أرادت.

ذُهل العالم بحجم وطبيعة الوثائق والأسرار التي كشفها صاحب الضمير الحي إدوارد سنودن عن سلطة ونفوذ وكالة الأمن القومي وتجسسها على كل ما يتعلق بمكالمات هاتفية، بداية، ومن ثم تبين أنها تتنصت وتجمع بيانات كافة الاتصالات الهاتفية والإلكترونية للمواطنين الأميركيين، وكامل ما يصدر عن أو تتلقاه الأجهزة والمعدات الأميركية على نطاق العالم أجمع.
كان لكشف سنودن، منتصف عام 2013، وقع الزلازل الأرضية على سمعة وهيبة الولايات المتحدة وأجهزتها المختلفة، ونشره تباعا وضمن خطة مدروسة لوثائق وكالة التجسس لناحية عدم خضوعها لأي جهاز أو دوائر رقابية، لدى أصدقائها وحلفائها الذين أصابتهم المفاجأة في ما تم الكشف عنه، لا سيما في ألمانيا ودول أخرى.
دخلت المؤسسة الحاكمة الأميركية في صراع في ما بينها، منذ شهر تشرين الاول / اكتوبر عام 2013، لاحتواء الأزمة والإيحاء بتقبلها إدخال إصلاحات قانونية واعتماد إجراءات شفافة لتقييد سيطرة الوكالة ويدها الطولى، وتداولت لجان متعددة في الكونغرس مشاريع قرارات مختلفة في هذا الشأن.
أهم وأخطر ما كشف عنه سنودن كان الفصل 215 من “قانون الباتريوت”، او مكافحة الإرهاب، الذي وفر الأرضية والمبررات القانونية للوكالة للتنصت وجمع بيانات هائلة غير مسبوقة في حجمها ومحتوياتها والاحتفاظ بها، منذ اقرار القانون عقب احداث ايلول 2001. وافادت الوثائق ان الوكالة “جمعت واحتفظت بصورة سرية كل ما يتعلق بالاتصالات الهاتفية والالكترونية لكافة الأميركيين” دون استثناء.
تدارك الرئيس أوباما خطورة الجدل والرفض الشعبي والدولي، واعلن في كانون الثاني / يناير 2014 عزمه على”انهاء العمل” بنصوص البرنامج وبلورة آليات جديدة تحافظ على قدر من التوازن بين حاجة الدولة أمنيا وصون الحريات الشخصية المنصوص عليها دستوريا في آن واحد. وعكف على العمل المشترك مع قادة الكونغرس، من الحزبين، للتوصل الى صيغة تعديل مقبولة للفصل 215 سيء الذكر، وبنود اخرى مماثلة.
حشدت القوى الشعبية والمؤسسات الحقوقية جهودها مطالبة بانهاء جهود التجسس بالكامل، ومناهضة التعديل، يدعمها التقارير الأمنية الرسمية المختلفة التي تنفي تعرض الولايات المتحدة لهجمات “ارهابية” منذ انسحاب القوات الأميركية من العراق، وربما قبل ذلك التاريخ. يشار الى ان جهود سابقة لتقييد جهود التجسس الداخلي تلقت هزيمة “آنية” بفارق صوتين اثنين في مجلس الشيوخ، عندما طرحت المسألة للتصويت في نهاية العام الماضي. واستفادت تلك القوى المناهضة لانتهاك خصوصيات المواطنين من تلك التجربة، وانتظرت لاعادة طرحها مجددا في الدورة الحالية للكونغرس على الرغم ما طرأ على تركيبته من تغييرات أسفرت عن فوز أغلبية من أعضاء الحزب الجمهوري بمقاعد المجلسين.

تجديد العمل بقانون التجسس

خلال تظاهرة دعم لمؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج في لندن (أ ف ب)

خلال تظاهرة دعم لمؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج في لندن (أ ف ب)

نزولا عند المعارضة الشعبية القوية التي تبلورت بعد كشف إدوارد سنودن عن فضائح التجسس شكل الرئيس أوباما لجنة من خمسة اخصائيين في مجال الأمن والاستخبارات “لمراجعة” جهود تجسس وكالة الأمن القومي. وجاء في توصية اللجنة ان البيانات المستخلصة من الاتصالات الالكترونية والهاتفية “لم تكن ضرورية للحيلولة دون وقوع هجمات ارهابية، بل بالامكان الحصول عليها دون عائق باللجوء الى استصدار اوامر قضائية بذلك”.
صادق الكونغرس مطلع الاسبوع المنصرم على صيغة “توافقية” لتجديد العمل بقانون باتريوت وتوفير الغطاء القانوني لوكالة الأمن القومي والسماح لها “بالاستمرار في جمع بيانات الاتصالات الهاتفية” الخاصة بالاميركيين والاجانب على السواء، وتعديل بعض النصوص الاخرى؛ كما صادق عليها الرئيس أوباما على الفور واتخذت الصبغة القانونية بذلك.
رمى “قانون باتريوت” الى تجديد العمل بمواد ثلاثة للمراقبة شارفت على انتهاء صلاحياتها القانونية، واصلاح نص المادة المثيرة للجدل لدى المواطنين الاميركيين والمنظمات الحقوقية بصورة خاصة، وهي المادة التي خولت وكالة الأمن القومي جمع بيانات الاتصالات الهاتفية دون قيود.
التدقيق في النص المعتمد يقود الى الاستنتاج بأن “القانون” الجديد لا يحد او يقوض قدرة وكالة الأمن القومي على المضي والاستمرار بجهود وآليات التجسس المتعددة؛ خاصة وانه لا يذكر من قريب او بعيد برنامج التجسس الشامل المعروف باسم “بريزم”، الذي افاض سنودن في كشف ابعاده واخطاره. القانون الجديد “يضع حدا لجمع البيانات بصورة جماعية دون تمييز .”. ويحيل تخزينها الى الشركات والمؤسسات التي توفر الخدمات الهاتفية والانترنت، والأهم استثناء برامج التنصت المعمول بها.
المنظمة الحقوقية الشهيرة، النقابة الأميركية للحريات المدنية ACLU، علقت بالقول ان الصيغة الجديدة “تبقي عدد من اجراءات التدخل والتطفل وصلاحيات التجسس الحكومية مكانها دون اي تغيير يذكر .. المسألة المركزية هي هل بامكاننا تبرير كلفة البرنامج (العالية) بغية تعزيز حرياتنا الفردية في ظل العصر الراهن بما يتميز به من تطور تقني عالي”.
أيضا، عبرت “مؤسسة الآفاق الالكترونية Electronic Frontiers Fund”، الداعية لتقييد حركة التجسس، عن استيائها من عدم اعتماد الكونغرس “اصلاحات شاملة لجهود التجسس .. بل انهاء العمل تماما بالمراقبة الشاملة للمواطنين”، كما سبق له في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وما توصل اليه من صيغة نهائية هي عبارة عن “تسوية” وترضية للوكالة ومؤيديها.
لم تنتظر وكالة الأمن القومي طويلا لتبين تماديها في اجراءاتها السرية. اذ كشفت صحيفة “نيويورك تايمز”، 4 حزيران، عن جهود “سرية للوكالة لتوسيع نطاق تجسسها على شبكة الانترنت لتشمل المناطق الحدودية .. في الاراضي الأميركية ودون اللجوء لاستصدار تفويض قضائي .”. واوضحت الصحيفة ان القانون الجديد المعتمد “لا ينطبق على ولا يشمل برنامج التنصت دون اذن قضائي”، تأكيدا لفقرة الاستثناء سالفة الذكر.
على الطرف المقابل، اعتبر ممثلو المؤسسات الأمنية والمصالح التجارية الكبرى المرتبطة بها ان “قانون باتريوت” يشكل اوسع تقويض لجهود الدولة جمع وحفظ البيانات منذ عقد السبعينيات، وما نجم عنه من تشريع قوانين تحد من النشاطات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية بالدرجة الاولى.
دقت تلك الجهات طبول الحرب لتمهيد ارضية التمديد لبرامج وكالة الأمن القومي، دون قيود حقيقية، واعتبرت “قانون مكافحة الارهاب .. انه اثبت عدم فائدته للحيلولة دون تنفيذ هجمات ارهابية”.
المدير السابق لوكالة الأمن القومي، كيث الكساندر، اوضح في وقت متأخر ان وكالته لم تبدِ حماسة لتوكيل شركات الخدمات الهاتفية والالكترونية الاحتفاظ بالبيانات الهائلة نظرا لخشية مسؤولي الوكالة من انكشاف البرنامج السري في حال التوجه للكونغرس طلبا لمزيد من الصلاحيات.
في واقع الأمر، ستستأنف وكالة الأمن القومي جهودها لجمع البيانات بعد انقضاء ستة أشهر، التي ينص عليها التعديل الجديد وترحيل صلاحية التخزين الى شركات الخدمة المتعددة. حينئذ ستعمد الوكالة لاستنطاق محتويات البيانات بناء على ما تقتضيه الحاجة – كما ارادت.
وصف محامي الوكالة السابق، روبرت دايتز، احتدام الجدل حول “الاصلاحات” الواردة بانها “هامشية؛” اي لا يجوز اعتبارها “اصلاحات شاملة”. كما اوضح كبير المحامين السابق لدى وكالة الأمن القومي، ستيوارت بيكر، التداعيات الناجمة عن انكشاف برنامج التجسس قائلا ان “الاضرار التي لحقت بقدراتنا الاستخباراتية هي متواضعة”.
تجدر الإشارة الى كشف منظمة حقوقية حديثا، نقابة الحريات المدنية الأميركية، النقاب عن معلومات تؤكد “استمرار مكتب التحقيقات الفيدرالي في مساعيه لجمع بيانات اتصالات ذات طابع استخباراتي شملت المواطنين الاميركيين .. بتوظيفه اسطول من الطائرات (المدنية) المسجلة تحت اسماء مؤسسات وهمية”، لتتبع مصادر اتصالات هاتفية جرت في ما لا يقل عن 30 مدينة اميركية تمتد على رقعة 11 ولاية وعلى مدى 30 يوما. وتنوي النقابة مقاضاة الجهاز للتيقن من توفر امر قضائي بذلك من عدمه.
أيضا استصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي تفويضا قضائيا، من محكمة سرية، عام 2011 سمحت بموجبه للجهاز القيام بما تقتضيه الضرورة للتجسس الالكتروني واستهداف سيل المعلومات الالكترونية الصادرة عن اجهزة معينة تعود لحكومات اجنبية بعينها. واستغلت التفويض الفضفاض للتعاون مع وكالة الأمن القومي باستهداف شركات خدمة الاتصالات الهاتفية والانترلانت، كما جاء في وثيقة خاصة بالوكالة عام 2012. “سيل الاتصالات المعترضة توفرها الوكالة لمركز مكتب التحقيقات الخاص بالبيانات الالكترونية”، ومقره في احدى ضواحي العاصمة واشنطن.
أستاذ مادة الأمن الالكتروني في جامعة ستانفورد العريقة، جوناثان مائير، اثار مزيد من الشكوك لصحيفة “نيويورك تايمز” حول نوايا اجهزة الاستخبارات قائلا “المعايير التي تعتمدها الوكالة (للأمن القومي) لانتقاء اهدافها تشوبها الضبابية .. من المفترض ان تركز الوكالة جهودها على جهود اجهزة الاستخبارات الاجنبية .. ان الوكالة مخولة بحماية الشبكات الاستخباراتية والعسكرية من القرصنة” خارجية المصدر، وليس في الداخل الاميركي.

تسييس المراقبة والرصد

تنبغي الاشارة الى عزم القوى والأجهزة الأمنية “تجديد” العمل بقانون الباتريوت بكافة بنوده ومواده، وحشدت دعم قادة الحزب الجمهوري وبعض الزعماء من الحزب الديموقراطي في هذا الصدد، دون ادنى اعتبار لقرارات القضاء التي اعتبرت جهود جمع بيانات الاتصالات الهاتفية غير قانونية.
في المحصلة النهائية تلقت تلك القوى لكمة نتيجة عدم التجديد المطلوب منذرة بمسار تغيير لا رجعة عنه، لا سيما فشل جهود الادارة الأميركية صيانة نص الفصل 215 من قانون الباتريوت، سالفة الذكر، واصدار محكمة الاستئناف الفيدرالية قرارها ببطلان ذلك.
قاضي المحكمة المعين من قبل الرئيس أوباما، حسبما تقتضيه صلاحياته الدستورية، جيرارد لينش، عارض بقوة “تفسير” الادارة وتبريراتها للتجديد قائلا “.. ان البيانات والسجلات المعنية تشمل كافة المعلومات المتوفرة، وكذلك البيانات غير المتوفرة بعد .. في حوزة القطاع الخاص، بما فيها السجلات المالية، والطبية، والالكترونية العائدة لكافة الاميركيين”.
واردف لينش ان جهود الدولة للسطو على “البيانات الخاصة ستكون بمثابة انكماش غير مسبوق للحريات (المقدسة) لكافة المواطنين الاميركيين؛” مشاطرا بذلك تحفظات عدد من الزعامات السياسية في الحزبين واتهامهم الادارة “بعدم دستورية انتهاكاتها للحريات الخاصة للاميركيين”.
واسقط قرار المحكمة مساعي زعيم الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الالتفاف على المعارضة الداخلية من الحزبين لتمديد العمل بنصوص قانون الباتريوت، واضطر للقبول بصيغة “معدلة” فازت بالتصويت وارسلت للبيت الابيض للمصادقة عليها وتفعيلها قانونيا. وعليه، كان ماكونيل الخاسر الاكبر، بكل ما يمثله من امتداد للمصالح الأمنية والعسكرية، في نهاية الأمر، اعتبره البعض اشد من خسارة وكالة الأمن القومي عينها.

تسييس الإنتخابات الرئاسية

معركة الحد من نطاق التجسس الداخلي اكتسبت بعدا انتخابيا

معركة الحد من نطاق التجسس الداخلي اكتسبت بعدا انتخابيا

معركة الحد من نطاق التجسس الداخلي اكتسبت بعدا انتخابيا واضطرار المرشحين المحتملين لمنصب الرئاسة التعبير عن مواقفهم في وقت مبكر من بدء الحملة، تزعمها السيناتور الجمهوري عن تيار الحريات، راند بول، الذي وقف وحيدا بين اقرانه الجمهوريين معارضا لتمديد العمل بقانون باتريوت، وما ناله من تأييد شعبي اضافي نتيجة ذلك. ويعود الفضل لبول لمراهنته واستغلاله الوسائط البرلمانية لانهاء العمل بالقانون في موعده، الاول من حزيران الجاري.
من نافل القول ان بول سيترجم “انتصاراته” الاخيرة لحشد قاعدة تأييد من قواعد الحزبين، لا سيما بين صفوف الناخبين الجدد، والذين ينظرون بعين العطف لبرنامج بول الداعي لتقليص حجم ونفوذ اجهزة الدولة وتعزيز الحريات الفردية.
تجدر الاشارة في هذا الصدد ان احد الشخصيات من الحزب الجمهوري المكلفة بصياغة النص الاولي لقانون باتريوت، النائب جيم سينسينبرينر، عن ولاية ويسكونسن، ايضا طور مواقفه بشأن السلطات المفتوحة ودون قيود معربا عن معارضته “لمبالغة الدولة في تبرير جهود المراقبة والترصد. استطلاعات الرأي بين صفوف الناخبين الجمهوريين تؤشر على تأييد متواضع لجهود بول، اذ لم تتعدى نسبة 27%، في لجم سطوة الأجهزة الأمنية.
في المستوى الشعبي، يبرز بول على صدارة قائمة المرشحين عن الحزب الجمهوري، ويتعادل في المرتبة الاولى مع المرشح الاوفر حظا، حاكم ولاية ويسكونسن سكوت ووكر، ومتقدما على غلاة العنصريين والمتشددين وعلى رأسهم جيب بوش، ماركو روبيو، وتيد كروز. المرشح ووكر اصطف الى جانب الفريق الداعي لتجديد العمل بقانون الباتريوت، وكذلك كروز؛ اما روبيو فقد أيد بول في التصويت ضد التجديد. رون بول من جانبه، سيستغل موقفه المتميز في هذه القضية لحشد اوسع قاعدة دعم بين الناخبين الجمهوريين، وخاصة بين الجيل الناشيء والاقليات المؤيدة للحزب الجمهوري ايضا.
في الشق “الليبرالي” من المشهد الانتخابي، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، 5 حزيران، مقالا مذيلا بقلم إدوارد سنودن يعرب فيه تأييده، وامتدادا تأييد الصحيفة وما تمثله من نفوذ، لجهود الحد من التجاوزات الرقابية والتجسس. وقال سنودن “مع كل انتصار قضائي، وكل تغيير في القوانين، نثبت ان الوقائع اشد اقناعاً من (نظرية) الخوف .. في ظرف زمني لا يتعدى شهرا واحدا قرر القضاء عدم قانونية (برنامج التجسس) وتبرأ منه الكونغرس” ايضا.
وحذر سنودن من “بقاء التهديد قائما على ميثاق الحقوق المدنية”، المجسد في التعديلات الدستورية العشرة من مجمل التعديلات سارية المفعول. واستطرد بالقول ان قرار القضاء الاخير يشكل “انتصارا تاريخيا لحقوق كل فرد من المواطنين .. ونتيجة مسار التغيير في الوعي الجمعي العام”.

المصدر: الميادين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*