فخري كريم: سياسة الحكومات السابقة أسهمت بإفلاس خزينة الدولة وسقوط ثلث أراضي العراق

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 26 أبريل 2015 - 4:15 مساءً
فخري كريم: سياسة الحكومات السابقة أسهمت بإفلاس خزينة الدولة وسقوط ثلث أراضي العراق

بغداد/ المدى

القى رئيس مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون فخري كريم كلمة نيابة عن رئيس الإقليم مسعود بارزاني، خلال الحفل التأبيني الرسمي لذكرى رحيل (شهيد المحراب) محمد باقر الحكيم الذي اقيم بمقر المجلس الأعلى، وسط بغداد، هذا نص الكلمة:
السيدات السادة الافاضل. كلفني رئيس اقليم كردستان السيد مسعود بارزاني، بالإنابة عنه في هذا الاحتفال التأبيني الاستذكاري لشهيد المحراب آية الله محمد باقر الحكيم، وتقديره الكبير لسماحة الامام محسن الحكيم لمواقفه التاريخية في الدفاع عن الشعب الكردي، وإذ انقل لكم جميعاً ولآل الفقيد الكبير وللسيد عمار الكريم مواساته، أسمح لنفسي بقول ما كان يفترض ان يلقيه في هذا الحفل..
بسم الله الرحمن الرحيم: منذ انزياح سلطة الاستبداد عام ٢٠٠٣ والعراق أصبح موضوعاً للتدمير وشعبنا هدفاً للشهادة والاستهداف من قبل قطعان الإرهاب التكفيري باختلاف الشعارات والقوى الضالعة التي تضررت من التغيير، ومن امكانية التحول الديمقراطي.
وبغض النظر عن الأخطاء التي لازمت عملية الانتقال والتعقيدات التي رافقتها، إن لجهة الأدوات او الأساليب والتدابير غير الحكيمة، فان ما جرى لا يمكن عزله عن ممهداته التاريخية المرتبطة بسياسة القمع الشامل التي اعتمدتها الدكتاتورية، وتصفية الحياة السياسية بإفراغها من قواها الاجتماعية والحزبية الحية، وتكريس سلطة الحزب الواحد “وان كان شكلياً” والفرد الباطش المهيمن، وممارسة أشد وأعتى الاساليب القمعية، بما انطوت عليه من تصفيات جسدية واغتيالات غادرة وعسكرة للمجتمع والدولة، وما رافق ذلك من تعريب وتبعيث وتغيير سكاني وتشويه للقيم والمثل العليا.
ولكن هذا التوصيف لا يكفي دون التوقف عند السياسات التي مارستها الحكومات المتعاقبة منذ التغيير، وتخلي البعض عن البرامج والاهداف التي كانت في اساس التغيير، بل ومحاولة اعادة انتاج صورة مشوهة لكل ما عافه الشعب واستهدفه التحول من حكم الفرد والسلطة الباغية والعبث بالدولة ونهب المال العام واهانة ارادة الشعب وقواه وتعطيل المؤسسات الديمقراطية وهذا الذي كان هو ما يؤشر الى ما أصبحنا عليه اليوم: ثلث البلاد تعبث بسكانها ومواردها قطعان سائبة تكفيرية، لم يكن لها ان تستبيح كرامتنا، دون ان تُمهد لها سياسة عجفاء مغامرة معزولة فاسدة بلا قيم وطنية. وخزينة خاوية، تنوء تحت ثقل عجزٍ، وقد أرهقها فساد منفلت وسرقة صريحة للمال العام وعبث علني بموارد البلاد..
السيدات والسادة: ليس لتأبين او رثاء قامة وطنية معنىً دون التوقف عند هذه التداعيات الممتدة خرائبها في طول البلاد وعرضها، وما تشكله من محنة مأساوية لشعبنا المبتلى، والبحث في سبل معالجتها بجرأة وحزمٍ واتكالٍ على الارادة الوطنية المأسورة، بفك قيود أسرها، وإعادة الاعتبار للقيم الوطنية والدينية والانسانية التي ضحت في سبيلها كوكبة تتسع كل يوم من اخيار العراقيين المتشوفين لحياة تليق بالانسان.
هل كان الشهيد محمد باقر الحكيم، والفقيد عبد العزيز الحكيم، وكل من سقط صريعاً في لجة الارهاب الكافر، سيلتزم الصمت ازاء هذا المشهد الذي دفعنا لنكون جزءاً منه، أو هل يمكن ان ينام الشهيد قرير العين في مثواه الأبدي، وقد أحاطت مأساة شعبه بمسجاه وهو يرقد رقدته الابدية..
لقد كانت لحظة استشهاد آية الله محمد باقر الحكيم، وهو يغادر المحراب على مقربة من مقام الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، لحظة تحولٍ في مجرى الاحداث والمواجهة مع التكفير الارهابي. فالتجرؤ على الاقتراب من هذا المقام المحاط بالرهبة الايمانية، والرمزية الانسانية المنحازة لقيم العدل، ليس سوى اعلان سافر عن هوية القاتل، هوية تتبرأ من الدين والاسلام، وهما يتبرآن منه..
تلك لحظة سجلت مأثرة شهيد المحراب، وهي في ذات الوقت لحظة فقدانٍ لا يتوقف حتى اليوم لبناتٍ وابناء بررة من العراق المدمى، الأسير للارهاب والاخفاق السياسي ومظاهر النكوث عن وعد الانصياع لارادة العراقيين وخدمة مصالحهم ورفع الحيف والمظالم عنهم..
لا أحد يبقى في النهاية، والخلود تعبير مجردٌ لسيرة تتمثل في سوية انسانية تعكس مُثلاً رفيعة، أو انجازاً يضع المجتمع في مسارٍ أكثر رقياً ، وقد يحظى الخالد بموقعٍ انساني لما يتركه من أثرٍ في مسيرة البشرية وهي تفتح أُفقاً رحباً على طريق التقدم، والغنى الروحي والمادي ، واكتشاف مستوياتٍ جديدة في التطور الحضاري..
والشهادة، اذ هي انكارٌ للذات انما هي فقدانٌ يتجاوز كل أشكال التضحية ، ويعلو على الموت المجرد ، ولأنها تضحية بالحياة ، فان استمرارها كمثلٍ وقيمة سامية ، يرتقي الى مصاف خلودٍ ، عابرٍ للسيرة وللانجاز ، أياً كان وقعهما وتأثيرهما..
التضحية بالحياة بوعي تكتسب معناها من طابعها الايجابي. فهي نزوعٌ نحو مقارعة الظلم والاستبداد وكل اشكال واساليب تشويه الحياة، ورفضٌ لتجريدها من كينونتها الايجابية كخالقةٍ للقيم الانسانية النبيلة والتطلع للارتقاء بها دون انقطاع.
العراق المتشوف لبناء حاضرٍ مستقرٍ، مشغولٍ باسباب الحياة الكريمة واعادة بناء دولة ديمقراطية، تستظل بالقانون والحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة على قاعدة المواطنة وتكافؤ الفرص.. هذا العراق اصبح هدفاً للقوى الظلامية التكفيرية وقطعان الارهاب بمختلف تلاوينها، منذ تحقق فيه ما كان يصبو له الشعب باسقاط الطغيان والدكتاتورية . وصار العراقيون دون استثناء ، كل من موقعه الوطني، موضوعاً للتضحية والشهادة والبذل ، فكل مواطنةٍ ومواطنٍ اينما وجد وحيثما تحرك أصبح هدفاً للقتل المجاني بالتفخيخ والتفجير المخاتل ولعنة الانتحاريين. وليس اسثناءً من هذه الارتكابات الاجرامية الشيوخ والاطفال والنساء والمرضى، ولا المساجد والكنائس ودور العبادة والمراقد المقدسة .
فهل لنا ، ان نكون بمصاف مأثرة وتضحية الشهيدين الصدرين والشهيد محمد باقر الحكيم وفقدان شقيقه عبد العزيز الحكيم وكوكبة شهداء العراق وكردستان وحلبجة في كل بقعة منه ، على خطوط المواجهة مع داعش والارهاب اينما كان، حيث يستبسل العراقي جندياً كان في القوات المسلحة او البيشمركة، او مقاتلاً في الحشد الشعبي او متطوعي العشائر أو كل تشكيلٍ وطني يقف في المواقع ذاتها.
أنكون أمناء على رسالة الشهيد، دون ان نتصدى للمظاهر التي تحيطنا اليوم من كل صوب ، او اذا كنا نغض الطرف عمن كان مسؤولاً عن هذا الذي نحن فيه؟

رابط مختصر