المرشحون للرئاسة الأميركية أثرياء يسعون وراء الطبقة المتوسطة …روجر أوين

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 15 مايو 2015 - 10:45 صباحًا
المرشحون للرئاسة الأميركية أثرياء يسعون وراء الطبقة المتوسطة …روجر أوين

يعرف الجميع أن الانتخابات الرئاسية الأميركية تتطلب إنفاق أموال طائلة على الحملات، ويبدو أن الانتخابات المقبلة في عام 2016 سوف تتخطى كل الحدود على هذا الصعيد. وبالتالي، فان الأثرياء وحدهم، أو أصحاب شبكات العلاقات الممتازة، قد يأملون بترك انطباع لدى الناخبين، الذين ينتمون بمعظمهم إلى عائلات أفقر منهم بكثير، ويشكلون جزءاً من «الطبقة المتوسطة» المزعومة، التي سبق أن تحولت محنتها المالية إلى قضية سياسية بالغة الأهمية. وقد أظهر استطلاع أجري مؤخراً أن غالبية متزايدة من المنتسبين إلى الحزبين الرئيسيين في البلاد يشعرون أن الشرخ القائم بين الأثرياء والفقراء اتسع كثيراً في الآونة الأخيرة، وفي حين أن متوسط صافي أصول الأسرة الأميركية العادية يتخطى بقليل 81 ألف دولار، تناهز هذه الأصول 1.5 مليون دولار لدى المرشحين المحتملين الثمانية عشر الذين أعلنوا ترشيحهم حتى الآن، ليكون أكبر من سابقه بأكثر من خمسة عشر مرة.
من أهم نتائج ذلك أن المرشحين اضطروا إلى التمعن في هذا الفارق عندما قدموا اقتراحات عن السياسة التي يرغبون في اعتمادها، وكان عليهم بذل الكثير من الجهود لمنح انطباع بأنهم أكثر تواضعاً بكثير مما هم عليه فعلياً، وبأنهم معتادون إلى حد كبير على الأكل في مطاعم صغيرة والتواجد في أماكن عامة أخرى، ومرغمون على ادخار المال لشراء الملابس وضمان راحتهم الشخصية. إلا أن النتيجة جاءت مريعة بقدر ما هي مضحكة، متى كان الأمر على صلة بسلامة الصفة الديموقراطية التي تميز الولايات المتحدة.
بهدف تصوير هذا الواقع، سأحاول التعمق في الوضع القائم، ومراجعة مثالَين عن شخصيتين مرموقتين، هما هيلاري كلينتون المرشحة عن الحزب الديموقراطي، وهي عضو سابق في مجلس الشيوخ ووزيرة سابقة للخارجية، والمحافظ جيب بوش، أحد أهم مرشحي الحزب الجمهوري، وشقيق الرئيس السابق جورج بوش الابن. ومن المعروف جيداً أن كلينتون سيدة جمعت ثروتها بمجهودها الخاص، وأن قيمة مجمل أصولها، بحسب عائداتها الضريبية، تناهز خمسة عشر مليوناً ونصف مليون دولار، وهو مبلغ جمعته من عائدات خطاباتها العلنية، وريع كتابها، وروابطها العائلية وعدد كبير من مصادر الأرباح الأخرى، وكلها عرضة اليوم للانتقادات اللاذعة في كتاب جديد بعنوان «أموال كلينتون»، كتبه مؤلف سياسي محافظ يدعى بيتر شفايتزر، وهو كتاب نشرت مقدمة عن مضمونه في سلسلة من المقالات الصادرة في مجلة «نيويوركر».
أولاً، يجدر الكلام عن دور «مؤسسة كلينتون»، وهي صندوق عائلي لا يتوخى الربح، اتُهِم بالحصول على مساهمات بملايين الدولارات من أشخاص يتوقون للحصول على موافقتها الرسمية، عندما كانت وزيرة للخارجية، على بيع شركة يورانيوم كندية كبرى للمؤسسة الروسية الحكومية للطاقة النووية. وكذلك، لا بد من التذكير بمساعيها لمعاودة تصوير نفسها كسيدة لها أذواق وظروف عادية، أطلقت حملتها بالقيام بجولة في ولاية أيوا، على متن ما تسميه بحافلة «سكوبي» الخاصة بها، وهي عبارة عن مركبة بيضاء كبيرة، أسمتها كذلك تيمناً بشخصية الرسوم المتحركة المعروفة. وهي كانت توقف سيارتها هذه بين الحين والآخر لتتحدث إلى عامة الشعب ولشراء المأكولات العادية. ولا بأس إن لم تقد سيارة بنفسها منذ عام 1996، وكذلك، لا بأس إن كانت تتصدر ولائم العشاء في سياق حملتها الانتخابية، حيث دفع أكثر مؤيديها ثراءً ما بين خمسة وعشرين وخمسين ألف دولار للشخص الواحد.
ومن جهته، يحاول جيب بوش إثبات الطابع العادي لظروفه المعيشية، عبر ارتدائه بدلات رخيصة الثمن، وامتناعه عن التنقل على متن طائرة خاصة في أرجاء البلاد، برفقة طاقم أمني معني بسلامته الشخصية. وفي الوقت عينه، يروج لناخبيه من الطبقة المتوسطة نسخة عما يُعرَف، في إطار حملته الانتخابية، بـ»حق الارتقاء»، الذي يدعو لإزالة جميع العواقب التي تفرضها الحكومة على الناخبين، وتمنعهم، بحسب مزاعمه، من جني الأموال التي يستحقونها بالاستناد إلى مواهبهم.
ثمة أمر بالأهمية عينها وهو أن بوش الجمهوري، وبعكس هيلاري كلينتون، يستطيع الحصول على مبالغ مالية طائلة، يستعد طرفان ثريان لمنحه إياها لإنفاقها في سياق المنافسة المقبلة، أولهما شيرمان أديلسون، الذي أنفق مليون دولار على الأقل في انتخابات عام 2012 لدعم مرشحي حزبه، والثاني تشارلز وديفيد كوتش، اللذان تعهدا بجمع تسع مئة مليون دولار، لمساعدة مرشحي الحزب الجمهوري على خوض حملتي انتخابات الرئاسة والكونغرس في عام 2016.
وكذلك، أدرج جيب بوش في مخططاته المالية لجان العمل السياسي الكبرى، وهي عبارة عن منظمة أنشئت في أعقاب حكم صدر عن المحكمة العليا في عام 2010، يسمح للمجموعات الخارجية بتلقي عدد غير محدود من الهبات من أشخاص يودون التأثير في الحملات السياسية. وصحيح أن نقابات العمال وغيرها من المجموعات المماثلة قد تنشئ لجان عمل سياسي من هذا القبيل. ولكن بالنظر إلى تدني قدرتها نسبياً على جمع أموال طائلة، لا تضاهي بحجمها أو بنفوذها اللجان التي ينوي بوش استعمالها، لإنفاق أموال طائلة على الإعلانات التلفزيونية الهجومية، التي سيستهدف بها خصومه الديموقراطيين، ولكن أيضاً الجمهوريين في بعض الحالات.
نرى بالتالي أن المال يؤدي دوراً مهماً، شأنه شأن الميزة التي يكتسبها أصحاب الثروات الطائلة، بفضل قدرتهم على التأثير في طبيعة كل حملة، وفي طبيعة تشريعات الكونغرس متى وصل مرشحوهم إلى مناصب السلطة. وفي هذا السياق، يمكن التفكير مثلاً في أهم الملفات المؤثرة حالياً. فبالنظر إلى أن هيلاري كلينتون هي أبرز مرشحة عن الحزب الديموقراطي، يستطيع الجمهوريون، لو اختاروا ذلك، خوض انتخابات «سياسة خارجية»، هدفها فضح ما صدر عن كلينتون من تقصير مفترض عندما كانت وزيرة للخارجية، إذ يُزعَم أنها تركت الولايات المتحدة أضعف مما كانت عليه عند توليها منصبها، على رغم اجتيازها ملايين الأميال حول العالم، وهي تُهمة تطاول أيضاً الرئيس أوباما بنفسه. ومن شأن أمر كهذا أن يحول انتباه الناخبين بعيداً عن الثروة العظيمة لهؤلاء الجمهوريين، ولكن أيضاً عن المشاكل الواضحة التي تنطوي عليها مقاربة أحادية الجانب من هذا القبيل، تتجاهل على ما يبدو المخاوف الفعلية التي تنتاب ناخبي الطبقة المتوسطة والفئات الناخبة الأكثر فقراً، وهي مخاوف من الواضح أن الديموقراطيين عالجوها بطريقة أفضل، بفضل آرائهم الأكثر توجهاً نحو الحكومة على صعيد الرواتب والوظائف.

* أكاديمي بريطاني – جامعة هارفارد

رابط مختصر