الرئيسية / آراء / القات والخنجر … و «الطبل» …عبده وازن

القات والخنجر … و «الطبل» …عبده وازن

3abde wazenفي العام 2002 زرت اليمن للمرة الأولى، وحملت هذه الزيارة مفاجأتين، الأولى هي اكتشاف هذه البلاد الغريبة التي كنت قرأت عنها، والثانية هي التعرف عن كثب إلى الروائي الألماني الكبير غونتر غراس. بدا لي اليمن غير ما كنت أتخيله عبر الكتب والصور. جئت اليمن وفي مخيلتي صورة مبهمة عن «أرض الغرائب والعجائب» كما سميت في كتب التراث، لكنني لم أجد سوى بقايا بلاد تخفي أسرارها أكثر مما تفصح عنها. بدت «العربية المباركة» كما سماها الإغريق و «العربية السعيدة» وفق اللاتين و «أيمن الأرض» وفق العرب القدامى، أمام ناظري أرضاً شبه منكوبة، يلف البؤس معالمها العريقة وينتشر الفقر في أحيائها وأزقتها والساحات، وتكاد عمارتها البديعة تتآكل من فرط الإهمال. وإذا كان هذا حال صنعاء، فما تراها تكون أحوال المناطق البعيدة والقرى؟ هذا سؤال يطرح نفسه تلقاءً. لكنني لم أتمالك نفسي عن حب صنعاء والمناطق التي جُبناها حينذاك. بلاد قديمة، تفوح منها رائحة تاريخ تظل عطرة مهما هب عليها من سَمُوم.
أما لقائي غونتر غراس، مثلي مثل معظم الزملاء العرب المدعوين إلى المنتدى الذي رعته صنعاء وعنوانه «في البدء كان الحوار»، فكان حدثاً جميلاً وطريفاً. كان أدونيس ومحمود درويش من نجوم المنتدى، لكنّ حضور غراس كان أشد طغياناً وتوهجاً، وليس السبب عالميته وفوزه بجائزة نوبل، بل تواضعه الجم وألفته وجرأته… شخص فريد، صارم ولطيف جداً، يصغي جيداً ولا يؤثر المبالغة في الكلام، ينتبه إلى كل ما حوله، يشارك الآخرين أهواءهم وكأنه واحد منهم. لم يتردد عن التمنطق بالخنجر اليمني، ومضغ القات في المقيل وحمل النبتة التي التقطت له صور وهو يشمها. وكان ينقصه «طبل» بطله أوسكار في روايته الشهيرة. كان حينذاك في الخامسة والسبعين، ولكن بحماسة الشباب تظنه لوهلة أولى على مقدار من القسوة والجفاء، لكنك عندما تتكلم معه تكتشف وداعته وألفته ورحابة صدره. وجهه لم تكن احتلته التجاعيد، أذناه كأنهما مكويتان خطأ،، شعره لا يزال يحتفظ بسواده، لكنّ شاربيه يخطهما قليل من بياض ويغزوهما دخان الغليون الذي قلما يفارق يديه. عندما زار عدن رفض صاحب «الطبل» استقلال سيارة المرسيدس الفخمة التي خصت به وأصر على ركوب الباص مع مواطنيه الألمان وأصدقائه العرب، من كتّاب وصحافيين. ولما التقى رئيس الجمهورية (حينذاك) علي عبدالله صالح، الذي منحه وسام الثقافة والأدب، أصر على إثارة قضية الكاتب اليمني وجدي الأهدل الذي كانت الرقابة منعت روايته «قوارب جبلية» فاضطر إلى مغادرة اليمن خوفاً من محاكمة غير عادلة أو التعرض لاعتداء. وافق غراس على حيازة الوسام شرط أن يُصدر الرئيس قراراً يُسقط التهمة عن الأهدل فيتمكن من العودة إلى البلاد، ونزل الرئيس عند رغبته. وكان غراس جريئاً جداً في إثارة قضية المعارضة اليمنية وإن كانت تتمتع بحقها السياسي والمدني. هذا الأمران لم يثرهما كاتب عربي من المدعوين، فهؤلاء يعلمون عاقبة طرح مثل هذه الأمور على الرئيس في بلد لا يتمتع إلا ظاهراً بالحرية والديموقراطية. وفي اللقاء العام مع صالح في قصر الرئاسة، بدا غريباً تماماً عن أجواء المنتدى والثقافة، وهو حتماً لم يسمع سابقاً باسم غراس، لكنه كان سخياً فأهدانا جميعاً عسلاً وخناجر.
ارتبطت زيارتي الأولى لليمن، الذي أُدرج في خانة الأسماء المذكرة بينما كان تاريخياً مؤنثاً، بصورة غراس الذي أحب هذه البلاد كثيراً. عندما عاد من حضرموت كان مبهوراً بطبيعتها ولوحاتها الأثرية وراح يقول إن روحه ما زالت هناك وسط «ناطحات السحاب» الأولى في التاريخ والمبنية بالآجرّ والطين والصخر. ووصف تلك «الأرض الآمنة» بأنها أشبه بحضن الأديان الإبراهيمية.
أضفى حضور غراس على الزيارة جواً من الأنس والدهشة، وبدت مشاركته في الندوات فريدة، في ما شابها من حدة في الرأي وحصافة وجرأة. كانت آراؤه رصينة وأجوبته واضحة وبيّنة، وعرف كيف يدافع عن مواقفه الصريحة بهدوء وبراعة بغية إقناع الحاضرين الذين كان بعض منهم «أصوليَّ» الثقافة وبعضٌ ديمقراطياً أو اشتراكياً. وأجمل ما دعا إليه هو عدم الاهتمام بجائزة نوبل، بل بالأدب، فالأدب هو القمين بالاهتمام، لاسيما أنه يعاني اليوم رقابات عدة، سياسية ودينية وإعلامية… كان غونتر غراس يجيب على كل الأسئلة التي تطرح عليه، أينما كان، في الندوات أم في بهو الفندق أم في الباص. أذكر أنني سالته عمّا يكتب آنذاك فقال بفرنسية ضعيفة، هو الذي عاش بضعة أعوام في باريس: إنني أرتاح، بعد كتابي الأخير «مشية السرطان» يجب أن ارتاح، إنني أكتب ببطء».
رحل غونتر غراس في أوج الحرب التي يشهدها اليمن، ولو تسنى له أن يشهد ما فعل الأصوليون والحوثيون وتوابعهم في تلك البلاد التي أحبها، لكتب حتما أقسى المقالات ضدهم. لقد زاد هؤلاء اليمن بؤساً وفقراً وناصبوا شعبه الحقيقي العداء، وكادوا يقضون على أرض سميت مرة «جنة الأرض».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*