رائحة فسـاد وهــدر بالمال العام! .. الأثاث في الدوائر الحكومية ورغبات المسؤولين

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 29 أبريل 2015 - 10:36 صباحًا
رائحة فسـاد وهــدر بالمال العام! .. الأثاث في الدوائر الحكومية ورغبات المسؤولين

تحقيق /قيس عيدان تصوير/ محمود رؤوف

أكوام كبيرة نشاهدها على أسطح البنايات الحكومية وربما فى الحدائق أو بين الممرات والمتمثلة بكراسي ومناضد مكتبية وأجهزة حاسبات وطابعات ومستلزمات طبية وربما يصل الأمر الى أجهزة كان لها الدور فى تنظيم الحياة اليومية لعمل تلك الدائرة الحكومية ، بل كان لها الدور فى تقديم الخدمات للمواطن من دون أجر؛ اليوم نرى أن قضية المستهلكات والمواد التالفة أصبحت موضوعاً مهماً بسبب الفوضى والمناظر غير الحضارية التي تركت آثارها على الشكل التنظيمي والجمالي للدائرة نفسها، الأمر هنا يرتبط بلجان المشتريات في كل دائرة حكومية المصادر تقول ان عضوية هذه اللجان تكون خاصة اما لأقرباء المسؤول مديراً كان أم وزيراً او لمن يدفع النسبة الأعلى من فارق السعر المثبت في قائمة البيع وبين السعر الحقيقي المدفوع !

مواد أرخص من الإعلان
الدكتور محمد سلمان من وزارة الصحة يقول: في اغلب مؤسسات الدولة توجد لجان المشتريات ولجنة شطب المواد المستهلاكة، التي يُفترض ان تكون وفق سجلات مدققة، مضيفاً: كما معلوم بين فترة واخرى تتطور الأجهزة الالكترونية الحاسبات او الطابعات او يلحق بها ضرر كبير، في هذه الحال يتم جرد المواد وعزلها وشطبها من سجلات المخازن وتحويلها الى مستهلك يُرمى بالنهاية فى احد اماكن الدائرة التي غالباً ما يكون السطح او الحديقة، لغرض بيعها ضمن الضوابط الخاصة ببيع وشراء اموال الدولة.
وأوضح سلمان: يتم الاعلان فى الصحف المحلية وهذه مشكلة اخرى اذ يكون سعر الاعلان فى الصحف اضعاف قيمة المواد المستهلاكة والمراد بيعها، وعلى سبيل المثال تم الاعلان عن بيع مستهلكات فى احدى المستشفيات وكانت قيمة المزاد قد وصلت الى مليون واربعمائة الف دينار وعند مراجعة مصاريف الاعلان والدلالية بلغت مليوناً وستمائة الف وهذه مشكلة. وتابع: لذا نرى العديد من مخازن وزارة الصحة فيها العشرات من الأجهزة والمستلزمات الطبية لا يمكن التلاعب بها طبقاً للضوابط والتعليمات الخاصة بوزارة المالية .
مليارات الدنانير
عبدالستار نعيم محاسب في أحد معارض الأثاث في شارع النضال يوضح: أن مشتريات دوائر الدولة من الأثاث تصل الي المليارات من الدنانير، مضيفاً: غالبا ما تطلب لجان المشتريات اثاثاً (سوقي) من مناشىء رديئة وبكميات كبيرة، لذلك نرى كميات كبيرة من تلك المشتريات يتم استهلاكها بعد عام اوعامين في اكثر الأحوال!
نعيم قال: إن معظم الدوائر الحكومية تستهلك ألأثاث المكتبي والحاسبات ولأسباب معروفة الكثير منها يدخل ضمن بوابة الفساد، مضيفا: أعمل فى حسابات المعرض ولا اُبالغ حين اكشف ان وزارات محددة وصل حجم المشتريات من الاثاث المكتبي إلى مليارات الدنانير وهم على علم تام أن هذه المشتريات يكون مصيرها الاستهلاك بعد عام أو عامين.
العمر الافتراضي ؟!
رباب عبدالحميد متقاعدة عملت فى وزارة التربية توضح أن جميع المشتريات التي يتم شراؤها من قبل لجان المشتريات سواء من القطاع الخاص أو الحكومي يتم إجراء تدقيق عمليات الإضافات والإستبعادات المسجلة في سجل المفتش العام وتثبيتهـا فـي الـسجلات الفرعية والتأكد من صحة احتساب الوصولات للمواد المشتراة والمستبعدة او المستهلكة والتحقق من سلامة الإجراءات الفنية والقانونية بالنسبة للموجودات المشطوبة من السجلات، مستطردة: كما تتم مراجعة عمليات احتساب الإندثار والتأكد من احتسابه وفق النسب المقررة بالتعليمات المالية.
رباب أضافت: ان هناك مراجعة للكشف التحليلي لحسابات مشروعات تحت التنفيذ ومطابقتها مع سـجل المفتش العـام والتحقق من تحويل الموجودات التي تم إنجازها من حساب مشروعات تحت التنفيذ الى حـساب الموجودات الثابتة، ومراقبة استخدام وسائل الحماية للموجودات الثابتة من سوء التصرف أو التلف، والتحقق من قيام القسم المختص بمسك سجلات أو بطاقات خاصة بمفردات الموجـودات الثابتـة وأجراء المطابقات الدورية بين هذه المفردات مع سجل المفتش العام من جهة ونتائج الجرد من جهة اخرى، مشيرة إلى أن هذا العمل كان يُجرى سابقاً وحتى السنوات الاخيرة لكن الذي يحصل الآن هو عبارة عن فوضي وسرقة بطرق قانونية يتم من خلالها شراء مواد ويتم التعاقد بعقود تصل الي عشرات المليارات لغرض شراء اثاث وغيرها وهم على علم بأن عمرها الافتراضي لا يتجاوز السنتين.
الأعوام الأكثـر
وعن أكثر الأعوام التي حصل فيها شراء وتبديل اثاث دوائر الدولة يقول سعدون حسين معاون مدير حسابات في إحدى وزارات الدولة : ما بين عام 2009 ولغاية 2013 شهدت معظم دوائر الدولة ومثبت في سجلاتها صرف عشرات المليارات من قبل الموازنة المخصصة لكل وزارة لعرض شراء الأثاث والمواد المكتبية والسيارات، او اجراء اعمال الصيانة والترميم، مضيفاً: ان الأمر وصل الى هدر مبالغ طائلة بسبب رغبة المدير العام او مدير مكتبه في شطب بعض المواد واعتبارها مستهلكة وبيعها بأسعار بخسة جداً! موضحاً ان هذا الأمر يحصل في اغلب دوائر الدولة وليس باستطاعة أحــد إيقافه او الوقوف بوجه المدير وحاشيته!
حجم المستهلكات يفوق الخيال
الخبير الاقتصادي عبدالعزيز حسون أوضح أن التعليمات الخاصة بلجان المشتريات وعملها محدد وفق ضوابط وتعليمات وهناك نظام محاسبي يُعمل به منذ الثلاثينيات واما تصنيف المواد على أنها مستهلكة فهذا يتم حسب العمر الافتراضي للشراء ومتانة المادة ، متسائلا: كيف تم صرف مبالغ قيمتها مليارات الدنانير وبعد عام أو عامين تشطب من السجلات الخاصة بالموجودات وتصنف على انها مستهلكة وهذا موشر واضح على هدر المال العام بإصرار؟!
الحسون أضاف: إن المشكلة الحقيقية الآن هي حجم الفساد المستشري الذي استشرى في العديد من دوائر الدولة لهذا نرى اكواماً عديدة ومخازناً ممتلئة بأجهزة منها صالحة للاستعمال وبجميع الأصناف خصوصاً الأجهزة الدفيقة والحديثة التي تسنخدم في المجالين الصناعي والصحي، بل الأكثر خطورة فى موضوع استهلاك المواد الحكومية هو مقدار حجم المستهلكات في دوائر المجاري وشبكة المياه الصحي وخطوط الكهرباء الناقلة بين الازقة .
50% حديد
ابتهال محمد موظفة فى وزارة التربية توضح أن التعليمات الاخيرة الصادرة في عام 2013 تشير الى ضرورة تصنيف المستهلكات وتقييمها من قبل لجنة التقييم في الدائرة ويتم تحديد نوعية المستهلكات فإن وجدت من تلك المواد حديد بنسبة 50% يتم إرسالها الى وزارة الصناعة وتشطب المواد وفى حال وجود مواد تقدَّر قيمتها بـ500 الف دينار يتم بيعها عن طريق الاعلان الداخلي وفى حال كان المبلغ أكثر من ذلك يتم الاعلان عنها وفق التعلميات الخاصة ببيع وايجار أموال الدولة والنشر عبر الصحف المحلية للمرة الاولى، وفى حال عدم رسو المزايدة يتم الاعلان مرة ثانية وللمرة الثالثة ويعاد تقييم المواد من قبل لجنة أخرى.
ابتهال أشارت الى أن هناك مواد حقيقية يجب ان تستهلك بسبب عمرها الافتراضي ولكن يمكن أن تستفيد منها الدائرة لاسيما ان بعض الدوائر لها كوادر فنية مثل النجار والحداد والكهربائي وغيرهم من أصحاب الأعمال الحرفية في كل دوائر الدولة.
هدايا في المزادات الحكومية
عبدالكريم فاضل صاحب مخزن كبير لبيع وشراء المواد المستهلكة والمعروفة بـ(السكراب) يوضح: إنني أدخل في معظم المزايدات التي تقوم بها دوائر الصحة وامانة بغداد والكهرباء وأتمكن من الحصول على المزايدة من خلال تقييمي للمواد الموجودة مشيراً: الى مواد بحالة جيدة جداً تم تصنيفها على أنها مستهلكة.
وأضاف فاضل : ان هناك عزوفاً كبيراً لمعظم الدوائر الحكومية على صيانة وتصليح تلك المواد ويفضلون شراء الجديد ، ولا تُصدق حين أقوم بصيانة مادة وصبغها وعرضها يتم التعامل معها على أنها جديدة ويتم بيعها الى اشخاص وانا أعرف انها ستستخدم فى دائرة حكومية اخرى، لافتاً الى إحدى الحالات التي حصلت معه والتي تم فيها شراء مواد مستهلكة من دائرة بمبلغ( 4 ملايين دينار) وعند صيانتها تم العثور على مواد لم أعرفها وبعد استنجادي بأحد المتخصصين تبيَّن انها مواد احتياطية لمنظومة كهربائية سعر الواحدة 700 دولار وعند احصائي العدد تبين انها 32 قطعة ولك أن تتصور الأمر في النهاية!
لا يقتصر بيع الاثاث المستهلكة او التي تدخل ضمن قائمة الاستهلاك، بل وصل الامر الى نقل هذه الاثاث الى منازل بعض الموظفين من اتباع وحاشية المدير، الامر الآخر ادخال الكثير من المواد الصالحة للعمل ضمن قائمة مواد مستهلكة والاعلان عن بيعها بشكل سري، ليتبين بعد حين ان المواد وزِّعت بين اعضاء لجنة المشتريات ولجنة الجرد وبعض المدراء! وهذا ما أخبرني به احد الاصدقاء العاملين في هيئة مستقلة، حين قام بزيارة مدير احدى الدوائر في الهيئة حيث وجد (تقم قنفات) في غرفة الضيوف تم شراؤه قبل فترة وجيزة لأحد المدراء ولم يعجبه لونــه ؟!
وطبعاً الأمر لم يقتصر على الاثاث المكتبي او الحاسبات، بل وصل الى السيارات والمولدات الكهربائية العملاقة وأجهزة التبريد والتكيف.

رابط مختصر