أيامي الحلوة … علي حسين

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 22 أبريل 2015 - 1:34 صباحًا
أيامي الحلوة  … علي حسين

عاش عبد الرحمن الابنودي حياته بالطول والعرض، وهو يحمل قضية واحدة نذر حياته لها، هي قضية الانسان والوطن والبحث عن الحرية والامان، شيد لنفسه بساتين من القصائد التي تغنت بالثورة والفقراء، كان الابنودي من حكماء هذا الزمان، ولم تكن في كلماته أية ظلال لافتعال ثوري، لم يكتب شعارات جوفاء، بل استطاع ان يغوص في أعماق الإنسان البسيط المتطلع الى عالم أفضل، ليستخرج منها بكلمات عامية بسيطة وبليغة، أجمل ما فيها من أغنيات وقصائد راح ينثر بها الدعوة إلى رفض الظلم والطغيان، مترجماً مشاعر وأحلام وأفراح ملايين الناس إلى كلمات حية متوثبة مليئة بالدفء والحياة والدعوة للعدل الاجتماعي
ولد الابنودي في قرية نائية محرومة وفقيرة من قرى صعيد مصر، وما ان كبر حتى أصر ان يكون نداً للفقر والحرمان والجهل، فاختار ان يكتب القصائد التي تمجد قدرة الانسان على مقاومة القهر، شاعر من جيل أفنى حياته في الدفاع عن قيمة الحياة وحب الناس، واحدا ممن أضاؤوا الدروب في عالم حالك الظلام.
عبد الرحمن الابنودي حكاية من زمن مختلف، الطوائف فيه عارضة، والدين فيه أقرب إلى الحرية الشخصية من الفرض الاجتماعي، والنضال ضد الظلم فرض على كل مثقف.
في مذكراته التي اسماها “ايامي الحلوة ” نقرأ عن الامل والتطلع الى المستقبل،عن حكايات الفتى الذي غادر قريته ملبيا نداء الأدب والكتابة الى العاصمة القاهرة، هناك يصر ان يتلصص على نجيب محفوظ، وهو يقرأ جريدته المفضلة ” الاهرام ” في مقهى ريش، وحين يقترب منه ينسى القصيدة التي حفظها من اجل ان يلقيها امامه، فيغادر المقهى يجر اذيال الخيبة، يلتقي صلاح جاهين الذي يفتح امامه ابواب كبار مصر، وهو لايصدق انه يجلس امام عبد الحليم حافظ يدندن “انا كل ما اقول التوبة”، وتصور انه يحلم حين اخبره بليغ حمدي ذات يوم: “افرح يا عم.. أم كلثوم هتغنيلك” وبعدها يشعر بالخجل من نفسه، لانه لم يستطع ان يلبي طلب كوكب الشرق، في مقدمة ايامي الحلوة يكتب الابنودي: لأني خرجت من القرية وكأني عصارتها فقد حملت تاريخها وباطنها ووجهها في الضمير”.
واذا نتأمل حياة الابنودي برغم العواصف التي تعرض لها نجد ان ثمة نتيجتين حتميتين صبغت هذه الحياة: الوقوف بوجه الظلم والاستبداد، والتبشير بنهاية الظالم، ليس مكتوبا للظلم أن يبقى لأن هذا الامر مخالف لقاعدة الحياة، يطول الظلم، لكنه لا يبقى، تطول الشرور لكنها في النهاية تهزم، لم يعد العالم اليوم يحتمل أن لا تكون فيه الشعوب غير حرة، العصور التي كان فيها الخبر الاول امنيات جمال مبارك انتهت، بالامس قطع التلفزيون المصري البث ليعزي المصريين برحيل الابنودي، فيما كان اول اتصال هاتفي بالمواساة تتلقاه اسرة الراحل من صاحبه الرئيس السيسي.. ماذا يذكركم هذا الخبر العاجل، حتما “بالخال” خليل شوقي الذي نسي ساستنا انه بحياته وفنه كان مرآة لهذا الوطن.

رابط مختصر