تكريت بعد التحرير: مكاسب «مزدوجة» … ونهب لإنعاش مقاولات الحرب

Smoke rises from burning shops in Tikritصحيفة الحياة ـ بغداد – علي السراي ـ تنظر الحكومة العراقية، برئاسة حيدر العبادي، إلى تحرير مدينة تكريت (180 كليومتراً شمال بغداد و330 كليومتراً جنوب الموصل) بصفتها استثماراً عسكرياً وسياسياً مزدوجاً، قبيل استكمال تحرير بقية الأراضي العراقية المحتلة من تنظيم «داعش». وفي الطريق إلى هذا الهدف، ثمة حوادث وتحولات تهدد، إلى حد ما، بحرف المسار العراقي لاستعادة «الدولة» من جماعة إرهابية غيرت رسم الخريطة العراقية في غضون أشهر معدودة. وبدأت عملية تحرير تكريت في 2 آذار (مارس) 2014، فيما ضربت واشنطن بطلب من بغداد مواقع لتنظيم «داعش» داخل المدينة أواخر الشهر ذاته.
وانتهت «العمليات» العسكرية الأساسية، فعلياً، في مدينة تكريت منذ ليلة 1 نيسان (أبريل) 2014، حين ارتقى جندي عراقي من القوات الخاصة مبنى الحكومة المحلية في المدينة ورفع العلم العراقي، بينما كان العبادي يبث خبر التحرير، أمام مؤتمر للديبلوماسيين العراقيين في بغداد، وقال بلغة مكثفة على الطريقة لأميركية: «في هذه اللحظات، تم تحرير تكريت بالكامل».
إلا أن وزير الداخلية محمد الغبان، قال في اليوم التالي أن المدينة لا تزال تحتوي على «جيوب» لمقاتلي التنظيم المتشدد.
وفي الأيام اللاحقة، حدثت مناوشات بين الجيش ومتطوعي الحشد الشعبي وبين «جيوب صغيرة» لتنظيم «داعش»، كما يقول الفريق طالب شغاتي، قائد العمليات المشتركة في تكريت.
وفي 7 نيسان 2014، أعلنت وزارة الداخلية العراقية أن معارك دارت بين قوات الأمن ومسلحي تنظيم «داعش» في تكريت، بعد أسبوع على إعلان بغداد «تحرير» المدينة من سيطرة التنظيم. ونفذت القوات العراقية عملية دهم بعدما وردتها معلومات عن وجود ما بين 8 و15 عنصراً من «داعش» مختبئين في حي القادسية في شمال المدينة.

معارك… ودخول «آمن»
وفق معلومات مختلفة ومتطابقة جمعتها «الحياة» من ضباط جيش، وقادة أحزاب وفصائل مسلحة في «الحشد الشعبي»، فإن الاقتحام النهائي لمدينة تكريت لم يكن المعركة الكبرى خلال عمليات التحرير.
يقول مصدر أمني مطلع إلى «الحياة»، أن المعارك الأساسية وقعت في مناطق القادسية، المكيشيفه، الديوم، العوجة الجديدة، وفي غالبيتها كانت الطرق ملغمة بكثافة، ما تطلب وقتاً طويلاً لمعالجتها.
ويتحدث قادة في الجيش و «الحشد الشعبي» عن خسائر فادحة في صفوف «داعش» في هذه المناطق، لكنهم أيضاً لا يخفون مقتل وإصابة جنود عراقيين، من دون إعطاء أرقام دقيقة عن الخسائر العراقية.
وفي مركز مدينة تكريت، لا يبدو أن الجيش العراقي، الذي دخل المدينة بصنفي «الفرقة الذهبية» و «الرد السريع»، تاركاً «الحشد الشعبي» يمسك المناطق المحررة في المواقع الخلفية خارج المركز، أنه اضطر لخوض معارك نوعية.
ويقول طبيب في مستشفى تكريت الرئيس، أنه لم يلق أي جثث لجنود عراقيين إلا في حالات نادرة، لكنه استقبل جثث مدنيين قضوا في عمليات دهم.
وقتل أستاذ لعلوم القرآن في كلية التربية في جامعة تكريت، على يد جنود من الجيش العراقي الذين كانوا يدهمون بيوتاً وسط المينة بحثاً عن مطلوبين. وتقول عائلة الضحية، أن رب الأسرة رفض الخروج من المدينة بعد نداءات من الجيش للمغاردة.
ويقول كامل أعرجي، وهو ضابط في الجيش العراقي، في تصريح إلى «الحياة»، أن الوحدات التي كُلفت اقتحام مركز المدينة فتحت منفذاً آمناً للمدنيين بهدف المغادرة.
وتابع: «بالفعل، غادر حوالى 300 عائلة من وسط المدينة».
وتروي عائلة الضحية قصة مقتله، «لقد دخل جنود عراقيون المنزل، وحين عثروا علينا بدأوا بطرح أسئلة عن سبب وجودنا حتى اليوم، ثم ازداد غضبهم، حتى قاموا بضرب الوالد بقوة، حتى فارق الحياة في المستشفى».
ويقول مصدر طبي في مستشفى تكريت، أن «العائلة نقلت الضحية إلى المستشفى، لكن الضربات التي تلقاها كانت شديدة للغاية وفارق الحياة قبل أن نتمكن من فعل شيء». لكن المعارك الأساسية في مركز مدينة تكريت، حيث كان الجيش العراقي قد جمع معلومات عن تمركز مسلحي «داعش» في القصور الرئاسية.
ويقول الفريق طالب شغاتي، «حصل جهاز الاستخبارات على معلومات، عن طريق التنصت، تفيد بأن المسلحين قرروا الانسحاب إلى القصور الرئاسية».
والقصور، مجموعة من البنايات الضخمة والمحصنة، التي شيدها صدام حسين، رئيس النظام العراقي السابق، لتتحول بعد عام 2003 مقار حكومية.
ولجأ المسلحون إلى تلك القصور للإفادة من التحصينات التي تتمتع بها، قبل أن يخسروا المعركة الأخيرة.

القصور ومقبرة «سبايكر»
انتهت المعارك الفعلية، ودخل الجيش العراقي، ومعه متطوعون من الحشد الشعبي، المساحات الشاسعة لموقع القصور، وبدأوا النبش عن جثث جنود عراقيين قضوا في واحدة من أكبر جرائم القتل الجماعي، والتي عرفت بـ «مجزرة سبايكر».
وشكلت الحكومة العراقية لجنة خاصة، لنبش 4 مقابر جماعية غالبية الجثث فيها لأشخاص يرتدون الزي البرتقالي الذي يجبر «داعش» أسراه على ارتدائه قبل إعدامهم.
وأظهرت صور تداولتها وسائل الإعلام المختلفة، جثثاً متفسخة ظهرت أجزاء منها، كالأصابع والرؤوس، بارزة على سطح الأرض.
وقال جواد الطليباوي المتحدث العسكري لـ «عصائب أهل الحق» أن «المعلومات التي حصلت عليها اللجنة تشير إلى أنه تم قتل جميع جنود قاعدة سبايكر». وأقام الجيش العراقي، في حضور عدد من ذوي ضحايا سبايكر، مراسم جنائزية، لفتح القبور، والتعرف إلى هوية الضحايا.

سلب… و «إعمار»!
بعد تحرير المدينة، توالت أنباء عن ارتكاب جماعات من «المحررين» عمليات سلب ونهب للمتلكات العامة في مدينة تكريت. وأعلن مسؤول كبير في البنتاغون، الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة تتابع «عن كثب» أي تجاوزات محتملة للقوات العراقية وحلفائها في تكريت، حيث أفادت معلومات بأن «هذه القوات ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان خلال استعادتها السيطرة على المدينة من تنظيم داعش». وقالت منظمة العفو الدولية أنها تحقق في انتهاكات، قد تكون ارتكبتها القوات العراقية و «الحشد الشعبي» المتحالف معها أثناء الهجوم لاستعادة المدينة. وكادت صور حرق المحال، وسرقة محتوياتها تتحول إلى «إعلام مضاد» يجهض خبر تحرير المدينة، ويجره إلى «هاوية» النزاع الطائفي.
ونفى الحشد الشعبي، في 9 نيسان 2014، قيام عناصره بعمليات ممنهجة لسرقة المنازل وحرقها في مدينة تكريت، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقده أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في بغداد.
واتهم المهندس «عصابات مجرمة»، بالقيام بعمليات السرقة والنهب في تكريت. ويقول قيادي في إحدى الفصائل المسلحة العراقية، أن «عدداً محدوداً» غير منضبط من عناصر الحشد ارتكبوا مثل هذه الأفعال، لكنه رفض «تعميم» ذلك على منجز تحرير المدينة، أو «التقليل من الجهد الذي قام به الحشد».
وظهرت مقاطع فيديو، لعدد من مسلحي «الحشد» وهم ينقلون أغراضاً من محال عامة وسط المدينة، لكن من الصعب التأكد من هوية الأشخاص الذين ظهروا في جميع المقاطع المرئية التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقول سكان من تكريت، أن عمليات انتقامية حدثت بين عشائر منهاضة لـ «داعش»، وأخرى مؤيدة لها، ظهرت للعلن في شكلها كـ «نهب وحرق».
وقال أحد السكان المحليين أن «عملية سرقة المنازل تنتهي بحرقها في الغالب». ويقول أستاذ جامعي في جامعة تكريت، أن مختبرات ضخمة ومجهزة في الجامعة لم تتعرض للضرر خلال معارك التحرير، لكن بعد 3 أيام من إعلان التحرير، دخل «مسلحون» وحرقوا المختبرات بالكامل، والقصة ذاتها حدثت مع مختبرات طبية في مستشفى تكريت، التي كانت «سليمة» حال انتهاء المعارك، بحسب شهود لـ «الحياة».

مكاسب عراقية
معارك تكريت حققت مكاسب عراقية، يمكن حصرها بـ «قطع طريق إمدادات تنظيم داعش، وعزل مناطق تحت سيطرة التنظيم عن بعضها، خصوصاً أن تكريت كانت مركز عمليات حيوية، على عكس الموصل التي تعد مركزاً للقيادة»، كما أن العمليات حققت مكاسب معنوية للجيش على طريق استعادة الثقة والخروج من صورة الانكسار في الموصل».
في حين، يبقى التغير المرتقب، والذي لا يزال محل جدل سياسي شيعي – سنّي في العراق، يتركز في الطريقة التي سيجري بها «استدامة» الأمن في المناطق المحررة، والجهة التي ستتولى ذلك، وهنا تتصاعد الشكوك والمخاوف حتى بين الحلفاء العراقيين الذين قاتلوا «داعش».

تعليق واحد

  1. شكرا على الاخبار الجديدة

أضف تعليقك