هكذا سقط العراق!

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 12 مايو 2015 - 2:18 مساءً
هكذا سقط العراق!

ليس عراق ما بعد صدام حسين إلا واحداً من تجليات فشل إسلاميي العالم العربي في الحكم، بصرف النظر عن اختلافهم الفقهي والمذهبي والطائفي. هكذا يمكن القول إنهم اجتمعوا وأجمعوا على صفة مشتركة، برغم كل التناقضات التي تفرقهم، وهي الفشل.
في مطار بغداد، تبدأ تجليات الدولة الجديدة بالظهور تباعاً، بدءًا من شكل المطار وعدم تناسبه مع كونه مطاراً لدولة عربية كبيرة كالعراق، وصولا إلى الشعارات الطائفية التي تختزل دولة متعددة الأعراق والطوائف والأديان بطائفة واحدة، بغض النظر عن كونها الأكثرية، إلا أنها تحكم البلاد على أنها تكية كبيرة لا أمة بتاريخ كبير.
بعد أحد عشر عاماً على سقوط نظام «البعث» العراقي، وأربعة أعوام على انسحاب المحتل الأميركي، يستقر العراق غير المستقر في المرتبة 170 من أصل 175 دولة على جدول ترتيب منظمة الشفافية الدولية، ما يجعله من أكثر دول العالم فساداً.
تقول الأرقام إن العراق يخسر سنويا ما يقارب 40 مليار دولار، تختفي في سراديب الفساد الذي لم يوفر أحداً على سلالم هرم السلطة. هذا الفساد نتج عنه في صيف العام 2014 سقوط مناطق بأسرها في محافظة الموصل بيد تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي استمر في التوسع حتى أصبح يسيطر على ثلث مساحة العراق، بعد احتلاله أجزاءً كبيرة من محافظة الأنبار التي تبلغ مساحتها 139 ألف كيلومتر مربع، ومعظم محافظة صلاح الدين، وجيوب في محافظة ديالى، ولولا أن الهجوم لامس أسوار أربيل وبغداد، لم يكن ليتحرك المجتمع الدولي ولا حتى ساسة بغداد الذين كانوا، وفي عز هجوم «داعش»، يختلفون على جنس الملائكة.
لا شك ان لعهد صدام حسين بين العامين 1979 و2003 أثراً كبيراً، لا بل أساسياً، في ما آلت إليه حال العراق اليوم، فالنسخة العراقية من «حزب البعث» أسست لواقع الاضطهاد الذي ضرب إسفيناً بين مكونات البلاد، شيعة وسنة وأكراداً.
لم يكن صدّام طائفياً، لكنه كان صدامياً إلى أبعد مدى، وشيعة العراق وأكراده في تلك المرحلة كانوا أبعد ما يكون عن الصدامية، لذا كان لا بد من صِدام.
خصوصية الأكراد سمحت لهم بإيجاد حالة خاصة، حتى جغرافياً، وبرغم ذلك، فهم تعرضوا لمجازر، ليس أشهرها حلبجة.
أما الشيعة، وبرغم مقتل عشرات الآلاف منهم في صفوف الجيش العراقي الذي كان يحارب إيران آنذاك، إلا ان النظام في بغداد كان قد دخل مع هذه الشريحة التي تشكل الأكثرية في البلاد في صراع تجلى في اعتقال وقتل عدد كبير من رجال الدين والناشطين، أبرزهم على الإطلاق السيد محمد باقر الصدر وشقيقته. وفي العام 1991 ثار شيعة الجنوب العراقي على النظام، مستفيدين من تخلخله بعد حرب الخليج الثانية، إلا أن الجيش العراقي تمكن من إخماد الثورة بعد قصف المدن واحتلالها.
السياسة ولعبة المحاور
الفراغ السياسي الذي خلفه سقوط صدام حسين فتح شهية دول الجوار على لعب دور في صناعة القرار في العراق. كانت إيران وسوريا والسعودية الدول الأكثر توثباً لهذا الأمر، لاسيما وانها كانت في تلك المرحلة في طور التجهيز للإنتقال بصراعها الناعم إلى مرحلة صراع المحاور.
بالنسبة الى إيران، شكل العراق حجراً في الخاصرة خلال السنوات الماضية، بل هو كان عدواً لدوداً استنزفها لسنوات بفعل الحرب التي خاضها صدام حسين من العام 1980 وحتى العام 1988. كذلك فإن الثقل الشعبي الشيعي في العراق، والحضور الديني المذهبي من خلال أضرحة الأئمة والحوزات العلمية لا سيما منها حوزة النجف، حفز من بيدهم القرار في طهران للتوجه إلى هناك لبناء أسس لتحالف مستقبلي يكمل إستدارة هلال المقاومة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وغزة.
شيئاً فشيئاً، تطور الدور الإيراني، الذي وبرغم كل المحاولات الأميركية، تمكن من الإمساك بنقاط مهمة في البلاد، من خلال حلفاء له لم يقطعوا بدورهم العلاقة مع واشنطن.
سقوط نظام صدام حسين شكل جرس إنذار بالنسبة الى سوريا المجاورة، فعمد النظام هناك من اللحظة الأولى إلى فتح حدوده أمام من يرغب في الجهاد ضد الأميركيين لتتحول البلاد بعد مدة قليلة إلى مرتع للمقاتلين العرب، ومحطة ترانزيت ضرورية قبل الدخول إلى العراق.
أرادت دمشق استنزاف الأميركيين وإلهاءهم عنها، وفي ذات الوقت لم تكن تشعر بأن النظام الجديد في بغداد يلبي طموحاتها. بيد ان هذا اصطدم في أكثر من مناسبة مع مصالح حليفتها إيران التي وجدت في العملية السياسية في العراق خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه.
بعد سنوات دفعت سوريا ثمن سياستها تجاه العراق، وظهرت إلى العلن البنية التحتية التي كانت المجموعات الجهادية قد أسستها خلال شهر العسل مع النظام السوري.
السعودية بدورها دخلت بثقلها مستفيدة من علاقتها بالولايات المتحدة وحاجة سنة العراق الى مظلة تحميهم من الشيعية السياسية. فتحت الرياض على مجموعة من الشخصيات والأحزاب العراقية السنية خطاً ساخناً، داعمة إياهم مالياً وإعلامياً، وهناك من يحمّل السعودية وخطابها الإعلامي جزءًا من مسؤولية التناحر الطائفي، وذلك من خلال التحريض على المجموعات المدعومة من إيران. القصد كان سياسيا لكن النتيجة لبست لبوساً طائفياً، وهو ما دفع واشنطن الى اتهام السعودية في أكثر من مناسبة بلعب دور غير بناء في العراق، وتحديداً في إطار تصدير المقاتلين الأجانب المنضوين تحت ألوية مختلفة لجماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين».
الإصطدام الإيراني – السعودي في العراق أدى في غير مناسبة إلى تدهور للأوضاع الأمنية، وإلى ما سنتحدث عنه لاحقاً من فساد في المؤسسات الرسمية واقتتال طائفي. لكن المراقبين في العراق يرون ان ما حدث كان متوقعاً خاصة أن البلدين الجارين يريدان ان يرثا صدام ولاحقا الإحتلال الأميركي، لكي يضمن أحدهما ان العراق سيكون في محوره ومنصة لسياسته.
الفساد في المؤسسة العسكرية
بعد سقوط نظام «البعث» في العراق واحتلال الجيش الأميركي وحلفائه للبلاد، اتُخذ قرارٌ بحل الجيش وتسريح عناصره وملاحقة كبار ضباطه. كانت هذه رصاصة النقمة التي أُطلقت على رأس إحدى أقوى الدول العربية وأكثرها تأثيراً في التاريخ والجغرافيا.
أهم تجليات الفساد في المؤسسة العسكرية العراقية تمثل بقضية الجنود الفضائيين، التي شكلت صدمة لدى إماطة اللثام عنها للجمهور. خمسون ألف جندي وهميين سُجلوا في كشوفات الجيش، ودُفعت رواتبهم، وزُوِّدوا بالسلاح والعتاد. الشيء الوحيد الذي لم يحصل أنهم لم يكونوا موجودين ليقاتلوا لسبب بسيط، أنهم كانوا فقط جنودا على الورق.
يقول أحد كبار ضباط الأمن العراقيين في جلسة خاصة أن ما مر على العراق خلال السنوات الأخيرة غير مسبوق في أي مكان في العالم. يقول الضابط ان أحد كبار قادة الجيش في الموصل كان يسخّر مروحيتين لديه لنقل الطعام طازجاً من منزله في بغداد، بينما كان قائد آخر يفتعل اشتباكات ليقول لرئيس الوزراء حينذاك نوري المالكي انه يواجه أخطاراً، وأنه يحتاج الى المزيد من الدعم، بينما الحقيقة ان مجموع ما كان يُجمع من أتاوات يحصل عليها الضباط الكبار شهرياً من التجار والأهالي في المنطقة كان يفوق المليوني دولار، وهذه الأرقام مذكورة وموثقة في تقارير أُرسلت إلى السلطة السياسية من قبل أجهزة الأمن لكي تتحرك قبل حصول الانهيار، لكنها إكتفت بالنظر إليها من دون الاستفادة مما جاء فيها.
الفساد العسكري تحدث عنه المرجع الشيعي علي السيستاني عبر ممثله أحمد الصافي خلال خطبة جمعة يوم 7 تشرين ثاني العام 2014، وهو ما شكل صدمة للنخبة الحاكمة في بغداد. الصدمة مرتبطة بالحديث بصوت عال عن الأمر الذي أضحى محل تندّر ومثار جدال بين العراقيين العاديين.
التساؤلات لا تتوقف، كيف لضابط برتبة فريق في الجيش شراء مبان متجاورة في بغداد بمليارات الدنانير العراقية؟ وكيف لضابط آخر برتبة أدنى ان يستحوذ على مدينة ألعاب ضخمة في البصرة، وثالث يمتلك أسطول سيارات وبيتاً فارهاً في بغداد وآخر في مسقط رأسه؟
الأسئلة كثيرة والجواب واضح، أنظروا الى الموصل.
تتحمل الولايات المتحدة الأميركية مسؤولية جزء كبير من الفساد الذي يطال المؤسسة العسكرية العراقية، فهي بحكم كونها المشرفة على بناء الجيش، لم تتعامل مع بنائه على أنه جيش سيتسلم زمام الأمور بعد سنوات قليلة، إنما على قاعدة أن القوات الأميركية باقية ووظيفة الجنود العراقيين ستكون معاونة الجيش الأميركي في مهامه، وبذلك، وربما مع السنوات، يكتسب الخبرة.
لم تنفع الإستراتيجية الأميركية وخرجت الولايات المتحدة بضغط من الحكومة العراقية فيما القوات المسلحة مجرّد مسخ لا يشبه من قريب أو بعيد جيش العراق قبل الغزو.
الأنكى أن الطائفية دخلت في اختيار الضباط الكبار من الجيش القديم، بحيث جرى إستبعاد نسبة كبيرة من السنّة «البعثيين»، وضم نسبة كبيرة من الشيعة «البعثيين». هكذا تحول الضباط السابقون من السنّة شيئاً فشيئاً إلى مجموعة من المطاردين في مناطقهم في الموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى، بينما تولى مطاردتهم رفقاء سابقون لهم تولوا زمام المسؤولية. لاحقا أصبح هؤلاء قادة لما يعرف بـ «جيش الطريقة النقشبندية» بقيادة عزت إبراهيم الدوري، وبعضهم الآخر قادة مؤسسين في تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش»)، وتمكنوا بحكم تركيبة المجتمع العراقي العشائرية، وتأثيرهم في محيطهم على مدى سنوات، من إستقطاب شبان من عشائرهم وإدخالهم ضمن الأطر المستحدثة لهم، وبذلك تمكنوا من تشكيل حاضنة شعبية إستفادوا منها خلال تمردهم على الحكومة العراقية.
في المقابل يكشف مصدر عسكري عراقي ان عدداً كبيراً ممن ينضمون إلى صفوف الجيش يعمدون إلى دفع مبالغ طائلة للمسؤولين لفتح الأبواب أمامهم للدخول إلى المؤسسة التي خسرت خلال السنوات الماضية سمعتها الإنضباطية وإستبدلتها بسمعة سيئة مرتبطة بمزاريب الهدر التي تمكن من يفلح بالدخول إلى لوبيات الفساد والهدر من تكوين ثروة طائلة في ظرف سنوات قليلة من الخدمة.
الفساد الهرمي أوجد غطاءً للمخالفين، فأضحى الفاسد الصغير مرتبطاً بمنظومة كبيرة تغطّيه وتمده بالسلطة المناسبة. يقول المصدر العسكري ان هذه الحالة أنتجت نخبة فاسدة في أعلى سلم الهرم العسكري وهو ما انعكس في الميدان.
إلى جانب الفساد الميداني العسكري، يسر أحد المسؤولين العراقيين في مجلس خاص ان عمليات الهروب التي جرت من السجون الكبرى خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً تلك التي سمحت لقادة في «داعش» بالخروج إلى الحرية والإنطلاق بعملهم الميداني، جرت بعد رشوة مسؤولين في الداخلية.
الكلام يؤكده ضابط آخر أحيل على التقاعد قبل مدة، برغم تحقيقه مجموعة إنجازات ضخمة ضد «داعش». الضابط عند سؤاله عن سبب إعفائه قال ببساطة: «أبو دعاء أقالني». وأبو دعاء هو عينه أبو بكر البغدادي، لكنه الاسم الذي كان يستخدمه لدى سجنه في معسكر بوكا لدى القوات الأميركية بين العامين 2004 و2006.
ما يقصده هذا الضابط ان تنظيماً ما لديه من قدرات على تهديد السلطات العراقية عبر وسائل مختلفة. ما يرمي إليه هذا الضابط هو إظهار مدى قدرة التنظيم على اختراق جسم الدولة، وتهديده لقيادات وضباط، وتحديداً تلك المتعلقة بملفات ومواد مصورة تدين بعض المسؤولين العراقيين، حيث أضحى قادراً على تشكيل حالة تشبه اللوبي غير المرئي داخل الإدارة في بغداد، وهو أمر حتى «داعش» لم يظن أنه سيتمكن من الوصول إليه يوما ما.
الاقتتال الطائفي
يوم دخول القوات الأميركية إلى بغداد، دخلت وهي مطمئنة إلى ان الأكثرية الشيعية لن تقف في وجهها. لذا حين رسمت خريطة المناطق الساخنة والباردة في العاصمة المحتلة، لوّنت المناطق الشيعية باللون الأخضر، والسنّية بالأحمر، ومرد ذلك إلى ان معظم الفصائل المعارضة التي إما ناصرت الغزو وهللت له، أو قررت الصمت حوله، كانت شيعية. ولأنّ تقييم المخاطر لم يكن قد أخذ في الاعتبار وجود أصوات أخرى ستخرج لاحقاً لتشكل حالة مقاومة ضد الإحتلال.
كانت الشيعية السياسية رأس حربة مجلس الحكم، ولاحقاً الحكومة العراقية، كذلك تشكل الأمن العراقي الجديد من الفصائل الموافقة على الغزو والضباط السابقين ممن كانوا معنيين بقدر كبير في إثبات ولائهم للإحتلال.
في المقابل كان السنة قد قرروا خوض غمار المقاومة بغالبيتهم، وقد وصفوا في وسائل الإعلام بداية على أنهم يناهضون العملية السياسية إلا قليلا. خرج صوت شيعي رافض للإحتلال الأميركي وهو مقتدى الصدر وبدأ يجمع حوله المناصرين، فأضحى تحت مجهر الأمن وقوات الاحتلال تماماً كما السنّة الذين يقاومون الاحتلال.
لعب الاحتلال على التناقضات لكي يحمي ظهره ويبقي المناطق الخضراء تحت سيطرته، فكانت عملية الانتقام من المقاومين السنة تجري عبر رجال الأمن الشيعة العراقيين الذين كانوا مطالبين باعتقال أكبر عدد من المشبوهين بالتورط في عمليات ضد الاحتلال وزجهم في السجون وكان يمارس ضدهم شتى أنواع التعذيب والتحقير وهو الذي دفع بكثر ممن لم يكونوا أساساً متورطين لاتخاذ قرار بالإنضواء في المجموعات المقاتلة بمجرد خروجهم. ويكفي القول ان شخصية كالأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله كانت محل هجوم من قبل الساسة العراقيين وفصائلهم بسبب تحريضه الدائم على المقاومة ضد القوات الأميركية ودور حزبه في تدريب قوى المقاومة في العراق.
كانت التفجيرات في المدن العراقية، وتحديداً ضد الشيعة، تشكّل نوعاً من الدعم لوجهة نظر المناوئين للمقاومة ضد الاحتلال. وفي مواجهتها تشكلت مجموعات عملت على الانتقام بعد كل تفجير. حادثتان رئيسيتان كانتا بمثابة نقاط تحول دراماتيكية في مسار الفتنة الطائفية العراقية، الأولى في شباط العام 2006، وتمثلت بتفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، والثانية إعدام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين في أواخر شهر كانون الأول العام 2006.
بعد تفجير المرقد، تحوّلت بغداد إلى ساحة انتقام طائفي، وقتل في تلك الموجة الآلاف. وفي المقابل كثف تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» من هجماته على المدنيين قاتلا الآلاف بدوره. توقيت إعدام صدام جاء مثيراً للريبة، إذ أنه توافق مع يوم عيد الأضحى، الأمر الذي فتح مجالاً كبيراً للتعاطف مع الرئيس المخلوع، الذي تحوّل بفعل توقيت إعدامه، والمشهد الذي بث لاحقاً للعملية إلى بطل قومي وطائفي. اشتعلت الفتنة الطائفية أكثر، وتخطت حدود العراق، لتصبح سمة غالبة على الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
لعبت سياسات رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي دوراً كبيرا في تعميق السعار الطائفي في العراق، رغم ان الرجل يوم بدأ لم يفرق بين سنّي وشيعي في الملاحقة، فكانت عدة عمليات ضد تنظيمات شيعية وسنية بالتساوي ثم كانت «صولة الفرسان» في البصرة في العام 2008 ضد التيار الصدري وقائده السيد مقتدى الصدر. يومها قيل ان المالكي يريد ان يضرب مثلا في التساوي بين الجميع أمام القانون. وربما من المجحف القول ان المالكي وحيداً قرر تغيير الإتجاه، فهو وتحت ضغط سياسي طائفي، بدأ بتغليب المنطق الطائفي، وهو ما انعكس لاحقا في قرارات كبرى منها كيفية التعامل مع الميليشيات على اختلافها الفئوي، وتوسّع من السياسة والأمن ليضرب عصب البلاد الاقتصادي والتجاري والتنموي.
الفساد الاقتصادي والتنموي
لم يقتصر الفساد الضارب في العراق على مستوى السلطات العسكرية والأمنية، بل هو ضرب عميقاً في بنية الدولة وسياستها الاقتصادية والمالية وتعاملاتها النفطية وخطتها في ما يتعلق بالصناعات المحلية والعسكرية.
بعد سقوط صدام كان العراق يعاني من حظر قاس لم يوفر الحجر والبشر. اليوم وبعد أحد عشر عاما على نهاية عهد صدام، وأربعة أعوام على انسحاب الولايات المتحدة وحلفائها، لا يزال الاقتصاد العراقي غير واضح المعالم، ولا زالت المعامل التي ورثها نظام ما بعد صدام مغلقة. هذه المعامل والمصانع يقدّر عددها رئيس اتحاد الصناعات العراقية هاشم ذنون في حديث صحفي بـ «72 شركة حكومية تتألف من 195 معملاً ومنشأة، 75 في المئة منها معطلة حالياً» مضيفاً أن القطاع الخاص فيه 40 ألف معمل، 95 في المئة منها لا يعمل، بينما في القطاع المختلط هناك 21 ألف مشروع، 90 في المئة منها معطل.
المثير للاهتمام والإستغراب ان معظم موظفي القطاع العام لا يزالون حتى لحظة كتابة هذا التقرير يتقاضون رواتبهم بانتظام!
وبحسب أرقام البنك الدولي فإن العراق في العام 2014 أنفق ما يزيد عن 51 مليار دولار على مشتريات للحكومة، وهو ما يفوق بـ 20 في المئة الناتج القومي للبلاد.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبالرغم من أن العراق ينتج نحو 2.5 مليون برميل من النفط يومياً، مع توقعات بزيادة الإنتاج إلى 4 ملايين برميل يومياً، فإن نسبة غير قليلة من شعبه تواجه شبح الفقر. وأعلنت الحكومة العراقية في أكثر من مناسبة رغبتها في مواجهة الفقر من خلال استراتيجية وطنية أطلقتها في العام 2009، وذلك من أجل خفض المستوى من 23 الى 16 في المئة.
وكانت هيئة النزاهة، وهي أعلى سلطة رقابية في البلاد، قد تحدثت في تقرير لها عن قضايا الفساد التي تورّط فيها مسؤولون كبار في الحكومة، ومن بينهم ستة وزراء و53 مديراً عاماً، أو من هم بدرجات خاصة.
ومن أبرز أسماء الوزراء المتهمين بالفساد، أيهم السامرائي وزير الكهرباء السابق، وعبد الفلاح السوداني وزير التجارة الأسبق، وحازم الشعلان وزير الدفاع الأسبق.
كما وصلت مبالغ قضايا الفساد أكثر من 330 مليار دينار، تم استرداد بعضها، وما زالت الهيئة تسعى لاسترداد المال المتبقي، حيث يوجد قسم منه خارج العراق.
وتطرق تقرير هيئة النزاهة إلى تخلف العديد من كبار المسؤولين عن تقديم إقرارات ذممهم المالية إلى الهيئة، ومنهم نائب لرئيس الجمهورية ونائب لرئيس الوزراء وتسعة وزراء. أما استجابة أعضاء مجلس النواب فكان بعدد 53 من مجموع 328 عضواً.
العراق اليوم
هكذا بني العراق الجديد. عراق الفساد والإقتتال الطائفي والسقوط السياسي والعسكري. وبرغم ان ما قيل كثير، لكنه يبقى «غيض من فيض» ممارسات وسياسات أسست لما يمكن توصيفه بالهشاشة العراقية.
في أقل من عقدين، تحوَّل العراق من دولة فاشلة بحكم الحصار والحرب والمغامرات غير المحسوبة، إلى مسخ للدولة السابقة على كل مساوئها، بل ان البلاد في هذه الفترة خسرت ما يقارب نصف مساحتها بين حكم ذاتي كردي وسيطرة لتنظيم «داعش»، وبات العراقيون في سرهم وعلنهم يتساءلون عن أي مستقبل ينتظرهم، وهل حقاً بلادهم هي إمّا محكومة من حاكم بالدم والنار، أو من فوضى تملأ البلاد دماراً وناراً؟

علي هاشم
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-05-12

رابط مختصر