رسالة من أنباري … هاشم العقابي

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 25 أبريل 2015 - 3:17 مساءً
رسالة من أنباري … هاشم العقابي

يندر أن يمر يوم عليّ دون ان تصلني فيه رسالة على الخاص من عراقية او عراقي يستنجد بي او يطلب مني طلبا. قارئ يشكو همّ البطالة وبؤسها وفي يده شهادة علمية تؤهله للعيش وخدمة وطنه. قارئة تركت عملها بفعل مضايقات لا أخلاقية من مسؤول “كبير”. مواطن هدّ شبابه مرض لعين ولا يمتلك حتى اجرة التاكسي لتأخذه للمستشفى، فكيف به وعلاجه يحتاج الى مئات الآلاف من الدنانير؟ يناشدني أن أخصص ولو سطرا له في واحد من اعمدتي ويحسبه كافيا ان ينقذ حياته!
أمس وصلتني رسالة في أواخر الليل من نازح انباري، كتب فيها “ها انا اجتزت حاجز الكفيل بفضل صديق من بغداد. وجدت بيته مكتظا بنازحين كان قد كفلهم قبلي. الحال هنا لا تسر حتى العدو. اناشدك ان لا تنسانا كما نستنا الحكومة ومثلها السياسيون حتى الذين يقولون انهم منّا ونحن منهم. أنا على ثقة بان عمودا واحدا منك سيحرك ضمائر المسؤولين وكل من يظن اننا جئنا لنغزو بغداد او نحتلها نيابة عن داعش. ارجو ان تتقبل صراحتي. فوالله انني وعائلتي تمنينا لو متنا قبل هذا وكنا نسيا منسيا”.
لو كنت أعلم أن العمود يعيّن عاطلا او ينقذ عراقية عفيفة من محاصرة مسؤول مراهق أشيب الرأس والعجيزة، او يفتح أبواب مستشفى رصين لعلاج مريض عراقي مجانا، لحولت كل خلية من خلايا روحي وجسدي الى أعمدة على مدار الساعة. في بلدنا اليوم لا ينفع مليون عمود في رفع الحيف عن عراقي مظلوم واحد. فيا أخي الانباري المغادر بيتك ظلما كيف تتوقع ان كاتبا مثلي سينقذ 100 ألف نازح جديد؟ لو كنت قربي الآن لم تجد عندي غير ان أشارك طفلتك الدمعة وقلبك الحسرة. ولو كانت املك شبرا مربعا واحدا في هذه الكرة الأرضية لتبرعت به قربانا تحت قدميك الهاربتين من الذبح والأسر والسبي.
إنني، وحق عذابك، مثلك. تمنيت ان اموت قبل هذه اللحظة التي اجد فيها نفسي أعزلَ عاجزا عن أن اجيبك. وان اجبتك فلن أغني عنك شيئا. انك تظن، ولا ألومك، ان الكلمة ستحرك ضمائر المفسدين وتجار الطائفية. ليتك تدلني على تلك الضمائر أولا. عشر سنوات خلت وانا اقلب مسيرة الذين تسلطوا على رقاب الناس بعد استغفالهم، فلم يصادفني ضمير حي إلا ما ندر. وهذا النادر جدا تجده مثلك ومثلي يدمدم في نومه وصحوه:
تتوچّه بيّه وانا من الميت أطلب حيل.

رابط مختصر