تمزيق العراق.. ما هو الدور الأردني؟

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 16 مايو 2015 - 12:44 مساءً
تمزيق العراق.. ما هو الدور الأردني؟

يبدو أن تنظيم «داعش» تحوّل إلى «مسمار جحا» في الوطن العربي، بعدما بدأ حضوره يعيد إلى الطاولة الملف الغائب الحاضر، وهو إيقاظ الطائفية باسم دعم «الوطن» في كل من العراق وسوريا.
في الآونة الأخيرة، أُعلن عن دور للأردن في تسليح العشائر السنية في العراق، برغم حساسية هذا الملف، الذي أثار جدلاً حاداً خلال العام الماضي، حين طلب العراق الرسمي تبريراً من الأردن لاستضافته مؤتمر المعارضة العراقية السنية.
وبالرغم من أن الحديث عن تسليح الأردن للعشائر سيتم، كما أُعلن، من خلال تواصل رسمي بين البلدين (الأردن والعراق) وبرعاية أميركية، إلا أن النتيجة ستكون تسليح عشائر تنتمي إلى مذهب معيّن (السنّة)، بدلاً من تسليح جيش وطني.
في حديث إلى «السفير»، يذكّر المحلل السياسي ومستشار التحرير في جريدة «الغد» الأردنية فهد الخيطان بأنّ هناك ثلاثة مستويات للتعاون بين الأردن والعراق، أولها تدريب قوات عراقية من الجيش والشرطة، وجزء منه يتم في الأردن حالياً. والمستوى الثاني هو تقديم المساعدة اللوجستية والاستخبارية على الأرض للقوات العراقية في مناطق الصراع مع «داعش». أما المستوى الثالث فيتمثل في تسليح العشائر السنيّة في غرب العراق.
ويؤكد الخيطان أن عملية التسليح تتم بالتنسيق مع الحكومة العراقية وبعلمها، وذلك من خلال اجتماعات رسمية مع مسؤولين رسميين من البلدين، كما أن الموضوع يتم تنسيقه أميركياً ـ أردنياً ـ عراقياً.
وفي سياق متصل، صرح وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال محمد المومني، لوسائل إعلام أردنية، أن الأردن بدأ فعلياً منذ أيام بتدريب العشائر السورية لمواجهة تنظيم «داعش».
سوريا والأردن: مخاوف مشتركة وأدوار متنافرة
الأثر على سوريا يلخصه موقف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي حين قال مؤخراً إن زخم نظام الرئيس السوري بشار الأسد قد تباطأ، وإن الوضع يتجه نحو عدم تفضيل النظام.
هذا الكلام جاء خلال مؤتمر صحافي عقد خصيصا للإعلان عن بدء تدريب ما أسماه بالقوات السورية الجديدة. وأضاف الجنرال الأميركي: «لو كنت مكانه (الأسد) فسأجد فرصة للنظر إلى طاولة المفاوضات».
إذاً، فالتدريب السابق الذي تقوم به قوات «التحالف»، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في الأردن، إنما يهدف إلى تحسين شروط التفاوض، لكن السؤال: لماذا لم تتجه دول «التحالف» التي تعلن حربها على «داعش» إلى تدريب قوات من «الجيش الحر»، بدلا من العشائر السنيّة.
لعل «الثقة» هي كلمة السر التي تشرح سبب اللجوء إلى خيار تدريب عشائر سنية في العراق، إذ يعتبر الخبير في الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، في حديث إلى «السفير»، أن كفة الثقة بالعشائر في غرفة العمليات المشتركة (الأردنية ـ الأميركية ـ السعودية ـ الإماراتية ـ البريطانية ـ الفرنسية.. وحتى الإسرائيلية)، والتي تحمل اسم «الموك»، وهي موجودة في الأردن، رجحت على كفة الثقة المهلهلة بالمجاميع المقاتلة الأخرى، ففي غرفة العمليات هذه ثمة إحساس بأن المجاميع المقاتلة على الأرض السورية قد تنخرط مع «داعش» و «جبهة النصرة»، اللتين تشكلان الخطر الأول بالنسبة للقائمين على غرفة العمليات، فيما يشكل النظام السوري بالنسبة لها الخطر الثاني.
ويعلق المحلل السياسي إبراهيم علوش على ما سبق قائلا «من يريد أن يحارب الإرهاب ويحمي بلده من الإرهاب، فعليه أن يضع يده بيد الجيش السوري».
وحول أثر تدريب العشائر السنية على الأردن يعتبر علوش أن هذا يصب في إضعاف الجيش السوري، وهذا الهدف سيتسبب في نقل الإرهاب إلى الأردن. ويتساءل «هل يريد التحالف التصدي للإرهاب والقاعدة؟ حسناً، إن العمود الفقري في جيش الفتح هو القاعدة، وهو يتلقى الدعم من الناتو وتركيا والسعودية وقطر».
ولا يرى علوش في هذه السياسة الملغومة إلا خطراً محققاً على الأردن، إذ إن «جيش الفتح» موجود من جهة درعا والقنيطرة وحوران.
العراق.. خيبات قديمة جديدة
أما في العراق، فيأتي تسليح العشائر السُنيّة وفق علوش ضمن رغبة الولايات المتحدة في إيجاد معادل أميركي يواجه التأثير الإيراني. ويشير إلى أن التأثير الإيراني لا يحمل بعداً عروبياً في مواجهة التأثير الأميركي، كونه رعى الجماعات الطائفية الشيعية في مواجهة الاحتلال الأميركي.
ولعل ما سبق هو ما دفع عضو القيادة العامة في الجيش العراقي الوطني اللواء أبو شجاع (وهو اسم حركي)، أثناء حديثه إلى «السفير»، للإشارة إلى أنهم في القيادة العامة ليسوا ضد فكرة تسليح السنة في العراق بل يتطلعون لذلك، لكنهم ضد مؤتمر توحيد سنة العراق المنوي عقده في باريس برعاية أردنية ـ سعودية، ولن يحضروه رغم أنهم دُعوا إليه، إذ إن المؤتمر ستحضره نفس الوجوه المستهلكة على حد تعبير أبو شجاع، والتي لا تحظى بأي قبول على المستوى الشعبي والسياسي في العراق، مشيرا بذلك إلى «الحزب الإسلامي» الذي يرأسه خميس الخنجر، معتبرا أن المؤتمر لن يحقق شيئاً، داعياً، باسم القيادة العامة في الجيش العراقي الوطني، إلى عقد مؤتمر أممي تحضره الأمم المتحدة وتكون قراراته ملزمة للحكومة العراقية، ليكون المؤتمر مجدياً ويؤتي أكله للمكوّن السني الذي يعاني الأمرين والاضطهاد والتهجير والإبادة الجماعية من إيران.
هنا يتوقف علوش قائلا «لا يمكن وضع إيران والاحتلال الأميركي في كفة واحدة، تحديداً في ظل معركة سورية، إذ إن ذلك لا يضع النقاط على الحروف بل يخلط الأوراق»، مشيراً إلى أن «حِسبة العراق غير حِسبة سوريا» وإنه لا يمكن تناسي الدور الإيراني الداعم للمقاومة، بالإضافة إلى دورها المساند في كل من سوريا ولبنان واليمن، مذكراً بأن أميركا لم تعين النظام السوري بل تحاربه في هذه الأثناء لتحقيق مصالحها. وقال إن «إيران وإن لم تكن دولة عربية إلا أن الواقع يفرض نقاط التقاء واختلاف معها يجعل من الخطأ وضعها في كفة واحدة مع أميركا ودورها في المنطقة».
هل ثمة دور أردني مرتقب في أنبار العراق؟
بينما يذكر علوش بأصوات أردنية نادت منذ العام 2003 بأن يكون هنالك دور أردني في الانبار عبر الحديث عن فكرة مشروع الهلال الخصيب الهاشمي، يشير الخيطان إلى أن الأردن لا يطمح لأن يأخذ جزءاً من أراضي العراق ويضمها إليه، كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك في غياب موقف دولي، أو أميركي أو عراقي داعم، ولا يعتقد في النهاية أن ثمة موقفا دوليا داعما لهذا الخيار، وإنما الهدف «المعلن» من الإستراتيجية الأمنية الأردنية في العراق هو رغبة عمان في أن تكون هذه العشائر السنية هي خط الدفاع الأول عن حدوده وأمنه الداخلي.
ويجيب علوش على ما سبق «حتى لو لم يتم ضم الانبار رسمياً إلى الأردن، فإنها ستكون مناطق نفوذ للأردن، وتسليح العشائر في العراق وسوريا سيجعل منها أدوات لأميركا وحلفائها».
ويحاول العقيد المتقاعد من الأمن العام والحقوقي فواز الهواوشة وضع الدور الأردني في سياقه الطبيعي. وقال، لـ «السفير»، إن «الأردن يتطلع لأن تسيطر على المنطقة المجاورة له جهة يستطيع التفاهم معها مستقبلاً، ولا تشكل إزعاجاً للأردن».
وبعيداً عن التنسيق الرسمي المعلن، يقترب أبو هنية من الواقع العراقي أكثر، موضحاً أن العراق تحول، منذ الغزو الأميركي في العام 2003، إلى مسرح للتدخلات الإقليمية والدولية، لكنه وضع الدور الأردني في حجمه الطبيعي، موضحاً أن «الأردن حليف استراتيجي للولايات المتحدة ومنخرط في سياساتها، وكان، وما زال، يدرب الجيش العراقي، ولقد درب العشائر، أو ما يسمى بالصحوات، قبل سنوات عديدة»، لذا فإنه يجد في موضوع تسليح العشائر استكمالاً للدور الأردني في هذا السياق لا أكثر. وهذا التحليل يدفعه إلى وصف فكرة ضم الأنبار إلى الأردن مستقبلا بالفكرة السريالية.
ويتطرق علوش، من جهته، إلى دور «الصحوات» سابقاً في إجهاض المقاومة الوطنية العراقية استناداً الى أسس طائفية، مقللا من قيمة تسليح العشائر السنية و»قدرتها على مواجهة أي تحد وطني بعيداً عن فكرة المقاومة، أو الجيوش ذات الطابع الوطني الجامع وليس المشتت لأبناء الوطن الواحد».
مكاسب العدو الإسرائيلي
قبل أكثر من عام نشر «معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي دراسة بعنوان «حدود جديدة في الشرق الأوسط». ومن قرأ الدراسة في ذلك الوقت يعتقد أن طرح تقسيم كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، إن صح، سيكون بعيد المدى.
لكن المتغيرات الحاصلة على الأرض تشير إلى أنه يقترب أكثر فأكثر، فقبل بوابة تفكيك الدولة الوطنية يتم تفكيك الجيش النظامي، وما تسليح العشائر على أساس طائفي إلا مقدمة حقيقية لتفكيك الجيوش، وهذا ما أشارت إليه الدراسة بقولها إن «التغييرات تأتي لتفكيك الجيوش النظامية، التي كانت تشكل تهديدا في الماضي وتأتي لإتاحة الفرصة أمام إسرائيل لبناء علاقات مع أقليات مختلفة محتمل أن تسيطر على السلطة في المستقبل».

رانية الجعبري
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-05-16

رابط مختصر