هدر دمّ ديمة قندلفت والتهمة «الزواج المختلط»

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 5 يونيو 2015 - 12:23 مساءً
هدر دمّ ديمة قندلفت والتهمة «الزواج المختلط»

كما يحصل عادةً عند كلّ زفاف جديد في «نادي النجوم»، انشغلت وسائل الإعلام بزواج الممثّلة السورية ديمة قندلفت خلال الأيّام الماضية. وتسابقت المواقع الفنيّة على نقل صور «خاصّة وحصريّة» من حفلة الزفاف، إلى جانب أخبار عن علاقة قندلفت بزوجها وزير الاقتصاد السوري همام الجزائري، وتفاصيل عن الفستان والماكياج والمدعوّين. إلا أن تفصيلاً آخر شغل بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي. تفصيلٌ هامشي بالنسبة لكثيرين، لكنّه «جوهريّ» بالنسبة للبعض، ويكشف النقاب عن تعصّب مكبوت، ينتظر أيّ شرارة ليشتعل. هكذا ركّزت بعض الصفحات على اختلاف ديانة الزوجين، وعلت أصوات تكفّر قندلفت، وتتهمها بالتخلي عن دينها. تلك التعليقات لم تكن لتحظى بأيّ قيمة في الفضاء الإلكتروني الواسع، لولا تهافت مئات المعلّقين إلى شتم العروس، وتكفيرها.
بادرت إلى الهجوم على قندلفت صفحة «المرصد السوري المسيحي ـ عين على مسيحيي سوريا» على موقع «فايسبوك»، من خلال منشور مرفق بصورة من حفلة الزفاف، وتعليق يتضمّن شتائم للفنانة السوريّة. عشرات التعليقات «أثنت» على ذلك الهجوم، وشتمت قندلفت بأبشع الألفاظ، حتّى أنّ بعض المعلّقين تمنّوا لها الموت. في حين قام مستخدمون بحملة تبليغ لإزالة المنشور المتضمّن تحريضاً صريحاً، عن صفحات «فايسبوك». وبالرغم من إزالته، أعادت الصفحة نشره من جديد، مرفقاً بالتعليق التالي: «بعد العدد الكبير من تبليغات الإرهابيين الإسلاميين نقوم بإعادة نشر بوست الكومبارس ديمة قندلفت التي تركت الطبيب المسيحي، وتزوَّجت من الوزير المسلم الفاسد».
بعض التعليقات حلّلت دمّ قندلفت، وبعضها الآخر وجّه لها مواعظ دينيّة و «قانونيّة»، حول الإرث والطلاق، وبعضها تمنّى لها «الذهاب إلى جهنّم»، لأنّها اختارت الزواج المدنيّ طريقةً لحياتها. ذلك ما يعدّ مؤشراً على أنّ الإرهاب عجينة جاهزة يمكن أن تلتصق بأي دين، وأنّ ثقافة التطرّف باتت تتغلغل في المجتمع السوري، بفعل حرب تحطّم بناه وتشرذمه.
يتحكم بالصفحة المذكورة مستخدم تظهر معلوماته الشخصية على موقع «فايسبوك» أنه يعيش في بلجيكا، وتركز نشاطها منذ تأسيسها في العام 2014 على إظهار «الفواحش التي يرتكبها المتطرفون»، سواء من «داعش» أو غيرها من التنظيمات التكفيرية. ذلك ما يضع الصفحة ذاتها أمام مفارقة أخرى، فكيف لشخص أن يحارب التطرف ويدعو له في الوقت ذاته؟
بعض النشطاء على الموقع الأزرق قاموا بمشاركة المنشور التحريضي تحت عناوين فكاهية، أحدهم كتب: «الدولة المسيحية في العراق والشام». في حين كتب آخر: «تحت عنوان تعصب إسلامي… عفواً ليس تعصّباً إسلاميّاً هذه المرّة، التعصّب للعقول المريضة كافّة». في حين قامت إدارة الصفحة بحظر عدد ممن عارضوا منشورها، بعد أن كالت بحقهم الشتائم.
أدّت قندلفت على الشاشة دور امرأة ترتبط برجل من ديانة مختلفة. ففي مسلسل «بنات العيلة» لرشا شربتجي (2012) لعبت دور شابة مسيحيّة تمنع من التواصل مع أهلها بسبب زواجها من مسلم. وفي «علاقات خاصّة» لشربتجي أيضاً، والذي يعرض حالياً على «أل بي سي آي»، تلعب دور مسيحيّة تتزوّج بمسلم، ويحاول شقيقها وابن عمّها قتلها لتدنيسها «شرف العائلة». وكأنّ «القدر» حتّم أن يتكرّر السيناريو في حياة الممثلة الواقعيّة، بعيداً عن الدراما. ذلك ما يعيدنا إلى الدعوات لقوننة الزواج المدني في سوريا، ويذكّر بمشاهد من الحرب الأهليّة اللبنانيّة حيث كان الخطاب التعصّبي ضدّ الزواج المختلط سائداً بشكل علنيّ. وذلك خطاب لم يخفت وهجه بعد، مع صعوبة إقرار قانون للأحوال الشخصيّة المدنيّة في لبنان، ومواجهة المتزوّجين مدنياً صعوبات في تسجيل زيجاتهم.
قد لا يمثّل من هاجموا قندلفت شريحة واسعة من المجتمع السوري، لكنّ حدّة تعليقاتهم، وخطاب الكراهيّة الواضح فيه، دليل على أنّ ثقافة داعش تنخر كافّة الطوائف والبيئات. ونكاد نصدّق أمام بشاعة الشتائم التي وجّهت لها، أنّ هناك لم يتردّد في هدر الدماء بالسلاح، لو أتيحت له مقدّرات التنظيم الإرهابي ذاتها. لذلك لا يمكن أن تستقيم المناداة بمحاربة الإرهاب، إلا بمحاربة قيم التعصّب الموازية له، لأنّهما وجهان لعملة واحدة، وهي تحويل التكفير والتكفير المضاد إلى نمط وحيد للحياة.

علاء حلبي
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-06-05

رابط مختصر