كل شيء طبيعي في العراق! …خير الله خير الله

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2015 - 12:58 مساءً
كل شيء طبيعي في العراق! …خير الله خير الله

عندما يرفض رئيس الوزراء العراقي تسمية الأشياء باسمائها، أي عندما يرفض علنا إعتبار الميليشيات التابعة للاحزاب الشيعية، التي ينتمي إلى أحدها، ميليشيات، يصبح كلّ شيء في العراق أكثر من طبيعي.
من بين الأمور الطبيعية أن ينفي مكتب العبادي طرحه سجن ابو غريب المهجور مكانا لإيواء النازحين العراقيين من محافظة الأنبار، علما أنّ الموضوع كان موضوع مكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري. هذا الطرح العنصري، بات ذهنية معيّنة سائدة في العراق الجديد. إنّه العراق الذي اراد جورج بوش الإبن ونائبه ديك تشيني تحويله إلى نموذج للديموقراطية في المنطقة.
جاء النفي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء ليؤكّد أن العراق مريض وأن شفاءه من المرض الخبيث لن يكون غدا. هناك من يتساءل حتّى هل يمكن أن يشفى يوما، خصوصا بعد منع أهل الأنبار من دخول بغداد واشتراط أن يكون لدى من يريد اللجوء إلى العاصمة «كفيل». فالمشكلة ليست في النفي بمقدار ما أنّها في طرح الموضوع المتعلّق بأهل الأنبار وكيفية إيوائهم في ظلّ الظروف العصيبة التي يمرّون فيها.
نزح أهل الأنبار، وهم من السنّة العرب، في إتجاه بغداد لسبب وجيه عائد إلى سيطرة «داعش» على المحافظة وإلى استعدادات تقوم بها السلطات العراقية من أجل استعادة الأنبار.
لعلّ أوّل ما كان يُفترض بالحكومة العراقية عمله تأمين كلّ الأسباب التي توفّر نجاح العملية العسكرية المحتملة بدل التصرّف بما يؤكّد مخاوف أهل الأنبار. في الواقع، إنّها مخاوف كلّ السنّة العرب الذين يعانون الأمرين منذ الإحتلال الأميركي للعراق وتحوّل البلد إلى شبه مستعمرة ايرانية تديرها ميليشيات مذهبية تنتمي إلى احزاب معيّنة مرتبطة إرتباطا وثيقا بطهران. تعمل هذه الميليشيات حاليا تحت عنوان «الحشد الشعبي» وهي تقوم مقام الحكومة العراقية، كما بدا واضحا من خلال غزوة تكريت التي قادها اللواء قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني.
ليس سرّا ما تحوّلت إليه الغزوة والمنحى الذي إتّخذته، خصوصا بعدما إتخذت طابعا إنتقاميا من منطلق أن تكريت مسقط رأس صدّام حسين. سقط صدّام وأُعدم بالطريقة التي أُعدم بها. هل على كلّ سنّي عربي عراقي دفع ثمن ما ارتكبه صدّام، الذي لم يفرّق في القمع بين سنّي وغير سنّي، بين عربي وكردي؟
ليست مخاوف السنّة العرب في العراق وليدة البارحة. منذ اليوم الأوّل للدخول الأميركي للعراق وهناك نيّة واضحة بالإنتقام من السنّة العرب. هذا لا يبني وطنا بكلّ تأكيد. هذا لا يضع الأسس لمؤسسات تابعة لدولة عصرية تكون مختلفة عن تلك التي اسّس لها حزب البعث بكلّ تخلّفه، خصوصا في مرحلة ما بعد تولّي صدّام حسين السلطة وتحوّل النظام إلى عائلي ـ بعثي.
يتجاوز الموضوع موضوع الأنبار وأهلها الممنوعين من دخول بغداد التي يعتبرها مسؤولون ايرانيون «عاصمة» الإمبراطورية الفارسية التي ما زالوا يحلمون بها.
الموضوع في نهاية المطاف مرتبط بالعاصمة العراقية المطلوب تغيير طبيعتها كلّيا. هناك، بكل وضوح، تركيز على تغيير طبيعة التركيبة الإجتماعية فيها. كانت بغداد في كلّ وقت عنوانا للعيش المشترك بين العراقيين بغض النظر عن المذهب والطائفة والقومية. كانت بغداد تتسع للجميع قبل أن تتعرّض لما تعرّضت له خصوصا بعد العام . جاء الآن وقت حمايتها من السنّة العرب الآتين من الأنبار. هناك خوف من أن يمكث هؤلاء في العاصمة التي كان مفترضا أن تفتح لهم أبوابها، على مصراعيها، في انتظار العودة إلى بيوتهم وارزاقهم…
من يمنع أهل الأنبار من دخول بغداد يخشى محو آثار التطهير العرقي والمذهبي الذي مورس منذ ما يزيد على عشر سنوات. من نتائج هذا التطهير، الذي شمل شراء اراض وبيوت في مناطق معيّنة، تحوّل بغداد من مدينة نصفها سنّي والنصف الآخر شيعي، إلى مدينة تفوق نسبة الشيعة فيها السبعين في المئة.
مثل هذا النوع من الممارسات لا يبشّر بالخير. لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ رئيس الوزراء الحالي يكشف كلّ أوراقه، إذ يظهر أنّه ليس أفضل بكثير من سلفه نوري المالكي الذي ركّز طوال ثماني سنوات على زرع المذهبية في كلّ ارجاء العراق…وصولا إلى توفير حاضنة لـ»داعش» التي استطاعت السيطرة على مناطق عراقية شاسعة، من بينها مدينة الموصل.
في نهاية المطاف، هل المطلوب التخلّص من «داعش»، أم كلّ ما في الأمر أن المطلوب إستخدام «داعش» للتخلّص من السنّة العرب، أو أقلّه تهميشهم؟
يبدو أن الهدف التخلّص من السنّة العرب وليس من «داعش». هناك إصرار على نشر البؤس في الأنبار وعلى منع أهلها من دخول بغداد وعلى منعهم في الوقت ذاته من لعب دور اساسي في التصدّي لـ»داعش».
عاجلا أم آجلا، سيتبيّن أن في العراق أزمة نظام غير قابل للتطوير، على الرغم من أن الدستور يبدو، ظاهرا، دستورا عصريا يضمن، نظريا، المساواة بين جميع المواطنين.
تبيّن في ضوء تجربة السنوات الماضية أن الدستور استخدم لتحقيق مآرب معيّنة في مقدّمها تحويل مؤسسات الدولة العراقية إلى مؤسسات تابعة لإيران. من بين هذه المؤسسات وزارات مرتبطة بالتربية والتعليم. ليس منع أهل الأنبار من دخول بغداد سوى تفصيل صغير يعكس الخوف من أي مسّ بما حقّقته عمليات التطهير العرقي المستمرّة منذ سنوات عدّة وفق خطّة مدروسة.
ادرك الأكراد باكرا أنّهم امام حالة مستعصية لن يغيّر فيها شيء حلول العبادي مكان المالكي. لذلك، سارعوا، عبر مسعود بارزاني، إلى التلويح باستفتاء على حقّ تقرير المصير. أدى ذلك إلى تحقيق المطلوب، أقلّه موقتا، فطوى الأكراد الورقة التي لوّحوا بها.
لدى الأكراد خياراتهم الكثيرة، خصوصا، أنّهم يمتلكون منطقة واضحة الحدود، نسبيا، يسيطرون عليها سيطرة كاملة. ولكن ليس ما يشير إلى أن أمام السنّة العرب مثل هذا الهامش. السنّة العرب الذين إجتاحت مناطقهم «داعش» في وضع لا يحسدون عليه. المستغرب وجود نيّة لدفعهم في اتجاه «داعش» بدل توفير الإمكانات التي تسمح لهم بمحاربتها. من يمنعهم من دخول بغداد، إنّما يسعى إلى تحقيق هذا الهدف. من يتصرّف بالطريقة التي تصرّف بها «الحشد الشعبي» بعد غزوة تكريت يجعلهم يفضّلون «داعش» على ميليشيات الأحزاب المذهبية التي يبدو أن ليس لديها ما تعد به السنّة العرب غير الإيواء في سجن ابو غريب…هل هذا مستقبل العراق الذي وُعدنا به؟
* نقلا عن “المستقبل” اللبنانية

رابط مختصر