الشباب العراقي يسد الفجوة الطائفية

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 17 أبريل 2015 - 9:06 صباحًا
الشباب العراقي يسد الفجوة الطائفية

بغداد/دبي, 16 أبريل 2015 (إيرين)
يلعب مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية على أوتار التقسيم الطائفي خلال تمزيقهم لأوصال العراق، ولكن مجموعة من الشباب العراقيين يحاولون إصلاح الضرر عن طريق تعزيز رسالة التسامح والسلام.

رشا السامرائي هي واحدة من نحو 2.8 مليون عراقي فروا من منازلهم في الأشهر الـ16 الماضية أثناء استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على ما يصل إلى ربع مساحة البلاد ومساحات واسعة من سوريا المجاورة. غادرت السيدة البالغة من العمر 30 عاماً مدينة تكريت مع أسرتها عندما استولى عليها تنظيم الدولة الإسلامية في شهر يونيو الماضي، وقتل أكثر من 1,500 طالب بقاعدة تابعة للقوات الجوية العراقية.

وقد ولدت الفظائع الطائفية التي ارتكبها متشددون إسلاميون ينتمون إلى الطائفة السنية عمليات انتقامية وحشية من قبل الميليشيات الشيعية، وأصبحت العلاقات بين مختلف الطوائف والأقليات الدينية في جميع أنحاء العراق متوترة على نحو متزايد.

وعلى الرغم من – أو ربما بسبب – فقدان ممتلكاتها وعدم معرفة متى ستتمكن من العودة إلى دارها، تصمم السامرائي على التصدي للطائفية التي تدمر بلدها.
“إنني أؤمن بمعاملة الناس كبشر بغض النظر عن الدين أو الجنسية،” كما قالت خلال حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من منزل ابن عمها في أربيل، عاصمة إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه ذاتي.

وأضافت قائلة: “يمكن أن يلعب الشباب دوراً رئيسياً في القضاء على الطائفية والعنصرية عن طريق دعم بعضهم البعض. يد بيد، نضطلع بمسؤوليتنا في تعليم الناس أن يعيشوا في سلام”.

المواطنة

والسامرائي هي جزء من مجموعة “كلنا مواطنون”، وهو مشروع شبابي ترعاه منظمة باكس الهولندية غير الحكومية (PAX) التي شكلت شبكة تتكون من 25 “سفيراً للمواطنة” يمثلون الخلفيات الدينية والإثنية المتنوعة في العراق. وتضم المجموعة أعضاءً من كافة محافظات العراق الـ18، وتقوم بتنظيم ورش عمل وفعاليات للتوعية المجتمعية، ويقوم أعضاء المجموعة بزيارة أماكن عبادة بعضهم البعض في محاولة لرأب الصدع وبناء الروابط فيما بينهم.

كما أنهم ينظمون حملات لتحسين حقوق للأقليات، وفي الأونة الأخيرة، قدموا تعليقات على مشروع قانون بشأن حقوق الأقليات تجري مناقشته من قبل أعضاء البرلمان في كردستان، وأداروا برامج إذاعية وأحداث إعلامية أخرى.

وأوضحت ثيرسا دي فريس من منظمة باكس أنه في حين أن المشروع مستمر منذ عام 2012، فإن “هناك حاجة إليه الآن أكثر من أي وقت مضى بسبب تصاعد التوتر والعنف الطائفيين جراء ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية والضغط الهائل على الشباب العراقيين للانضمام إلى الميليشيات”.
وبالإضافة إلى ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، حملت مجموعات من السنة والمسيحيين والأقليات العرقية مثل اليزيديين والتركمان السلاح للدفاع عن أراضيها ضد تنظيم الدولة الإسلامية ذي الأغلبية السنية، الذي تمت مقارنة عنفه الشديد بالإبادة الجماعية. وفي حالات أخرى، تتقاتل تلك الجماعات فيما بينها.

وفي حين تحظى هذه الميليشيات المحلية بدعم جيد من مجتمعاتها في كثير من الأحيان، فإن تحركاتها مثيرة للجدل لأنها تعتبر أعمالاً خارجة عن إطار القانون ودون أي مساءلة حقيقية.

وقد تم توجيه اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان إلى ميليشيات الحشد الشعبي، التي تحظى بدعم كبير من دولة إيران المجاورة وتقاتل إلى جانب جيش الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة.

انعدام الثقة والشك

من جانبها، تتفق كريستين فان دن تورن، مديرة معهد الدراسات الإقليمية والدولية في الجامعة الأمريكية في العراق بالسليمانية (AUIS)، مع الرأي القائل بأن الطائفية قد ازدادت حدة منذ توغل تنظيم الدولة الإسلامية في البلاد، على الرغم من أنها كانت موجودة لفترة طويلة في العراق.
وقالت: “حتى يونيو من العام الماضي، كنا نعرف أن هناك طائفية، لكنها لم تكن مترسخة حقاً أو تصل إلى عموم الشعب على الصعيد الاجتماعي، بل كانت غالباً محصورة بين السياسيين. ولكن حدث تغيير كبير منذ شهر يونيو، وازداد انعدام الثقة والشك القائم على أساس طائفي أو المرتبط بالهوية الطائفية سوءاً على المستوى الشعبي”.

وأضافت فان دن تورن، الخبيرة في شؤون الأقليات العراقية: “إنني أراها في طلابي، لقد ضاق الناس ذرعاً؛ وتجري مناقشة كل شيء من منطلق طائفي وعرقي، ويوجد خطاب حماسي قوي بين اليزيديين، وبين السنة والشيعة، وبين العرب والأكراد”.

وفي السياق نفسه، قالت دي فريس: “نحن نحاول إعطاء الشباب أدوات مختلفة حتى يصبحوا نشطين في المجتمع ويلعبوا دوراً إيجابياً كمواطنين”.

وأضافت أن “الأمر يتعلق بتعلم كيفية الدفاع عن التغيير بطريقة غير عنيفة في سياق ثقافي، حيث يتم تقديم العنف على أنه الإجابة الصحيحة لكل شيء، وكذلك تعريفهم بأشخاص من الأقليات والجماعات الدينية التي لا يتواصلون معها في الحالات العادية”.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال عضو المجموعة علي عادل عبد الكريم، وهو خريج علوم الكمبيوتر من بغداد، أنه نشأ على وجه الحصر تقريباً مع الشيعة. ومنذ انضمامه إلى المشروع، أصبح الآن يعتبر اليزيديين والشبك والمسيحيين من بين أصدقائه.

وقال الشاب البالغ من العمر 35 عاماً: “لقد تعلمت أنهم جميعاً بشر، وهم مثلنا، لديهم حقوقهم. لقد حان الوقت لكي نقضي على الطائفية والعنصرية ونوقف التمييز ضد الأقليات”.

الكفاح من أجل حقوق الأقليات
والدعوة إلى المزيد من الحقوق للأقليات هو هدف هام آخر من أهداف حملة “كلنا مواطنون”. ففي بغداد، تنفذ المجموعة حملة للحصول على إذن لإنشاء المركز الثقافي اليزيدي الأول خارج شمال العراق، وتدعو أيضاً إلى وضع حد للتمييز ضد الغجر ولعراقيين السود.

وقال زهير لازغين، اليزيدي الذي كان حتى وقت قريب سفير المواطنة في حملة “كلنا مواطنون” عن محافظة دهوك في إقليم كردستان، أنه يعتقد أن الإخفاقات الماضية في التصدي للتمييز ضد الأقليات في العراق مهدت الطريق لتنظيم الدولة الإسلامية.

“نحن كيزيديين واجهنا الكثير من التمييز، وخلال السنوات الأخيرة، ازداد الوضع سوءاً. بالنسبة لي، أرى أن ذلك من الأعراض المبكرة للوضع الراهن لأنك إذا لم توقف التمييز، فإنه سينمو ليصبح شيئاً أكبر ويمكن أن يتحول إلى عنف،” كما أوضح خريج الهندسة المعمارية.

ويعمل هذا الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، الذي جاء من قرية جنوب مدينة دهوك، حالياً كمنسق مشاريع في إحدى المنظمات غير الحكومية الداعمة للنازحين اليزيديين واللاجئين السوريين في إقليم كردستان.

وهو يلقي باللوم على من يسميهم “العراقيين الجهلة” لتقديمهم معلومات تفيد بأن اليزيديين كفار وعبدة شيطان إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال: “[الكثير من] أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية أجانب، لم يكونوا يعرفون حتى من هم اليزيديون. لقد جاءت المشكلة من داخل العراق وهذه هي الطريقة التي يجب اتباعها للتصدي لها. نحن بحاجة إلى برامج مثل هذا لتغيير طريقة التفكير على الأرض وخلق آليات لمواجهة العنف والتمييز الذي يحدث في بلدنا”.

تغيير العقول

وتجدر الإشارة إلى أن حملة “كلنا مواطنون” ليست المشروع الوحيد الذي يسعى لتعزيز الحوار ومكافحة الطائفية في العراق.

فقد شارك المعهد الأمريكي للسلام (USIP)، من خلال شبكة الميسرين العراقيين (NIF) في أنشطة المشاركة المدنية في العراق منذ عام 2003، ويعد حالياً عدداً من أنشطة الحوار المجتمعي الجديدة، بما في ذلك أنشطة للمناطق المحررة مؤخراً من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت باسكال وردة، وهي وزيرة الهجرة والمهجرين السابقة في العراق التي تشغل الآن منصب رئيس منظمة حمورابي لحقوق الإنسان، أن الحل الوحيد للانقسامات العميقة في العراق هو التعليم.

“نحن بحاجة إلى إعادة بناء جيل جديد لديه المعلومات والإحساس بمعنى المسؤولية من أجل الصالح العام،” كما أكدت وردة المسيحية الكلدانية.

وأضافت قائلة: “نحن نعمل بجد لتغيير البرامج في المدارس الابتدائية والثانوية، لكي تشمل التعريف بالأقليات في المناهج العراقية الوطنية،” معبرة عن أسفها لكون العديد من العراقيين يعرفون تاريخ فلسطين أكثر من تاريخ بلادهم.

دور الحكومة

وقد رحب مارك لاتيمر، وهو مدير المجموعة الدولية لحقوق الأقليات ومقرها المملكة المتحدة الذي يرسم تقريره الصادر في شهر فبراير صورة قاتمة عن محنة الأقليات في العراق، بكل مبادرات الحوار، لكنه أكد أنه ينبغي عمل المزيد على مستوى الحكومة.

وقال: “أعتقد أن أي نوع من بناء الجسور من قبل المجتمع المدني شيء جيد، ولكن الصعوبة تكمن في أن ذلك يحدث في الوقت الذي تعمل فيه سياسة الحكومة بشكل فعال على إفشال عملية التقريب بين المجتمعات. إننا نتحرك باتجاه عراق طائفي على نحو متزايد وسياسات الحكومة العراقية، فضلاً عن جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية بالطبع، تجعل الوضع أكثر سوءاً. نحن نتحرك مرة أخرى باتجاه تجديد الحرب الطائفية التي دارت رحاها في عامي 2006 و2007”.
والجدير بالذكر أن الحكومة العراقية بقيادة الشيعة التي حلت محل نظام الرئيس المخلوع صدام حسين متهمة بتأجيج الانقسامات الدينية من خلال دعم الميليشيات والفشل في تهدئة مخاوف الأقليات.

ولكن السفراء المواطنين يأملون أن يتمكنوا من خلال الخروج عن المألوف وإقامة علاقات جديدة من البدء في استعادة التوازن.

وقالت ابتسام لطيف، منسقة حملة “كلنا مواطنون” في بغداد: “الشباب الذين نعمل معهم – شبابي – يريدون حقاً أن تتغير الأمور في العراق. إنهم يريدون تحويل هذا البلد إلى شيء عظيم، وليس البقاء عالقين في هذا الوضع مع الانقسامات القديمة بين الشيعة والسنة. سنحاول وضع حد للطائفية عن طريق الحوار. لن يكون هذا سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً. يجب أن نتشبث بالأمل”.

رابط مختصر