الضلوعية: مدافن ونصب شهداء… وقصص المواجهة مع «داعش»

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2015 - 9:41 صباحًا
الضلوعية: مدافن ونصب شهداء… وقصص المواجهة مع «داعش»

الضلوعية (تكريت) – عبدالواحد طعمة – على امتداد كيلومترات عدة، من جهة مدينــة سامراء، زرع الطريق بالألغام وأقيمت ســواتر ترابـــية لعرقلة الدخول الى بلدة الضلوعية، 120 كيلومتراً شمال بغداد.
ويقول الشيخ ذاكر الجبوري، أحد وجهاء البلدة في لـ «الحياة» ان «الضلوعية وعشيرتنا تحديداً تحملت الثقل الاكبر من الهجمة الارهابية من «داعش» وحزب البعث وعشيرة صدام». واضاف: «بدأت الهجمات ضدنا في منتصف حزيران (يونيو) الماضي أي بعد أقل من اسبوع على سقوط الموصل». واستدرك: «لكن ما يؤلمنا هو تكالب العشائر التي أوهمها المجرمون ان ما يحدث في البلاد هي عملية انقلاب يقودها عزة الدوري وآخرون بدعم اميركي فراحوا يقدمون الولاء لهم، وهؤلاء شكلوا مجلس باسم ثوار العشائر». وأشار الى ان «المنطقة سجلت حالة صمود نادرة في وجه هجمات استمرت سبعة اشهر من قبل تنظيمات داعش و»جيش الطريقة النقشبندية» الجناح العسكري لحزب البعث المنحل».
وتعتبر الضلوعية شبه جزيرة يحيطها نهر دجلة من ثلاث اتجاهات تحدها من الشرق بلدة يثرب ومن الشمال سامراء ومن الجنوب بغداد ومن الغرب مدينة بلد الشيعية.
ويصف ضابط سابق في جهاز الاستخبارات العراقي فضّل الاشارة الى اسمه بـ«ابو عبد» ما تعرضت له الضلوعية بأنه «هجمة قذرة امتزجت بها الاحقاد الاجتماعية والثارات العشائرية بالعنف السياسي». وأوضح ان «من بين الذين كانوا يقودون آلة القتل ضدنا قيادات الجيش القريبة من عائلة صدام والدوري من الذين اضطهدونا ابان النظام السابق بحجة ان عشيرة الجبور تحاول قلب نظام الحكم واعتبروا موقفنا الوطني خيانة لخطهم الفاشي في ادارة الدولة وما نتج عنه في نيسان (ابريل) 2003». وزاد: «قتلنا صدام ونظامه مرتين: الاولى عندما اعدم العشرات من ابناء الجبور عامي 1990 و1991 إثر محاولتي اغتيال له أفشلها مرتزقته، وبعد حوالي عقدين ونصف يكشف المرتزقة عن وجوههم الكالحة ليوجهوا بنادقهم الى صدورنا من جديد».
«الحياة» تجولت في أنحاء البلدة، وكانت اصوات القنابل حاضرة في 63 منزلاً مدمراً على طول هذا الخط وعشرات الدونمات من بساتين النخيل والفواكه المجرفة تشير الى شراسة الهجمات التي تعرضت لها لا سيما من جهة عشيرة البو فراج التي تمردت على «داعش» وقاتلت الى جانب الجبور وشكلت حشداً شعبياً للدفاع عن منطقتها.
ومن آثار الحرب الملفتة قيام عناصر الحشد الشعبي بجمع صناديق العتاد الفارغة والذي استخدم في المعارك وتحويلها الى نصب على شكل ملوية ترتفع لاكثر من ثلاثة امتار وبقاعدة تقرب المترين في حاجز التفتيش الجنوبي للمنطقة.
وقال جاسم الجبوري، ضابط سابق في الجيش العراقي، برتبة عميد، لـ»الحياة» ان «المعركة وعلى مدى سبعة اشهر كانت مصيرية فإما ان نقتل جميعاً هنا في الضلوعية ليستمر السيل الارهابي الى بلد او ننتصر لانفسنا متشبثين بالارض». وتابع: «خلال سبعة اشهر استخدمت ضدنا كل الاسلحة من مدافع وراجمات صواريخ والرشاشات ومقاتلين اشرار من كل الجنسيات قاتلناهم بصفوف متراصة يتقدمهم اكثر من مئة ضابط سابق في الاستخبارات والجيش والامن والشرطة وقدمنا 140 شهيداً واكثر من الف جريح وقتلنا منهم قادة كبار بينهم ابو فاطمة وابو مريم وآخرون».
ويقول محمد، وهو مقاتل في الحشد الشعبي، لـ»الحياة» ان «اصوات الانفجارات وهدير مدافعهم مازالت عالقة في اذني وصور الضحايا الذين انتشلناهم من بين انقاض الدور التي دمروها لا تفارق عيناي». محمد وبعد نفس عميق رفع رأسه قائلاً: «هل تستطيع ان تتصور ان هؤلاء الارهابيين قاموا في يوم واحد فقط بقصف قرية الجبور بما يزيد عن 1200 مقذوفة متوسطة وثقيلة؟ لك ان تدع مخيلتك لتتوقع مدى الدمار والخراب الذي طاولنا والرعب الذي احدثوه يومها بين الاطفال والعجائز. نعم فقط العجائز من النساء قعدن في البيوت فكل أمرأة قادرة على حمل السلاح كانت تقاتل مع الرجال».
قصة أخرى يرويها طيار في سلاح الجو العراقي من أهالي المنطقة لـ»الحياة» عن إحدى طلعاته الاستطلاعية حينها «في احد الايام كنت في مهمة بمكان آخر فمررت على اجواء الضلوعية لاستطلاع المنطقة المحيطة بها واذا بي ارصد العشرات من عناصر «داعش» تزحف متسللة الى بستان نخيل ملاصق لقريتنا وكانو متنكرين بسعف النخيل واغصان اشجار لكن حركة غير مدروسة من احدهم كشفتهم فعدت مسرعاً الى قاعدتي القريبة من المنطقة وابلغت عن هجوم وشيك جداً على القرية فجهزني القائد بالاسلحة وتمكنت من افشال محاولتهم قبل الشروع بالهجوم وتم قتل العشرات منهم وفر الباقون الى قرية قريبة كانت تؤويهم».
في الجهة الشرقية من الضلوعية اتخذ الاهالي قطعة ارض تقدر بثلاثة آلاف متر مقبرة «حماة الديار» لمن قضوا في المعارك، نصبت في وسطها جدارية ضمت 11 اسماً من غير ابناء المنطقة من مقاتلي الحشد الشعبي الذين دافعوا عنها حتى الموت كتب عليها «هؤلاء الابطال الذين استشهدوا في معركة ذات السواتر ورووا بدمائهم ارض الضلوعية المعطاء».
وضمت المقبرة رفاة اطفال أعمارهم بين 3 و6 سنوات ومطر حسن عبد سلمان الذي تجاوز الثمانين وصالحة عطية خلف الجبوري، امرأة في عقدها السادس لقيت مصرعها في المعارك.
المدافن زينت بصور المضحين من أجل بلدتهم وقضيتهم ولكل واحد منهم قصة تحكي فصلاً من البطولة في مواجهة «داعش» و»عصابات صدام» .
مشكلة أخرى نشبت في الضلوعية تتمثل بمطالبة الأهالي بطرد عوائل الذين تلطخت أيادي أبنائهم بدماء أولادهم الشهداء أو هدم دورهم.
وقدر الشيخ ذاكر الجبوري «المتورطين بأكثر من مئة وستين شخصاً موزعين على عشائر المنطقة بينهم 60 من الجبور و60 من البوفراج و40 من البوجواري». وحول اجراءات العشيرة تجاه أبنائها الذين شاركوا «داعش» في القتال ضد أهلهم قال: «اتخذنا عدة خطوات: الاولى تم تصنيف هؤلاء بحسب حجم دورهم السيّء فالدرجة الاولى هنا كانت من شاركوا كعوائل في القتال وايواء الاجانب وتحريض الدواعش علينا وهم لا يتعدون عشر حالات قمنا بمصادرة منازلهم بعد فرارهم من القرية وحولناها الى ثكنات للحشد الشعبي، ونعمل على مطاردتهم في انحاء المحافظة وهناك من نتعقبهم بهدف تصفيتهم لما ارتكبوه من جرائم قتل وتدمير، والصنف الثاني من تورط أحد ابنائهم ويحاولون التغــــطية عـــليه فهؤلاء قرر ابناء العشيرة ترحيلهم عـــــنها، أما الدرجـــة الاخرى اولئك الذين أعانوا «داعش» علينا في الخفاء. هؤلاء سيتم كشفهم والاقتصاص منهم».
وعن العلاقة بين الجبور وباقي القبائل المحيطة التي اتهمت بمعاونة الارهاب، قال الجبوري: «نحن الان نحاول ان نطوي الصفحة الماضية مع جيراننا من العشائر الاخرى كون الوضع العام للبلاد لا يحتمل نزاعات جانبية ولكن ليس وفق مبدأ عفا الله عما سلف بل بحسب اتفاقات معهم بتحجيم الخلاف وحصر الملاحقة بمن اقترف الجرائم ضدنا وهم معروفون لنا بالاسماء».

رابط مختصر