مؤشرات لقواعد “لعبة جديدة” في العراق … د .محمد السعيد إدريس

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 25 أبريل 2015 - 8:41 صباحًا
مؤشرات لقواعد “لعبة جديدة” في العراق … د .محمد السعيد إدريس

بقدر ما كشفت زيارة حيدر العبادي، رئيس الحكومة العراقية، لواشنطن من خفايا الدور الأمريكي في العراق وأهدافه، بقدر ما أثارت من تساؤلات حول علاقات واشنطن وطهران في العراق أولاً، وفي الخليج ثانياً، وفي أزمتي اليمن وسوريا ثالثاً، لكن الأهم من هذا كله ذلك التساؤل الصعب عن أطر التنسيق غير المباشر الذي ستقوم به الولايات المتحدة بين “إسرائيل” وإيران، هل هذه الأطر التنسيقية محتملة أم مستبعدة ومستغربة، وإذا كانت محتملة كيف ستؤثر في قيادة إيران لأطراف خيار المقاومة ضد الكيان الصهيوني في فلسطين؟
قبل أن يذهب العبادي إلى واشنطن، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد أعد العدة لتفجير قنابله السياسية مع محاوره المفضل الكاتب الصحفي توماس فريدمان . في هذا اللقاء فجّر أوباما ثلاث قنابل، الأولى بإعلانه أن إيران ليست مصدراً للتهديد بالنسبة إلى أمن دول مجلس التعاون الخليجي، وأن مصادر تهديد هذا الأمن داخلية بصفة أساسية .
اللافت هنا أن هذا الكلام هو نفسه ما سبق أن كتبه توماس فريدمان في تبرير الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 . ففي الوقت الذي روجت فيه مراكز أبحاث أمريكية لدوافع واشنطن من غزو العراق أبرزها إعادة ترسيم الخرائط السياسية، كان فريدمان يقدم الخلفية العلمية لهذه الدعوة بقوله إن مجموعة الشباب الإرهابيين الذين قاموا بالأعمال الانتحارية ضد نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001 لم يقوموا بذلك بهدف الانتقام من الولايات المتحدة بسبب انحيازها السافر ل”إسرائيل” وأعمالها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني (كانت مجزرة جنين في الضفة الغربية هي الحدث الأبرز في ذلك الوقت)، لكنهم فعلوا ذلك لأنهم عاشوا اليأس والإحباط وحياة البؤس المادي والمعنوي في الدول التي ينتسبون إليها، لأن هذه الدول غير متجانسة التكوين الاجتماعي العرقي والديني والطائفي، وأن الاستعماريين القدامى (بريطانيا وفرنسا) أصحاب اتفاقية “سايكس- بيكو” الذين رسموا حدود تلك الدول، لم يراعوا أولوية تأسيس دول متجانسة التكوين العرقي والديني والطائفي، لكنهم راعوا فقط مصالحهم المباشرة بأنانية غير مسبوقة . وأعلن وقتها أن الحل الأمثل هو إعادة ترسيم الخرائط، وإقامة دول جديدة متجانسة اجتماعياً وعرقياً ودينياً وطائفياً .
أوباما مقتنع بهذا الفكر، ويسعى إليه، وهو لم يشأن أن يخفي ذلك عندما التقى في يناير/ كانون الثاني الماضي مع فريدمان وقال إن ما حدث من سيطرة لتنظيم “داعش” على مساحات واسعة من أراضي سوريا والعراق يكشف عن نظام إقليمي جديد بديل ل”سايكس- بيكو”، والآن يعود أوباما ويتحدث مع الرجل نفسه ويردد مقولاته إن إيران لا تشكّل خطراً على دول الخليج .
القنبلة الثانية قال فيها أوباما إنه دعا قادة دول مجلس التعاون للقاء موسع في منتجع كامب ديفيد بالولايات المتحدة للبحث في القضايا المثارة في أعقاب التوقيع على اتفاقية الإطار الخاص بأزمة برنامج إيران النووي . أي أنه سوف يضع قواعد اللعبة الجديدة في الخليج، ودور إيران فيها، ومسؤولية الولايات المتحدة إزاء حلفائها .
القنبلة الثالثة، قوله إنه لا يرى في الخليج غير قوتين إقليميتين كبيرتين: إيران و”إسرائيل”!! هكذا .
“إسرائيل” أصبحت ليست دولة خليجية فقط، بل دولة قائدة في الخليج بالمشاركة مع إيران . معنى هذا أن الأمن الإقليمي الخليجي في ثوبه الجديد، وكما يريده أوباما، سيكون مسؤولية ثلاثية: أمريكية – إيرانية – “إسرائيلية” .
المعنى المباشر لذلك هو أن أوباما لا يرى وجوداً ل”حلف عربي”، وليس مع تأسيس قوة عربية عسكرية مشتركة نواتها مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، ولا يريد أن يربط أمن الخليج بالأمن القومي العربي، بل هو لا يعترف بوجود أمن قومي عربي .
كان هذا هو الموقف الأمريكي قبل لقاء أوباما مع حيدر العبادي الذي كان قد استبق زيارته لواشنطن بمعارضة تشكيل قوة عسكرية عربية خلال القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ، وانتقد بشدة “عاصفة الحزم”، وانحاز إلى الموقف الإيراني، وحاول أن يقنع أوباما بالتراجع عن الدعم “اللوجستي” ل”عاصفة الحزم”، وهذا ما دفع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية إلى القول إن “إدارة أوباما تبدو عالقة بين حليفين (السعودية والعراق) بسبب حرب اليمن” .
ضمن هذا المناخ جاء لقاء العبادي مع أوباما، وفي هذا اللقاء وفي أعقابه تبين ما يؤكد أن الولايات المتحدة غير جادة في هزيمة “داعش” وإخراجه من العراق، وأن حقيقة الأداء الأمريكي تكشف أن واشنطن مع فرض “داعش” متغيراً أصيلاً في معادلة تقسيم العراق . الأخطر أن “داعش” يدرك ذلك ويحترم قواعد اللعبة على أفضل وجه .
فقد راوغ الرئيس الأمريكي في الاستجابة لمطالب رئيس الحكومة العراقية بالحصول على دعم عسكري، خاصة طائرات من دون طيار، أو طائرات “أباتشي”، ودبابات، باعتبار أن هذه الأسلحة ضرورية لخوض معركة تحرير الموصل . تلاعب أوباما انكشف في قراره تقديم 200 مليون دولار مساعدات أمريكية للنازحين والمتضررين .
كما أكد، وللمرة الثانية أو حتى العاشرة، أن أمد الحرب ضد “داعش” سوف يطول . قبل ذلك أعلن أن الحرب قد تمتد ثلاث سنوات، والآن يكرر بعد لقائه العبادي أنها سوف تطول . حرب تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم إرهابي لا يملك السلاح والعتاد والمقاتلين القادرين على محاربة الجيش الأمريكي أسابيع، يقرر الرئيس الأمريكي أنها حرب طويلة المدى أو ممتدة . والسؤال: لماذا؟ هل لعجز عسكري من الحلفاء بقيادتهم الأمريكية أم لرغبة أمريكية في إطالة الحرب لتحقيق أهداف أخرى؟
السؤال مهم إذا أدركنا أن “داعش” كان في مقدوره أن يتقدم نحو “سامراء” حيث مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، لكنه لم يتقدم، هل لأن ذلك ضد قواعد اللعبة وضد رغبة طهران؟
كما أنه كان في مقدوره أن يتقدم نحو بغداد ولم يحدث . . لماذا؟ هل لأن ذلك أيضاً ضد قواعد اللعبة، وأن المطلوب هو حصر وجود “داعش” في “المحافظات السنية” لفرض التقسيم والحفاظ على الحدود بين الدويلات الثلاث المستقبلية الكردية والسنية والشيعية؟
أسئلة مهمة لها علاقة مباشرة بقواعد اللعبة الجديدة . – See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/876fe076-37e0-4dc1-97e0-3b493f61457b#sthash.8ByhqFuc.dpuf

رابط مختصر