أوباما زرع التلاعب بخطر داعش وحصد الحيرة والارتباك

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 24 مايو 2015 - 12:37 مساءً
أوباما زرع التلاعب بخطر داعش وحصد الحيرة والارتباك

بالإمكان تتبع “المتغيرات” في الاستراتيجية الأميركية لناحية إلزام داعش تعزيز سيطرته الجغرافية والسماح له بالاحتفاظ بملاذ آمن في سوريا ومنحه حرية مناورة أكبر داخل العراق”، كمحطة متقدمة لدق إسفين جغرافي يضمن عدم التواصل البري بين العراق وسوريا، بطريقة يستفيد منها معسكر المقاومة من طهران إلى لبنان.
سيطر “داعش” على مدينة الرمادي العراقية في “غفلة من الزمن”، بعد أيام معدودة من دخول وحدة لقوات النخبة الأميركية، “دلتا فورس”، الى الشرق السوري “انطلاقا من الاراضي العراقية” المجاورة، في مهمة قالت إنها لإلقاء القبض على قيادي في داعش يدعى أبي سياف، تونسي الجنسية.
اعتبرت واشنطن وعلى كافة المستويات الرفيعة سقوط الرمادي “انتكاسة” في سياق الحرب على داعش، وطلبت البنتاغون على لسان ناطقها الرسمي، ستيف وورين، من الجميع التزام اليقظة “وعدم تقييم ذلك بشكل مبالغ فيه”. اسفرت “انتكاسة” الرمادي عن وقوع ما ينوف عن 500 ضحية من المدنيين ونزوح نحو 25،000 من سكانها الى مناطق آمنة.
سقوط الرمادي سبقه تصريحات اميركية متعددة بأن “داعش” في طريقه الى “التراجع والانهيار”، بيد ان حصيلة الغارات الجوية المتواضعة لحلف واشنطن تفند تلك الادعاءات سيما وان “التنظيم” يتقن سبل التخفي وتفادي الضربات الجوية “ويتنقل ضمن وحدات صغيرة خلافا للسير في قوافل عسكرية كبيرة”. تبعد الرمادي نحو 100 كلم فقط من بغداد، مما يشير الى الأهمية القصوى لاسترادها قبل ان يستكين داعش ويصبح في وضع يمكنه من قصف مطار بغداد الدولي.
التأم شمل مجلس الأمن القومي في واشنطن بعد سقوط الرمادي، وحضر الاجتماع 25 من كبار القادة السياسيين والعسكريين والمستشارين، بينهم وزراء الخارجية والدفاع وقائد القوات المركزية. وقال البيت الأبيض في بيانه إن الرئيس أوباما “جدد التأكيد على الدعم الأمريكي القوي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والتزام الولايات المتحدة بمساندة حكومة العراق”.
تسارعت الاتهامات الاميركية لتحميل الجيش العراقي كامل مسؤولية سقوط المدينة الذي “لم يصمد ليقاتل بل ولى الأدبار”. سبقها تصريحات تخفف من أهمية الرمادي في الاشهر الاخيرة، ومنذ زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي الى واشنطن، مقارنة مع معركة السيطرة على مصفاة بيجي ومحيطها. اذ أوضح رئيس هيئة الاركان، مارتن ديمبسي، ان بيجي “تشكل هدفا استراتيجيا اكبر” للقوات الاميركية، “وعليه فان تركيز الانظار حاليا هو على بيجي في واقع الحال”. استكمالا لمهزلة الاستخفاف والتناقض صرح الناطق باسم البنتاغون، ستيف وورين، بعد سقوط الرمادي ان مصفاة بيجي “كانت خارج العمل منذ زمن .. واصلاحها سيستغرق وقتا طويلا”.
امعن الاميركيون في الاستهتار بالعراق جيشا وشعبا، ربما تمهيدا لاسقاط الرمادي، ومضوا في تفسير اسباب الهزيمة نظرا لاستغلال “داعش غطاء العاصفة الرملية التي حلت بمنطقة الرمادي”، وامتناع القوات العراقية عن اطلاق النار. وسرعان ما تراجعت البنتاغون عينها عن تلك الرواية باعلان الناطق بلسان قيادة القوات المركزية، باتريك رايدر، ان ما تم التيقن منه هو هبوب “عاصفة طفيفة من الغبار والضباب .. والتي كان لها اثرا صفريا على الطلعات الجوية للتحالف”. وسرعان ما اجمع القادة الاميركيون على استخدام “داعش” العمليات الانتحارية بتفخيخ 30 سيارة في الهجوم المنظم لاحتلال المدينة.
رئيس هيئة اركان القوات المشتركة، مارتن ديمبسي، صرح لشبكة (سي ان ان) الاخبارية للتلفزة، يوم 21 أيار، ان “قوات الجيش العراقي (هناك) اختارت الانسحاب من المدينة ولم يجبرها على ذلك تنظيم داعش”، متجنبا التذكير بالعدد الكبير لسيارات التفخيخ التي فجرها داعش.
أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، د. رائد العزّاوي، كان ادق في توصيف سقوط المدينة التي تقع بالقرب منها “قاعدة عين الاسد”، اكبر قاعدة عسكرية اميركية في البلاد وبداخلها وجود عسكري كثيف. وقال ان “هناك اطرافا دولية سمحت لقوات داعش بدخول محافظة الأنبار والانتشار في أرجائها في ظل ضعف تسليح عشائر المحافظة، وعدم وجود رغبة في الدفاع عنها”. التحالف الدولي يحارب بداعش ولا يحارب داعش على الإطلاق.
في هذا الصدد، عقد البعض في النخب الفكرية الاميركية مقارنة بين معارك الرمادي وتكريت بالقول ان الكلفة الحقيقية “لاستعادة تكريت في محافظة صلاح الدين هو (تيسير) سقوط الرمادي عاصمة محافظة الانبار”. بعبارة اخرى، ربما، ان “مبدأ أوباما” في السياسة الخارجية يجري تطبيقه على اكمل وجه: اميركا ليست مضطرة لخوض حروب في المنطقة بقواتها مباشرة، بل عبر قوى محلية تسلحها وتدربها وتشرف عليها في المحاور الاشد سخونة، والاستناد الى سلاح الجو “ضد مواقع داعش في سوريا والعراق ..”، بما يتيح تراجع الدور الاميركي الى دور مساند بدلا من دور قيادي مرئي.
الرئيس أوباما، في مقابلة صحفية حديثة مع اسبوعية “ذي اتلانتيك”، بعد أيام معدودة من سقوط مدينة الرمادي، أوضح أنه لا يعتقد أن استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة في طريقها إلى الهزيمة، قائلاً “لا شك أن هناك انتكاسة تكتيكية، رغم أن الرمادي كانت معرضة للخطر منذ فترة طويلة لأن القوات الموجودة هناك لا تنتمي لقوات الأمن التي نقوم بتدريبها وتعزيزها”. تصريحات الرئيس جاءت قبل يوم من استيلاء داعش على مدينة تدمر في وسط سوريا، “مما يعزز المخاوف في تلك المنطقة وفي واشنطن بأن إستراتيجية أوباما أصبحت عقيمة”، كما يعتقد خصوم الرئيس.
ترابط سقوط الرمادي وتدمر
بعض ابرز خصوم الادارة الاميركية علق مروجاً في يومية “واشنطن بوست”، 18 أيار، ان سقوط الرمادي “دفع استراتيجية الرئيس أوباما الى الهاوية، ليس في العراق فحسب بل في جميع انحاء” المنطقة. واضافت الصحيفة ان “مناورة داعش .. كانت معقدة واستغرق الاعداد لها عدة اسابيع”. كما ان المناورة تخللتها شن التنظيم “هجمات تمهيدية في بيجي والكرمة؛ وعمليات تهريب السجناء في ديالى؛ وهجمات ضد الحجاج في بغداد؛ وغارات بالقرب من قاعدة عين الاسد .. وهجوم منسق حول دير الزور السورية”. وخلصت بالقول انه “كان بالامكان تفادي سقوط الرمادي”.
بين سقوط الرمادي في العراق وسقوط تدمر في سوريا، شنت القوات الخاصة الاميركية، دلتا فورس، عملية ضد مواقع لتنظيم داعش في سوريا، انطلاقا من الاراضي العراقية القريبة، قالت ان هدفها اغتيال او اعتقال القيادي في التنظيم “ابو سياف”، واعتقلت زوجته. وتعد اول عملية غير جوية تعلن عن تنفيذها القوات الاميركية داخل الاراضي السورية “باستثناء محاولة سرية فاشلة” لانقاذ رهائن اميركيين، جيمس فولي، واجانب كانوا محتجزين لدى التنظيم في اقصى الشمال الشرقي من سوريا، العام الماضي.
واشنطن لم تنتظر طويلا لتؤكد علانية انها “لم تبلغ الحكومة السورية مسبقا او تنسق معها فيما يتعلق بالغارة”. وجاءت تصريحات الناطق باسم مجلس الأمن القومي، بيرناديت ميهان، للصحف الاميركية متشددة اللهجة كي تبعد عنها اي شبهات او ايحاءات بتغيير سياساتها السابقة للاطاحة بالحكومة السورية. وقالت ميهان “حذرنا نظام الأسد من التدخل في جهودنا المتواصلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا… نظام الأسد ليس شريكا ولا يمكن أن يكون شريكا في القتال ضد التنظيم”.
اعتبرت اسبوعية “نيوزويك”، في نشرتها الالكترونية “ذي ديلي بيست”، 16 أيار، ان قادة البنتاغون “متلهفون لتحويل السردية الميدانية بعيدا عن انجازات تنظيم الدولة الاسلامية .. في سوريا والعراق؛” واغراق الوسائل الاعلامية بتفاصيل دقيقة حول عملية اغتيال ابو سياف “قد لا تجانب الدقة والموضوعية بكامل جزئياتها”. يومية “نيويورك تايمز”، 22 ايار، اعتبرت الغارة الاميركية “محفوفة بالمخاطر وتشكل تصعيدا واضحا للحملة” الاميركية.
وزارة الدفاع الاميركية حرصت على تقديم صورة شاملة “لجهودها العسكرية” ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، اذ “نفذت ما يزيد عن 4050 غارة جوية عل مدى الاشهر التسعة الماضية” في سياق اضعاف التنظيم؛ بلغت تكلفة الحرب، حتى الاسبوع الاول من شهر نيسان، “اكثر من 2.1 مليار دولار، بما يعادل 8,6 مليون دولار يوميا” وفق احدث البيانات الصادرة عن البنتاغون.
سعى مسؤول رفيع في الادارة الاميركية الى رسم صورة اكثر واقعية حول قدرات تنظيم الدولة الاسلامية بخلاف السردية الرسمية، دون المغامرة في الكشف عن هويته، قائلا ان “داعش كتنظيم افضل من خلفه القاعدة في العراق في كافة المجالات .. صفوفه افضل انضباطا، ذو امكانيات افضل، لديه مقاتلين اشداء وافضل خبرة”. واضاف ان بلاده “تدرك ما تطلبه الأمر للسيطرة على تنظيم القاعدة في العراق من قبل افضل الترسانات العسكرية في العالم”.
البيت الابيض، بدوره، رفض كافة دعوات خصومه في الحزب الجمهوري لارسال قوات عسكرية اميركية لمقاتلة داعش مباشرة، وقاوم كذلك طلبات التوسل من حلفائه في الحزب الديموقراطي للقيام بالمثل. بالمقابل، تدرك المؤسسة العسكرية ممثلة بالبنتاغون ما يتعين عليها القيام به نظرا للتطورات الميدانية التي تتطلب انخراط قوات عسكرية مدربة للدخول الى مناطق سيطرة داعش والاستفادة من غطاء الغارات الجوية الاميركية؛ الأمر الذي لا يجوز القيام به دون تفويض صريح من الرئيس أوباما وادارته.
الرئيس أوباما حسم الأمر، راهنا على الاقل، في حديثه لاسبوعية “ذي اتلانتيك” قائلا انه لن يقدم على “تكرار اخطاء الماضي” القريب بارسال قوات برية للقتال بعيدا عن الاراضي الاميركية.
سقوط مدينة تدمر، بكل ما ترمز اليه من اهمية استراتيجية في الجغرافيا السورية، فهي تقع شرقي حمص وتتصل مع شبكة طرق التواصل مع دمشق وبين محافظات دير الزور والرقة والحسكة، تشكل مقدمة على تمدد داعش على حساب العراق وسوريا مجتمعتين، برضى اميركا ان لم يكن ابعد من ذلك. التنظيم يروج ان محطته المقبلة في سوريا هي معركة الاستيلاء على حمص. وعليه، باستطاعة المرء تتبع “المتغيرات” في الاستراتيجية الاميركية لناحية “الزام داعش تعزيز سيطرته الجغرافية .. والسماح له بالاحتفاظ بملاذ آمن في سوريا ومنحه حرية مناورة اكبر داخل العراق”، كمحطة متقدمة من الاستراتيجية الاميركية لدق اسفين جغرافي يضمن عدم التواصل البري بين العراق وسوريا، بطريقة يستفيد منها معسكر المقاومة من طهران الى لبنان.
المصدر: مكتب واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الأميركية والعربية

رابط مختصر