بين تكريت والرمادي: كيف هُزمت الاستراتيجية الأميركية في العراق؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 9:42 صباحًا
بين تكريت والرمادي: كيف هُزمت الاستراتيجية الأميركية في العراق؟

استغرق الأمر تسعة أشهر، هي عمر «التحالف الدولي» ضد «داعش»، الذي أُعلن عن تشكيله في آب الماضي، لتدرك الولايات المتحدة أن استراتيجيتها في العراق تحتاج إلى «إعادة نظر»، على ما أعلن مسؤول أميركي بعد سقوط الرمادي بأيدي تنظيم «داعش». لم يكلف المسؤول نفسه شرح مندرجات تلك الاستراتيجية ليفهم المرء أوجه التعديل التي ستطرأ عليها في ضوء المتغيرات الميدانية المستجدة التي فرضت هذا التعديل. لكن العودة إلى الوراء قليلاً بإمكانها أن تسلط الضوء على معالم بارزة في مقاربة العم سام الاستراتيجية لمواجهة المد الداعشي في بلاد الرافدين

بغداد ـ الأخبار
بدأت الحكاية مع تنصيب واشنطن لنفسها محرراً حصرياً لبلاد الرافدين من احتلال «داعش» من خلال الرهان على ربط كل خطط التسليح والتدريب والتوجيه الاستخباري والعملياتي للقوات العراقية بها وحدها، على أن يكون الثمن المتوقع دفعه من قبل الحكومة العراقية إقرار جملة من المعاهدات التي تكفل المصالح الاستراتيجية الأميركية في العراق لعقود طويلة، فضلاً عن التسليم بإعادة صياغة النظام السياسي العراقي وفقاً لمبدأ التقسيم الكونفدرالي المتبنى أميركياً.

دخلت إيران سريعاً على خط الدعم الميداني القوي المباشر في مواجهة «داعش»، ما دفع الأميركيين إلى خطط بديلة تمحورت حول اتجاهين:
الأول، السعي إلى حجز مكان مؤكد في المسرح الميداني المرتبط بالحرب ضد «داعش» يكفل عدم تفرد طهران بتحريك خيوط اللعبة، وهو ما تأتى من خلال «التحالف الدولي».
الثاني، تكريس خطوط حمراء سياسية أمام أهل الحكم في العراق تتعلق بحدود العمل المتاحة ميدانياً أمام فصائل المقاومة و«الحشد الشعبي» في مواجهة «داعش»، وهي حدود تداخلت إلى حد كبير مع حدود محافظات: صلاح الدين، نينوي والأنبار ذات الغالبية «السنية».
كان واضحاً أن فرض هذه الحدود يتصل بشكل عضوي بعنوان أساسي للسياسة الأميركية في العراق، وهي سياسة التقسيم، إذ كانت واشنطن، ولا تزال، تخشى أن يؤدي دخول قوات «الحشد الشعبي» والفصائل المقاتلة الحليفة لإيران مراكز هذه المحافظات إلى فرض حقائق سياسية أو ديموغرافية تحول دون تحقيق مشروعها التقسيمي في المدى الأبعد، علماً بأن الدستور العراقي ينص على وجوب أن تعلن ثلاث محافظات كحد أدنى نيتها تشكيل إقليم ليصبح ذلك متاحاً أمامها.
هكذا مضى الفريقان الأميركي والإيراني في تطبيق رؤيتهما العراقية لمواجهة «داعش»، وانطلق عمل قوات «الحشد الشعبي» المعروفة بارتباطها الوثيق بقوات الحرس الثوري الإيراني. رافقها ميدانياً طاقم من الاستشاريين العسكريين التابعين لـ«فيلق القدس» الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني. وصارت هذه القوات تنتقل من عملية إلى أخرى وتحرر منطقة بعد أخرى من احتلال «داعش».
في المقابل، كانت طائرات «التحالف الدولي» تكتفي بالإعلان عن عدد الغارات التي شنتها وعدد عناصر «داعش» الذين تزعم أنهم قتلوا فيها. لكن هذا «التحالف» لم يتمكن من تحرير قرية واحدة بشكل فعلي، علماً بأن الكل يعرف بأن قيادة «التحالف» حاولت مرات عديدة أن توسط الحكومة العراقية لدى قيادة «الحشد الشعبي» والجنرال سليماني من أجل السماح لمقاتلاتها بالمشاركة في عمليات «الحشد»، لكن هذه المحاولات كانت تصطدم دائماً بمعارضة جذرية مقرونة بتهديدات مفادها أنه سيتم التعامل مع طائرات «التحالف» بوصفها جهة معادية إن هي دخلت منطقة العمليات.
بعد انتهاء قوات «الحشد» من تطهير منطقة جرف الصخر في محافظة بابل وعدد من المناطق في حزام بغداد الجنوبي ـ الغربي، إضافة إلى كامل محافظة ديالى، جاء دور محافظة صلاح الدين، التي تتمتع بوجود أغلبية «سنية»، إلا أن فيها ضريح إمامين من أئمة «الشيعة» في مدينة سامراء، الأمر الذي يجعل إبعاد تهديد «داعش» عنها أولوية لدى قوات «الحشد»، ولا مجال لوجود خطوط حمراء. وعلى مدى الأشهر الماضية، نفذت قوات «الحشد» سلسلة عمليات حررت خلالها ما تقدر مساحته بنحو ستة آلاف كلم مربع ضمن حدود المحافظة. وتوزعت المساحات المحررة ما بين أقضية بلد والدور وسامراء.

معركة تكريت و«انحراف» العبادي

مع وصول قوات «الحشد» إلى تخوم مدينة تكريت، تم وضع اللمسات الأخيرة على خطة تحريرها. كما حددت «ساعة الصفر» فجر السابع والعشرين من آذار الماضي. وفجأة حصل ما لم يكن في الحسبان، إذ قبل موعد العمليات بأربع وعشرين ساعة دخلت طائرات «التحالف» إلى منطقة العمليات وباشرت بتنفيذ غارات، ليتبيّن في غضون ساعات أنها حصلت على ضوء أخضر من رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، للمشاركة في عملية تحرير تكريت، رغم علمه المسبق باعتراض «الحشد» على هذا الأمر.
وفي حمى الاتصالات التي حصلت حينها، اتضح أن العبادي تجاوب مع الضغوط الأميركية والخليجية لمنع «الحشد» من دخول تكريت، فيما فُهم أنه إحياء لسياسة الخطوط الحمراء التي أرساها الجانب الأميركي منذ البدء أمام حركة «الحشد» الميدانية. وتبيّن آنذاك، بشكل لا لبس فيه، أن الخطة المبيتة كانت إحراج «الحشد» (بدخول طائرات التحالف ساحة المعركة) لإخراجه، إذ كانت الأوامر قد صدرت من العبادي لقيادة الشرطة الاتحادية العراقية وقيادة عمليات صلاح الدين في الجيش العراقي بالمباشرة في التقدم العسكري باتجاه تكريت فور إعلان «الحشد» تراجعه عن إطلاق عمليته المقررة تحت المظلة الجوية لـ«التحالف الدولي».
لكن تعثر القوات العراقية الرسمية على مدى أربعة أيام عند تخوم المدينة، دفع بعض فصائل «الحشد» التي كانت لا تزال تحتفظ بقواتها في محيط تكريت إلى اتخاذ قرار بكسر المراوحة الميدانية القائمة والاندفاع بقوة من عدة محاور تقدم لمساندة قوات الشرطة والجيش، الأمر الذي كان له أثر حاسم في حسم المعركة في غضون يومين.
مشاركة قوات «الحشد» في تحرير تكريت، لم تلغ مفاعيل الأزمة التي اندلعت بين قيادته من جهة، والعبادي من جهة أخرى، وهي أزمة تدرجت في العمق وصولاً إلى اعتكاف «الحشد» عن العمل الميداني، مطالباً العبادي بتوضيحات تتعلق بموقعه في السياسة الحكومية الرسمية ذات الصلة بمواجهة «داعش». وتفيد معلومات عن تلك الأزمة بأن لقاء جمع العبادي من جهة، وقاسم سليماني إلى جانب قيادات في «الحشد» من جهة أخرى لم يسفر سوى عن مزيد من الالتباس في العلاقة بين الطرفين، إذ ركز العبادي على ضرورة وضع قوات «الحشد» تحت إمرته المباشرة بوصفه قائداً عاماً للقوات المسلحة، وأن يكون هو من يحدد أولوياته الميدانية وآليات عمله وما إلى ذلك. في حين أن مقاربة قيادة «الحشد» تشدد على أهمية إبعاده عن التجاذبات السياسية الداخلية العراقية، وحمايته من لعبة المحاصصات ومن الفساد الذي يكتنف تلك اللعبة.
وقد ترافق ذلك، مع انسحاب الجنرال سليماني وغالبية المستشارين الإيرانيين من الميدان، مع ابتعاد قوات «الحشد» عن المشاركة في أي برامج عملية إضافية. ولم يدفع ذلك رئيس الحكومة الى إعادة النظر في خطواته، وما هي إلا أيام حتى تقدم العبادي بخطوات إضافية على مسار التأزيم، فوجّه انتقادات علناً من واشنطن لدور الجنرال سليماني في العراق، والأخطر كان إعلانه في الثامن من نيسان، ومن دون أي تنسيق مسبق مع «الحشد» وفصائل المقاومة إطلاق عمليات تحرير الأنبار من قبل الجيش والشرطة والعشائر، متجاهلاً دور «الحشد».
وفي الموازاة، استكمل العبادي ما اعتبر ممارسات كيدية لتطويق «الحشد»، فبدأت أوساط غير بعيدة منه تتحدث عن «حشد المرجعية» في مقابل «الحشد الإيراني». وفي السياق نفسه، صدرت أوامر منه بإدراج نحو 30 ألفاً من المتطوعين الفعليين والاسميين من المحسوبين على الدوائر المقربة من «المرجعية الشيعية» على لوائح القبض الشهري الخاصة بـ«الحشد الشعبي» من دون مراجعة قيادته.
وفي خضم الأزمة، لم تبق فصائل المقاومة متفرجة على مساعي العبادي لتطويقها، فأدلى بعضها بدلوه الذي تبيّن أنه يطفح بالكثير من الاحتقان ضد العبادي، ومن ذلك ــ على سبيل المثال ــ تهديد الأمين العام لـ«عصائب أهل الحق»، الشيخ قيس الخزعلي، بالحراك الشعبي ضد حكومة العبادي «حتى تعود الأمور إلى نصابها الصحيح»، وإصدار «كتائب حزب الله» بيانها الشهير الذي هددت فيه بـ«نزع جلد من يسعى إلى نزع شرعية المقاومة»، في إشارة مباشرة إلى شخص حيدر العبادي.

غزوة الأنبار

ظل التوتر يلف علاقة العبادي بقوات «الحشد الشعبي»، إلى أن جاءت الانعطافة الكبرى مع انهيار قوات الجيش العراقي في الأنبار وسقوط عاصمة المحافظة، مدينة الرمادي، في أيدي «داعش». وقد حصل ذلك على الرغم من وجود نحو ست فرق عسكرية من الجيش والشرطة الاتحادية في المحافظة، وتحشيد كل إمكانات الجيش تحت إمرتها.
إذّاك، استيقظ العبادي من الرهان على إمكان تحقيق انتصارات فعلية في مواجهة «داعش» من دون دور قوات «الحشد»، أو الاعتماد على القوات النظامية وحدها، وهو وهم سقط فيه إبان عملية تكريت حين اعتقد بأن تحرير المدينة أنجزته تلك القوات وحدها ومنّى نفسه بإعادة الكرة في الأنبار.
وبقدر ما أحدث سقوط الرمادي صدمة عميقة لدى العبادي وفريقه، فإنه شكل فضيحة محرجة بالنسبة إلى الأميركيين الذين كانوا يطمعون في تكرار سابقة تكريت في الأنبار، وهدفهم تثبيت جدوى وفعالية استراتيجيتهم القائمة على استبعاد «الحشد» وربط مواجهة «داعش» في المناطق المحتلة بـ«التحالف» الذي يقودونه. مع أهمية الإشارة هنا، إلى أن سقوط الرمادي وتقدم «داعش» في الأنبار، حصل في ظل وجود مئات المستشارين الأميركيين في قاعدتي «عين الأسد» و«الحبانية» الواقعتين على بعد كيلومترات معدودة من أماكن تمركز «داعش»، ليتضح أن الأميركيين فهموا بأن ما حصل في الأنبار لم يكن أقل من هزيمة خيارات استراتيجية في قبالة خيارات بديلة كرستها إيران وحلفاؤها العراقيون. أما العبادي، فقد ترجم هذا الفهم بالهرع إلى روسيا ليطلب منها «لعب دور أكبر في محاربة داعش».
وإذا كان المخرج من المأزق بالنسبة إلى العبادي هو الاستنجاد بقوات «الحشد» وبالجنرال سليماني نفسه، فذلك تم من خلال بلورة صيغ شكلية تمثلت في اجتماع مجلس محافظة الأنبار وتصويته على دعوة «الحشد الشعبي» لدخول المحافظة والمشاركة في العمليات. حتى إن الموقف الأميركي لم يكن أقل من إقرار بالفشل أمام الاستراتيجية (الإيرانية) المقابلة.
وتجسد ذلك في إعلان المتحدث باسم البنتاغون، ستيف وارن، عدم معارضة الولايات المتحدة «مشاركة الجماعات الشيعية ما دامت تحت قيادة وزارة الدفاع العراقية» وتأكيده أن «البيت الأبيض يرحب بمساعدتهم وهم يقاتلون جنباً إلى جنب القوات الأمنية، وهذا شيء إيجابي في حال توظيف طاقتهم لمحاربة مسلحي داعش فقط».
ولكي يُفهم حجم الانكسار الأميركي الذي ينطوي عليه هذا الكلام، يكفي فقط استحضار ما قاله قبل أشهر الرئيس السابق للـ«سي آي إيه»، الجنرال ديفيد بترايوس، في حق هذه «الجماعات»، إذ اعتبر أن «خطرها أكبر من ذلك الذي يمثله داعش» وأنها (الميليشيات الشيعية) تمثل «التهديد الأكبر على استقرار العراق على المدى الطويل».
الهزيمة الاميركية الثالثة

من المنظور الاستراتيجي، يعني ما تقدم شيئاً واحداً هو أن واشنطن خسرت العراق ثلاث مرات، وفي كل منها كانت الخسارة لمصلحة عدوها الأول في المنطقة، أي إيران. وكانت الهزيمة الأولى حين اضطرت إلى الانسحاب تحت ضربات المقاومة المرتبطة سياسياً وعقائدياً ومادياً بإيران. والثانية حين لم تفلح في تعويض انسحابها بمعاهدات استراتيجية تضمن مصالحها، وأيضاً تحت الضغط الذي مارسته طهران على حليفها في العراق، رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي. والثالثة، حين أجهضت طهران إمكان أن توظف الولايات المتحدة اجتياح «داعش» للعراق في خدمة عودتها إليه من بوابة الابتزاز الأمني، وذلك من خلال إشرافها على تشكيل «الحشد الشعبي» وتسليحه وتوجيهه.
اليوم، أصبح واضحاً أن القيود التي سعت واشنطن إلى ضبط حركة «الحشد الشعبي» وفقاً لإيقاعها تحطمت كلياً بفعل ما حصل في الأنبار، وأن «الحشد» تكرس أمام الرأي العام العراقي والإقليمي والدولي بوصفه القوة الوحيدة القادرة على التصدي لـ«داعش» وتحقيق الانتصار عليها. حقيقة لعله كان لا بد من أن يحصل ما حصل بين تكريت والرمادي ليدركها بعض الساسة العراقيين ممن تشوشت بوصلة رهاناتهم السياسية، ولا سيما أن قوات «الحشد الشعبي» تسير في الطريق لتتحول إلى ما يشبه النسخة العراقية عن «الحرس الثوري الإيراني»، أو حزب الله اللبناني، أو «أنصار الله» في اليمن.

خطوط حمراء إيرانية

إذا كانت فتوى الجهاد الكفائي ضد «داعش» التي أطلقتها المرجعية الشيعية هي حجر الزاوية في نشأة الحشد الشعبي، فإنه لا جدال في أن إيران هي عراب هذه النشأة والجهة التي أشرفت ــ ولا تزال ــ عليها تنظيماً وتدريباً وتسليحاً. كأصحاب خبرة مشهود لها في تأسيس ودعم حركات المقاومة على اختلاف هوياتها، أرسل الإيرانيون منذ اللحظات الأولى التي تلت سقوط الموصل مستشاريهم من مختلف الاختصاصات العسكرية لمواكبة مهمة تأسيس الحشد الشعبي ومساندة عملياته الميدانية. كما أنهم استعانوا في سبيل ذلك بـ»أصدقاء إقليميين» ممن يثق الجنرال قاسم سليماني بتجربتهم الميدانية الناضجة التي أراد نقلها سريعاً إلى الساحة العراقية. وإلى جانب تقديم الخبرات الاستشارية في مجال التخطيط، فإن الدعم اللوجستي بالذخائر والأسلحة وبعض الاختصاصات الفنية الذي تقدمه الجمهورية الإسلامية له دور أساسي في استمرارية الجهد العملياتي للحشد.
وفي إطار دعمها للحشد وبقية فصائل المقاومة العراقية، رسمت إيران ثلاثة خطوط حمراء تتعلق بالخطر الداعشي في العراق، أعلن عنها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قبل أيام هي: العاصمة بغداد والعتبات الدينية المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء والحدود المشتركة بين البلدين.

رابط مختصر